|

عذاب من السماء وما طلبوه مبني على التعجيز والاستهزاء. وما طلبوه أول الزمان
طلبه كفار قريش من النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم فيما بعد (وقالوا لن
نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا - إلى أن قالوا - أو تسقط السماء - كما
زعمت - علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا) (42) لقد اختصر أصحاب الأيكة
الطريق. وذهبوا ليأكلوا الأموال. ويشيعوا في الأرض الفساد. وعندما طالبوا
شعيبا عليه السلام بالعذاب (قال ربي أعلم بما تعملون) وهو كناية عن أنه ليس
له من الأمر شئ وإنما الأمر إلى الله. لأنه أعلم بما يعملون. وأن عملهم هل
يستوجب عذابا؟ وما هو العذاب الذي يستوجبه إذا استوجب؟ فهو كقول هود
لقومه: (إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به) (43).
* 6 - لهيب تحت الظلال:
داخل الأعشاش كان أصحاب الأيكة يتمتعون بالظل والظلال، كانت
خيامهم أشجارا مورقة، والطريق إلى منازلهم مفروشة بالزهور المتفتحة. إذا
وقف أحدهم على مرتفع وقف تحت الظلال، وإذا نظر من حوله رأى ممتلكاته
التي تبشره بجني ثمر جديد، يدر عليه ربحا جديدا، ولم يكن يدور بخلد أحدهم
أن الأخطار تترصده، لأن هذا النوع من الناس ضيق الأفق محدود التفكير ولا يرى
الأمور إلا من وجهة نظر واحدة ختمها هواه، لقد انتقل أصحاب الأيكة بين الأزهار
والثمار والأشجار والأنهار، وكان كل شئ حولهم يوحي لهم بالاطمئنان.
فالمنطقة تفيض بالخير لينعموا هم بالرخاء، وكل منهم يعتقد بأنه يسلك الطريق
الصحيح لامتصاص الأقوات والأرزاق وحبات العرق. ويوم الظلة جاءهم العذاب
من حيث لا يشعرون يقول تعالى: (فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم
عظيم) (44).
قال المفسرون: يوم الظلة.. يوم عذبوا فيه بظلة من الغمام، وروي أنه
يوم حر وسمائم. وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله
____________
(42) سورة الإسراء، الآيات: 90 - 92.
(43) سورة الأحقاف، الآية: 23.
(44) سورة الشعراء، الآية: 189.
سبحانه وتعالى. جعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم مدة سبعة أيام لا يكنهم منه
شئ. ثم أقبلت سحابة أظلتهم فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر.
فلما اجتمعوا كلهم تحتها أرسل الله تعالى عليهم منها شررا من نار ولهبا ووهجا
عظيما (45).
وروي أن الله تعالى أسقط عليهم الحر الشديد سبعة أيام، حتى علت
مياههم وفارت ثم ساق إليهم غمامة فاجتمعوا تحتها للاستظلال بها من وهج
الشمس وحرها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا وهلكوا بأجمعهم، وروي أن الله
تعالى أرسل عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فدخل
عليهم، فلم ينفعهم الظل ولا الماء، ثم بعث الله عليهم ريحا طيبة. فنادى
بعضهم بعضا عليكم بها. فخرجوا إلى البرية. فلما اجتمعوا تحت السحابة
ألهبها الله عليهم نارا فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي وصاروا رمادا وهو عذاب
يوم الظلة (46) لقد ضربهم الحر وهم تحت الظلال، وهم الذين اختاروا هذا
العذاب، لم يطلبوا الهداية وإنما طلبوا أن يسقط الله عليهم كسفا من السماء
فجاءهم.. ويقول عنه تعالى: (إنه كان عذاب يوم عظيم). لقد ضرب الله
أصحاب نقص الكيل والميزان مرتين وبين ذلك في كتابه. إشارة إلى أن هذه
الجريمة تدفع بالمجتمع الإنساني إلى عالم الذئاب، وعلى المجتمع الإنساني
أن يقاومها إذا كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، وروي أن الله تعالى أوحى إلى شعيب
أني معذب من قومك مائة ألف، أربعين ألفا من شرارهم وستين ألفا من خيارهم.
فقال عليه السلام: يا رب هؤلاء الأشرار. فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عز وجل
إليه: لمداهنتهم أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي (47) إن الشيطان يقف وراء
البراويز المزخرفة. براويز شهوات البطن والفرج، وعالم المكيال والميزان:
أرضية خصبة، يدخل الشيطان من خلالها إلى شهوات البطن والفرج والاستعلاء
على عباد الله، ولقد فتحت مدين وأصحاب الأيكة أبوابهم، وتاجروا بالأخضر
واليابس وفقا لأهوائهم، بعد أن تعاموا عن أن الإنسان تحيط به علل وأسباب في
كون الله الواسع. وهذه العلل والأسباب تتحكم فيه ولا حرية له قبالها. فإذا
____________
(45) الميزان: 312 / 15، ابن كثير: 346 / 3.
(46) كتاب الأنباء: 253، تفسير ابن كثير: 346 / 3.
(47) كتاب الأنباء: 253.
استقام على طريق الفطرة أفاض خالق العلل والأسباب عليه البركات، وإن
انحرف عن سبيل الله ضربته العلل والأسباب (بكن) فيهلك كل منهم بذنبه.
يقول تعالى في استئصال الأمم الماضية: (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا
عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من
أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (48).
* 7 - العودة:
روي أن الله بعد أن أهلك أصحاب الأيكة. رجع شعيب عليه السلام إلى
مقره الأول وموطن قبيلته وهي مدين ومعه أصحابه والمؤمنون، وهناك رواية معتبرة
صحيحة أن شعيبا صار أخيرا إلى مدين هو والمؤمنون به وأقام بها (49). وأصبحت
مدين مقصودة يأتيها الناس من كل مكان للتجارة، وعندما هرب موسى عليه
السلام من مصر. توجه إلى مدين. وقد ألهمه الله تعالى ذلك. لحكمة اقتضاها
سبحانه.
وروي أن موسى عليه السلام قطع رحلته من مصر إلى مدين في ثمان ليال،
فلما بلغ مدين رأى بئرا يستقي منها الناس لأغنامهم وإذا جاريتان ضعيفتان. وإذا
معهما غنيمة لهما.. قال ما خطبكما؟ قالتا: أبونا شيخ كبير ونحن جاريتان
ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرجال. فإذا سقى الناس سقينا، فرحمهما، فأخذ
دلوهما فقال لهما: قدما غنمكما فسقى لهما ثم رجعتا بكرة قبل الناس. ثم تولى
موسى إلى الشجرة التي بجانب البئر وجلس تحتها وقال: (رب إني لما أنزلت
إلي من خير فقير) وروي أنه قال ذلك، وهو محتاج إلى شق تمرة. فلما رجعتا
إلى أبيهما قال: ما أعجلكما في هذه الساعة؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا
فسقى لنا. فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي. فجاءته إحداهما تمشي على
استحياء قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فروي أن موسى عليه
السلام قال لها: وجهيني إلى الطريق وامشي خلفي، فإنا بني يعقوب لا ننظر في
أعجاز النساء، فلما جاءه وقص عليه القصص قال: لا تخف نجوت من القوم
الظالمين، ثم قال له شعيب: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن
____________
(48) سورة العنكبوت، الآية: 40.
(49) كتاب الأنباء: 253.
تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك، وروي أنه قضى أتمهما لأن
الأنبياء عليهم السلام لا تأخذ إلا بالفضل والتمام (50).
وأصبح موسى عليه السلام صهرا لشعيب عليه السلام. وراعيا لغنمه،
ومن عند شعيب خرج موسى متوجها إلى مصر وكانت بيده عصا روي أن شعيبا كان
يحتفظ بها ضمن عصي الأنبياء التي كان يضعها في بيت خاص بها. وفي طريقه
إلى مصر ناداه ربه سبحانه وتعالى كما سنبين في حينه.
لقد طويت مدين وطوي أصحاب الأيكة. لقد ذهب أصحاب اللحوم التي
من معدن، الذين أعجبوا بحياتهم وعاشوا وسط الأجولة المكدسة بالبضائع
والأدوات لامتصاص دماء الإنسان الذي يقترب منهم. لقد احترقت أكواخهم في
لمح البصر.. أخذوا على غرة، وتعذبوا ليالي طويلة في يوم عذاب عظيم،
وبعد ذهابهم جاء الذين ساروا على أهواء مدين والأيكة، فوقف وراء كل غصن
لص، وانقلبت جميع الموازين وجميع المكاييل، انقلبت في الوقت الذي
خضعت حياة الإنسان كلها للتجارة، وفي عالم كله تجارة لا ميزان ولا مكيال
فيها، أصبح السعداء يصيبهم الشقاء بسبب الأشقياء، وأصبح الأشقياء يصيبهم
الشقاء بسبب السعداء، وأصبح العبيد للمادة لا حصر لهم، ترى ألا يشعر هؤلاء
يوما بالحر؟ ربما تكون الرياح تسري عندهم داخل غرفهم وعلى شواطئهم وفي
أيكاتهم، وربما يكون الظلال من حولهم في كل مكان. ولكن ألا يعلموا أن في
كون الله ظلالا أخرى. لا مخبأ منها والحياة تحتها لا تدوم طويلا؟
____________
(50) الميزان: 29 / 16.
انحرافات فرعون موسى عليه السلام
(وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين)
سورة يونس، الآية: 83
* آل فرعون! جيش بلا قبور
[ إنحراف الدولة ]
مقدمة:
كان فرعون قمة إنتاج فقه الانحراف، بمعنى أن كفار قوم نوح الذين دونوا
فقه النظر القاصر الذي صنف عباد الله إلى أشراف وأراذل، والذين تعهدوا الغرس
الشيطاني الذي يقوم على رفض بشرية الرسول هؤلاء توجد بصمات شذوذهم
وانحرافهم على الوجه الفرعوني. ففرعون موسى رفض النبي البشر وصنف عباد
الله (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) (1) وإذا كانت عاد قوم هود
هم الذين دونوا فقه الغطرسة واستكبروا وقالوا من أشد منا قوة؟ فإن بصماتهم
حملها الوجه الفرعوني، ففرعون وملئه استكبروا وكانوا قوما عالين (2). وإذا
كانت ثمود قوم صالح قد جحدوا بآيات الله وسخروا من رسوله، فإن بصمات
الجحود والسخرية ترى بوضوح على الوجه الفرعوني، ففرعون تولى بركنه
ووصف نبي الله موسى عليه السلام بأنه ساحر أو مجنون (3). وعندما جاءهم
موسى بآيات الله كانوا منها يضحكون (4)! وإذا كان النمرود قد قال لإبراهيم عليه
____________
(1) سورة المؤمنون، الآية: 47.
(2) يقول تعالى في سورة المؤمنون: (إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين).
(3) قال تعالى: (فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون) سورة الذاريات، الآية: 39.
(4) يقول تعالى: (فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون) سورة الزخرف، الآية: 47.
السلام: أنا أحي وأميت، فإن بصمات الدولة النمرودية توجد على صفحات
الدولة الفرعونية! ففرعون هو القائل: (أنا ربكم الأعلى) (5) وهو القائل
لقومه: (ما علمت لكم من إله غيري) (6) وإذا كان قوم لوط قد تآمروا على إبادة
النسل بطريقتهم الخاصة، فإن لفرعون طريقته للتآمر على النسل وتبدو صورتها
واضحة في خطة فرعون من أجل إبادة نسل بني إسرائيل. وإبادة نسل كل من آمن
بالله الواحد (قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم) (7) فلقد تتبع
مواليد بني إسرائيل وتتبع السحرة الذين آمنوا بموسى حتى يعم في الأرض
الفساد. وإذا كانت مدين قد دونت فقه نقص الكيل والميزان فإن فرعون نقص
الميزان بطريقته الخاصة. فلقد غش قومه واستخفه ولم يطرح عليهم حقيقة كاملة
فدولته كانت كل شئ فيها بميزان، ولكن هذا الميزان كان في قصر فرعون
والعامل عليه لا يرى إلا بعيون فرعون (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي
ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون) (8) لقد كان الميزان كله
عند فرعون، فرعون الذي استكبر وجنوده في الأرض بغير الحق، وظنوا أنهم إلى
الله لا يرجعون!
لقد حمل فرعون على أكتافه جميع الانحرافات والشذوذ، بعد أن طورها
لتلائم المسيرة البشرية، وشاء الله أن يتصدى له موسى وهارون عليهما السلام،
وموسى أحد الخمسة أولي العزم الذين هم سادة الأنبياء، وقد خصهم الله بالذكر
في قوله: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى
وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) (9) وقال: (شرع لكم من الدين ما
وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) (10)
وموسى عليه السلام أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن فقد ذكر اسمه في مائة وستة
وثلاثين موضعا، وذكر البعض أن الله تعالى أشار إليه في ثلاثين موضعا آخر،
____________
(5) سورة النازعات، الآية: 24.
(6) سورة القصص، الآية: 38.
(7) سورة غافر، الآية: 25.
(8) سورة الزخرف، الآية: 51.
(9) سورة الأحزاب، الآية: 7.
(10) سورة الشورى، الآية: 13.
وأشير إلى قصته إجمالا أو تفصيلا في أربع وثلاثين سورة من سور القرآن، وقد
اختص من بين الأنبياء بكثرة المعجزات والآيات التي أيد الله بها دعوته وقد ذكر
القرآن منها معجزة العصا، واليد البيضاء، والطوفان، الجراد، والقمل،
والضفادع، والدم، وفلق البحر، وإنزال المن والسلوى، وانبجاس العيون من
الحجر بضرب العصا، وإحياء الموتى، ورفع الطور فوق القوم وغير ذلك.
ولقد أثنى الله تعالى على موسى عليه السلام بأجمل الثناء في قوله:
(واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * وناديناه من جانب
الطور الأيمن وقربناه نجيا) (11) وقال سبحانه: (وكان عند الله وجيها) (12)
وقال: (وكلم الله موسى تكليما) (13) وذكره في جملة من ذكرهم من الأنبياء في
سورة الأنعام، فأخبر سبحانه أنهم كانوا محسنين صالحين، وأنه فضلهم على
العالمين، واجتباهم وهداهم إلى صراط مستقيم.. فاجتمع بذلك له عليه
السلام معنى الإخلاص والتقريب والوجاهة والإحسان والصلاح والتفضيل
والاجتباء والهداية، أما أخوه هارون عليه السلام، فلقد أشركه الله تعالى مع
موسى عليه السلام في سورة الصافات في المن وإيتاء الكتاب والهداية إلى
الصراط المستقيم، وفي التسليم وأنه من المحسنين ومن عباده المؤمنين (14) وعده
سبحانه من المرسلين كما في سورة ص (15) ومن النبيين كما في سورة مريم (16)
وأنه ممن أنعم الله عليهم (17) وأشركه سبحانه مع من عدهم من الأنبياء في سورة
الأنعام في صفاتهم الجميلة من الإحسان والصلاح والفضل والاجتباء
والهداية (18).
____________
(11) سورة مريم، الآيتان: 51 - 52.
(12) سورة الأحزاب، الآية: 69.
(13) سورة النساء، الآية: 164.
(14) سورة الصافات، الآيات: 114 - 122.
(15) سورة طه، الآية: 47.
(16) سورة مريم، الآية: 53.
(17) سورة مريم، الآية: 58.
(18) سورة الأنعام، الآية: 84 - 88.
* 1 - أضواء على الفرعونية:
في الظاهر أن الباطل هو الذي يطارد الحق، ولكن الحقيقة تخالف ذلك،
والدليل يكمن في نتيجة المطاردة، من انتصر على من؟ إن الباطل مهما طالت
أيامه وكثر جنده واشتد ساعده، مطارد والذي يطارده هو الله، ولا بقاء لشئ
يطارده الله (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (19) إن الباطل
طارئ لا أصالة فيه، أما الحق فهو أصيل في الوجود، والحق لا يخفى بأي وجه
وعلى أي تقدير وهو من أبده البديهيات، وليس في الوجود أي محبوب أو مطلوب
أعز وأشرف وأغلى من الحق، لهذا فالحق هو الذي يطارد الباطل، ودائما وأبدا
تكون نهاية هذه المطاردة أن الحق هو المنتصر في الدنيا ظاهرا وباطنا. لقد كان
كفار قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وقومه. في
خندق الباطل. فماذا كانت عاقبة المفسدين الذين ملأوا القلوب رعبا، والنفوس
دهشة، وخربوا الديار، ونهبوا الأموال، وسفكوا الدماء، وأفنوا الجموع.
واستعبدوا العباد وأذلوا الرقاب، لقد مهلهم الله في عتوهم واعتدائهم، حتى إذا
بلغوا أوج قدرتهم. واستووا على أريكة شوكتهم وغرتهم الدنيا بزينتها،
واجتذبتهم الشهوات إلى خلاعتها، واشتغلوا بملاهي الحياة والعيش. واتخذوا
إلههم هواهم، جاءتهم الضربة القاصمة، فلم يبق منهم إلا أسماء إن لم تنس،
ولم يتبق من هيمنتهم إلا أحاديث!
وفرعون قصة من قصص الجبابرة، جاءت قصته بعد أن قص الله قصة
شعيب مع قومه، ولقد توفر للدولة الفرعونية كل أسباب القوة، من نيل يفيض
بالماء على أرض خصبة، إلى سواعد فتية ترفع الأحجار وتحفر في الصخور، لقد
توفر للدولة المناخ والطبيعة والإنسان. وهذه نعم من الله يجب الشكر عليها،
ولكن الفرعونية أمسكت بسمع وبصر القوم، فتلاشى القوم ولم يظهر إلا فرعون!
1 - الفرعونية:
بعث الله تعالى إدريس عليه السلام إلى مصر بعد الطوفان - فيما ذكره
البعض - وأقام في مدينة منف. وبعد أن أقام الحجة على القوم في بداية الطريق
____________
(19) سورة الأنبياء، الآية: 18.
وتوفاه الله، اتجه القوم نحو رفض بشرية الرسول، وظهرت ثقافة دونها الكهنة
عامودها الفقري. أن الآلهة حكموا الأرض من قديم الزمان، الآلهة لم يكن
يراهم أحد، إلا أن أرواحهم وقوتهم تحيط بالأرض، ووفقا لهذا التصور أقاموا
التماثيل لهؤلاء الآلهة الذين في تخيلاتهم، وتقربوا إليها وأقاموا لها المعابد،
وبعد مدة من الزمان ادعى الفراعنة أمام قومهم بأنهم أبناء لهؤلاء الآلهة، وأنهم
يجلسون فوق عروشهم بأمر منهم، وكان الفرعون خفرع هو أول من ادعى بنوته
للإله " رع " (20)! وعلى سنته سار جميع الفراعنة وبمقتضى هذه البنوة كان
للفراعنة الحق في امتلاك حل شئ على أرض مصر، لقد رفضوا النبوة في بداية
الطريق، لأن النبي بشر ولا ينبغي أن يكون كذلك! وفي نهاية الطريق أصبح
الذين رفضوا النبي بالأمس، أبناء آلهة! لتكون هذه البنوة فيما بعد مقدمة
للجلوس في دائرة الآلهة. إن ثقافة رفض النبي البشر، قام الشيطان بتغذيتها حتى
هضمتها الشعوب، وفي النهاية جاء بمن يجلس على الرقاب، ويقول بأن دماء
الآلهة تجري في عروقه. وعلى هذا فهو نصف إنسان ونصف إله! وعلى الجميع
السمع له والطاعة!
والفرعون خفرع لم يدع بنوته للإله رع بدون مقدمات، فمن قديم وأسطورة
(أوزير) الذي أطلق عليه الإغريق فيما بعد (أوزوريس) تنخر في عقول
المصريين، وكانت هذه الأسطورة هي الأساس الشرعي الذي استند عليه
الفرعون خفرع في بنوته للإله، وخلاصة هذه الأسطورة أن أوزير كان إلها يحكم
على الأرض، ولكن غريمه إله الشر (ست) قتله واستولى على ملكه، فقامت
(أوزوريس) معشوقة أوزير بإعادة الإله المقتول إلى الحياة، وعندما عاد ضاجعها
فحملت منه بالإله (حور) الذي أطلق عليه الإغريق اسم (حورس) وبدأ حور
يقاتل ست من أجل استرداد حقوق أبيه. وفي نهاية المطاف استردها. وتنازل له
الإله (أوزير) عن الحكم فوق الأرض، وذهب ليحكم تحت الأرض في عالم
الأموات فهذه المقدمة شيدت في ذهن القوم إمكانية إنجاب الولد من الإله، ولقد
بدأت ثقافة (أوزير) تنخر في العقول منذ بداية العصور التاريخية التي بدأت من
القرن 32 قبل الميلاد حتى جاء الفرعون (خفرع) في عصر الدولة القديمة الذي
____________
(20) تاريخ الجوع والخوف / للمؤلف - تحت الطبع -.
بدأ بعصر الأسرة الثالثة وامتد حتى نهاية عصر الأسرة السادسة (2778 - 2423
ق. م تقريبا) وقام بدق وتد الشذوذ وادعى بنوته للإله (رع). وهذا الادعاء
الذي سهرت عليه ثقافة الدولة. كان حجر عثرة في وجه كل رسول يأتي من قبل
الله تعالى، فكيف يستمع الناس لبشر رسول، وعلى رأسهم نصف إله يحكم
ويملك يضرب ويقتل؟ وبعد أن سن خفرع سنته، تلقفها كل من حكم مصر من
الغرباء، لمعرفتهم مدى تغلغل هذه الثقافة في أعماق الشعب. فالفراعنة ذوو
الأصل الأثيوبي أو الليبي الذين حكموا مصر ادعوا أنهم أبناء آلهة (21). وحكام
البطالمة ومن قبلهم الإسكندر ادعوا أنهم أبناء آلهة. حتى كليوباترا عندما أنجبت
ولدها قيصر الذي سماه أهل الإسكندرية قيصرون، من عشيقها يوليوس قيصر،
أعلنت على الملأ بأن الإله آمون جاءها في صورة يوليوس قيصر وضاجعها فأنجبت
قيصر الصغير (22)، ومن هذا الباب ركب قيصر عرش الفراعنة، لأن القوم لا
يعنيهم سوى أن تكون في عروقه يجري دماء الآلهة.
إن لافتة الحق الإلهي التي رفعها الجبابرة، ابن شرعي لفقه الرفض الذي
بدأه الشيطان يوم رفض السجود لآدم عليه السلام، ثم رعاه بعد طرده إلى
الأرض. ببث ثقافة التحقير والانتقاص لكل بشر اختاره الله لحمل رسالته إلى
الناس، ففقه الرفض الذي بدأ يوما بمقولة (خلقتني من نار وخلقته من طين)،
تطور فيما بعد وقام بتصنيف الناس فمنهم الأشراف ومنهم الأراذل. والأشراف هم
أصحاب الفضل. وشرط اعترافهم بالرسول أن يكون من الملائكة ويمتلك ما لا
يمتلكون، ثم تطور فقه الرفض فاعترف ببشرية الرسول على أيام صالح عليه
السلام بشرط أن يكونوا جميعا رسلا. فبما أنهم يماثلون الرسول في بشريته فلا
مانع من أن يدعوا ما يدعيه، ثم تطور هذا الفقه في عهد الفراعنة. فرفع فرد
مهدت له ثقافة، ليتحدث باسم آلهة الجوع والخوف والدجل والأهواء، ثم تطور
فيما بعد ليصبح داخل كل فرد فرعون صغير! إنه عالم الأهواء، وما الله بغافل عما
يعمل الظالمون.
____________
(21) المصدر السابق.
(22) تاريخ مصر في عهد البطالمة / وإبراهيم نصحي: 26 / 2.
2 - الفرعون:
في عصر فرعون موسى كان بناء الشذوذ والانحراف قد اكتمل. ففرعون
علا في الأرض يقول تعالى: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا
يستضعف طائفة منهم) (23) يقول المفسرون: العلو في الأرض كناية عن التجبر
والاستكبار. ومحصل المعنى: أن فرعون علا في الأرض، وتفوق فيها ببسط
السلطة على الناس، وإنفاذ القدرة فيهم، وجعل أهلها شيعا وفرقا مختلفة لا
تجتمع كلمتهم على شئ وبذلك ضعف عامة قوتهم على المقاومة دون قوته
والامتناع من نفوذ إرادته. وهو يستضعف طائفة منهم وهم بنو إسرائيل، وهم
أولاد يعقوب عليه السلام وقد قطنوا بمصر منذ أحضر يوسف عليه السلام أباه
وإخوته فسكنوها وتناسلوا بها (24).
فالذي رفع لافتة الحق الإلهي، فرق الناس حتى لا يجتمعون على كلمة.
وفي عالم الاختلاف أسرف فرعون وتجاوز الحد في الظلم والتعذيب، ولقد
وصفه القرآن بأنه: (كان عاليا من المسرفين) (25) وأنه طغى (26) وأنه أضل
قومه وما هدى (27) وأنه ذو الأوتاد (28) الذي كان يتفنن في قتل ضحاياه، وفرعون
هذا الذي استكبر في الأرض، كان هو المصدر الوحيد للتشريع، فلقد أعلن
على قومه إعلانه الهام (أنا ربكم الأعلى) (29) (وقال فرعون يا أيها الملأ ما
علمت لكم من إله غيري) (30) ووفقا لهذا الإعلان (قال فرعون ما أريكم إلا ما
أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) (31) وقومه الذين اختلفوا فيما بينهم بعد أن
____________
(23) سورة القصص، الآية: 4.
(24) الميزان: 8 / 16.
(25) سورة الدخان، الآية: 31.
(26) سورة طه، الآية: 24.
(27) سورة طه، الآية: 79.
(28) سورة الفجر، الآية: 10.
(29) سورة النازعات، الآية: 24.
(30) سورة القصص، الآية: 38.
(31) سورة غافر، الآية: 29.
فرقهم فرعون شيعا وفرقا مختلفة. لم يجتمعوا على شئ إلا على فرعون، لأنه
ابن الإله الذي سينعمون معه في عالم الخلود تحت الأرض بعد أن تنتهي
حياتهم، فهم حسب عقيدتهم ما كانوا يؤمنون بالبعث والحساب وما يترتب عليه
من ثواب وعقاب بجنة أو نار. لهذا قال فيهم يوسف عليه السلام: (إني تركت
ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون) (32) فالقوم كانت لهم
تصوراتهم الخاصة. وعندما بعث الله تعالى موسى عليه السلام إليهم أثبت للقوم
كفرهم بالساعة وما يترتب عليها فقال تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني
وأقم الصلاة لذكري * إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى *
فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) (33) فأخبر سبحانه أن الساعة
آتية والجزاء واقع. وأمر سبحانه موسى عليه السلام أن لا يصرفه عن الإيمان بها
وذكرها الذين اتبعوا أهواءهم. فصاروا يكفرون بها ويعرضون عن عبادة ربهم.
وهؤلاء هم الذين أرسل إليهم موسى عليه السلام.
لقد كان القوم يؤمنون بأنهم بعد الموت سيعيشون في عالم الخلود في
رحاب (أوزير) الذي يحكم تحت الأرض. وعيشتهم الراخية هذه تتوقف على
مدى طاعتهم للفرعون ابن الإله. ففرعون هو باب المعيشة الهنيئة بعد الموت.
وأوزير ورع وآمون وطابورهما الطويل عندهم المستقر، لهذا كانت القبور علامة
مميزة لما يرتع داخل نفوسهم. فالقبر حياة في عقيدتهم وثقافتهم.. فرعون على
بابه كابن للإله، وبداخله يبدأ عالم الأموات فينال كل منهم نصيبه وفقا لما أداه من
خدمة للابن القابع على رقبة الأحياء (34). لهذا كله كان لا معنى للعقيدة المصرية
القديمة بدون فرعون على رأسها، فعدم وجود فرعون يعني ضياع العقيدة. لهذا
حرص المصريون القدماء على وجود فرعون حتى في ظل الغزاة الأجانب عن
مصر.
(قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) (35) فما
____________
(32) سورة يوسف، الآية: 37.
(33) سورة طه، الآيات: 14 - 16.
(34) تاريخ الجوع والخوف / للمؤلف. تحتب الطبع.
(35) سورة غافر، الآية: 29.
كان من قومه إلا أن ينظروا بعيونه ويسمعوا بآذانه ويحبون ويكرهون بقلبه. وعنهم
يقول تعالى: (فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة
فأوردهم النار وبئس الورد المورود) (36) ووصف قوم فرعون في كتاب الله
بأوصاف عديدة. يقول تعالى: (إنهم كانوا قوما فاسقين) (37) وقال: (إن
هؤلاء قوم مجرمون) (38) وقال: (فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) (39)
وسماهم: (القوم الكافرين) (40) والقوم الظالمين (41).
ولأن فرعون تجري في عروقه دماء الآلهة! والقوم من حوله يصنعون
ويشيدون له ما يريد طمعا في الخلد الدائم تحت الأرض. فما فقه التحقير
والانتقاص تحت المظلة الفرعونية. فعندما جاءهم موسى وهارون عليهما السلام
بالرسالة. ما وجد فرعون أي حرج في قومه وهو يعلن لهم (أن رسولكم الذي
أرسل إليكم لمجنون) (42) ولم يجد حرجا وهو على أريكة ملكه بين صفوة دولته
بأن يتهم موسى عليه السلام ويقول (ساحر أو مجنون) (43) بل الأكثر من ذلك أن
يسخر هو وقومه من معجزات موسى التي أيده الله بها. يقول تعالى: (فلما
جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون) (44) والخلاصة أن الفرعونية خرجت من
تحت عباءة فقه التحقير والانتقاص من عباد الله. وما أراد الشيطان من هذه العقيدة
وغيرها من العقائد الوثنية إلا الابتعاد بالسواد الأعظم من الناس عن منابع الهدى
ليحقق بذلك هدفه الأكبر ألا وهو: غواية الناس أجمعين إلا من رحم الله. وعباده
المخلصين. والفرعونية لها أشكالها. فلقد بدأت بصورة في بداية العصور
____________
(36) سورة هود، الآيتان: 97 - 98.
(37) سورة النمل، الآية: 12، سورة الزخرف، الآية: 54، سورة القصص، الآية:
32.
(38) سورة الدخان، الآية: 22.
(39) سورة يونس، الآية: 75.
(40) سورة يونس، الآية: 86.
(41) سورة يونس، الآية: 85، سورة التحريم، الآية: 11.
(42) سورة الشعراء، الآية: 27.
(43) سورة الذاريات، الآية: 39.
(44) سورة الزخرف، الآية: 47.
التاريخية (32 ق. م - 2780 ق. م) وأضافت إلى الصورة. صورة أخرى في
عصر الدولة القديمة (2780 - 23 24 ق. م) وعبرت عصور الاضمحلال إلى
الدولة الوسطى (216 - 1778 ق. م) بوجوه احتفظت جميعها بالأصل، حتى
جاء عصر الدولة الحديثة (1575 - 945 ق. م) وظهر فرعون موسى الذي هضم
التجربة كلها وامتص كل ما هو أسوء ولم يلتفت إلى رياح يوسف عليه السلام ومن
بعده رياح أخناتون. ثم عبرت الفرعونية بعد عصر فرعون موسى إلى العصور
الفرعونية المتأخرة (945 - 343 ق. م) بوجه جديد، استلمه الإسكندر وقذف
به إلى عالم الفلاسفة ليصبح فرعون الحجر قديما بيده قلم وقرطاس في عهد
الإغريق (45).
ولما كانت للفرعونية وجوه تعود إلى أصل واحد، وبما أن فرعون موسى هو
التجسيد الحي للشذوذ الذي دونه آباؤه في عالم الانحراف، وهو المقدمة للذين
جاؤوا من بعده وجلسوا على أريكة الظلم والإسراف والاستكبار، فإن الله تعالى
جعله وقومه أئمة يدعون إلى النار يقول تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار
ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من
المقبوحين) (46) قال المفسرون: الدعوة إلى النار، هي الدعوة إلى ما يستوجب
النار من الكفر والمعاصي، ومعنى جعلهم أئمة يدعون إلى النار: تصييرهم
سابقين في الضلال يقتدي بهم اللاحقون. وقوله تعالى: (وأتبعناهم في هذه
الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين) فهم لكونهم أئمة يقتدي بهم من
خلفهم في الكفر والمعاصي، لا يزال يتبعهم ضلال الكفر والمعاصي من
مقتديهم ومتبعيهم، وعليهم من الأوزار مثل ما للمتبعين، فيتبعهم لعن مستمر
باستمرار الكفر والمعاصي بعدهم، فالآية في معنى قوله تعالى: (وليحملن
أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) (47) وقوله: (ونكتب ما قدموا وآثارهم) (48)
وتنكير اللعنة للدلالة على تفخيمها واستمرارها (49).
____________
(45) تاريخ الجوع والخوف / للمؤلف تحت الطبع.
(46) سورة القصص، الآيتان: 41 - 42.
(47) سورة العنكبوت، الآية: 13.
(48) سورة يس، الآية: 12.
(49) الميزان: 39 / 16.
إن الإمام لم يكن رشيدا، ولكنهم اتبعوه لأن هواه يوافق أهواءهم: (وما
أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود *
وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) (50) قال المفسرون:
(فاتبعوا أمر فرعون) الظاهر أن المراد بالأمر. ما هو أعم من القول والفعل،
كما قال سبحانه عن فرعون في قوله: (قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما
أهديكم إلا سبيل الرشاد) (51) فينطبق على السنة والطريقة التي كان يتخذها
ويأمر بها وكأن الآية محاذاة لقول فرعون هذا، فكذبه الله تعالى بقوله: (وما أمر
فرعون برشيد) والرشيد: فعيل من الرشد خلاف الغي، أي: وما أمر فرعون
بذي رشد حتى يهدي إلى الحق، بل كان ذا غي وجهالة (52).
لقد كان فرعون إمام ضلال: (يقدم قومه يوم القيامة) وكان فرعون وقومه:
(أئمة يدعون إلى النار) فعلى القمة وعلى القاعدة أئمة يدعون إلى النار. إن الآمر
جريمة والمنفذ جريمة. ولما كانت الفرعونية خطرا على الجنس البشري، ضرب
الله تعالى رأسها ليكون في ضرب الرأس عبرة لمن خلفه سواء أكان في القمة أو في
القاع. تماما كما ضرب سبحانه عادا وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، فكل قوم
من هؤلاء نسج خيامه من الشذوذ وأقامها في معسكر الانحراف ليصد عن سبيل
الله، فجعلهم الله عبرة، لأنه تعالى الرحمن الرحيم بعباده الذين في بطن
الغيب، فاستئصال الذين ظلموا.. يكون أمام أبناء المستقبل دليل ليحذروا من
الوقوع فيما وقع فيه أبناء الماضي. واستئصال الذين ظلموا في الماضي وفي
الحاضر وفي المستقبل هو لأتباع الصراط المستقيم. في كل زمان ومكان دعوة
للتمسك بالهدى لأن النجاة والفوز في رحابه.
* 2 - مولود على أرض الفراعنة:
إن الله تعالى رحيم مع كل جيل، وهو سبحانه يعلم ماذا يضمر الشيطان
وأتباعه للصد عن سبيل الله. لهذا يقذف الله بالحق في كل مكان وزمان. ويقذف
____________
(50) سورة هود، الآيات: 97 - 99.
(51) سورة غافر، الآية: 29.
(52) الميزان: 380 / 10.
به في الماضي لتسري ذكراه مع كل حاضر. وعندما يأتي الزمان المقدر له،
يواجه أتباع الشيطان. الذين قذفوا بأوراق الشذوذ وثقافة الانحراف على امتداد
الأيام، من أجل إيجاد أجيال لهم في المستقبل تعتنق الشذوذ وتدافع عن
الانحراف. ففي الوقت الذي كان أتباع الشيطان يمهدون بثقافة ابن الإله التي
ركب عليها فرعون موسى.. كان يوسف عليه السلام يبشر بموسى الذي سيواجه
قمة الإنتاج الفرعوني. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (لما حضرت
يوسف الوفاة جمع شيعته وأهل بيته، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم أخذ
يحدثهم بشدة تنالهم، يقتل فيها الرجال وتشق فيها بطون الحبالى وتذبح
الأطفال، حتى يظهر الله الحق في القائم من ولد لاوي بن يعقوب، وهو رجل
أسمر طويل. ثم وصفه لهم بنعته...) (53).
وظل بنو إسرائيل يتعاهدون هذه الوصية، وعندما طال الأمد.. استطالوا
على الناس وعملوا بالمعاصي، ووافق خيارهم شرارهم فسلط الله عليهم القبط
يعذبونهم (54). وفي زمان فرعون موسى تفنن في تعذيبهم وكان يستعبدهم
وصنفهم في أعماله: فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون ويغرسون،
وصنف يتولون الأعمال القذرة (55) وليس معنى ذلك أن وصية يوسف بموسى قد
ذهبت أدراج الرياح، فمن بين بني إسرائيل من كان يحفظها عن ظهر قلب،
ويورثها لأبنائه جيلا بعد جيل. وقد أثبتنا في كتابنا تاريخ الجوع والخوف في
مصر، أن انطلاقة أخناتون كان فيها أثر من تعاليم يوسف ومن قبله إبراهيم عليهما
السلام. فأخناتون كان باحثا عن الحقيقة وكانت لا تربطه أي علاقة بأي وجه من
وجوه الفرعونية المستكبرة المفسدة فبنو إسرائيل كانوا يحتفظون بالوصية، وكان
من بين المصريين من عشقها حتى اختلطت بلحمه ودمه كأخناتون وامرأة فرعون
ومؤمن آل فرعون، وعندما شاع أمر هذه الوصية في عهد فرعون موسى، تاجر بها
كهان الدجل، فنصبوا أنفسهم في مقام العالمين بأخبار الغيب. وهم لا يرون
أبعد من آنافهم، وعندما رأى فرعون في منامه أن نارا قد أقبلت من بيت المقدس
حتى دخلت بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت القبط ولم تمس بني إسرائيل، قال له
____________
(53) كتاب الأنباء: 264.
(54) كتاب الأنباء: 265.
(55) كتاب الأنباء: 266.
الكهنة: إنه يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك ويخرجك وقومك من
أرضك ويبدل، وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه. ووفقا لأطروحة الكهنة التي
دثروها بخوفهم على فرعون، ووفقا لما كان يذكره بنو إسرائيل عن موسى الذي
بشر به يوسف، أمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل! وفي حديث
الثعلبي: كان فرعون يقتل الغلمان الذين كانوا في وقته من بني إسرائيل. ومن
يولد منهم بعد ذلك. ويعذب الحبالى حتى يضعن ما في بطونهم.. وعندما
اعترى الناس الخوف والرعب، دخل رؤساء القبط على فرعون وقالوا له: إن
الموت وقع في بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم ويموت كبارهم. فيوشك أن يقع
العمل علينا، فأمر فرعون أن يقتل أطفالهم سنة ويتركهم سنة. فولد هارون في
السنة التي لا يقتل فيها. وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها (56).
وعندما وضعت أم موسى ولدها موسى، ونظرت إليه اغتمت كثيرا،
وتيقنت بأنه لا يبقى لها، بل يقتلونه. ثم جاء الفرج يقول تعالى: (وأوحينا إلى
أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه
إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن
فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) (57) قال المفسرون: (إن فرعون
وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) أي فيما كانوا يفعلونه في أبناء بني إسرائيل.
تحذرا من انهدام ملكهم وذهاب سلطانهم، فقتلوا الجم الغفير من الأبناء ولا شأن
لهم في ذلك، وتركوا موسى حيث التقطوه وربوه في حجورهم، وكان هو الذي
بيده انقراض دولتهم وزوال ملكهم.
لقد فتح فرعون الصندوق وعندما وجد فيه صبيا قال: هذا من بني
إسرائيل! وهم بقتله وعزم على إعدامه ولكن لما نظر إليه، ألقى الله تعالى في
قلبه محبته محبة شديدة، وكذلك أحبته آسية زوج فرعون ومع ذلك فقلب فرعون
أحس بالشر وأراد قتله. فقالت له زوجته: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه
ولدا. وهم لا يشعرون أنه موسى، وعندما التقطه آل فرعون، حرم الله عليه
____________
(56) كتاب الأنباء: 267.
(57) سورة القصص، الآيتان: 7 - 8.
المراضع، فجعله لا يقبل ثدي مرضع. فكلما أتوا له بمرضع لترضعه لم يقبل
ثديها، حتى جاءت أخته ورأت الحال - وكانت أمه قد قالت لأخته حين ألقت به
في النيل أن تتبع أثره - قالت لآل فرعون: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه
لنفعكم وهم له ناصحون؟ فاستمعوا لها بالقبول، فدلتهم على أمه فسلموه إليها.
كي تقر عينها.
ثم إن موسى شب حتى أصبح رجلا في بيت فرعون. وكان بارعا باسلا
قوي البأس، وافر القوة ذا عقل ورشد وكياسة حسن التصرف، كبير النفس،
عالي الهمة، بعيد النظر، بطلا شجاعا مهيبا، غريبا في آرائه واختياره، عجيبا
في مسلكه ومدخله ومخرجه، وجميلا في سياسته ومعاملة الناس، ففيه نبوغ
ظاهر وعلم باهر وخلق حسن ومرؤة ولطف ودهاء، إلى ما لا يوصف ولا مثيل
له، وقد جاء في الطبري: أنه من حينما شب موسى وقوي، كف المصريون عن
بني إسرائيل، ومن الأمور البديهية أن يعرف فيه بنو إسرائيل الظهير والنصير لهم،
وأن يلجأ إليه المضطهد والمظلوم منهم، ومع ذلك كله لم يخف عليه. من أنه
دخيل في بيت فرعون. وأنه لو كشف أمره لظهر أنه من ذاك الشعب الذي يضطهده
فرعون (58).
* 3 - الفرار إلى مدين:
ذكر البيضاوي أن موسى مكث في آل فرعون ثلاثين سنة. وأنه خرج يوما
حينما كان في بيت فرعون على حين غفلة من أهل المدينة فوجد مصريا يأخذ
عبرانيا ليسخره في بعض عمله بغير رضى منه، وهو يمتنع منه، فلما رأى العبراني
موسى استغاث به فجاء موسى إلى المصري ووكزه فقتله، ولم يعلم بذلك الأمر
سوى الرجل العبراني الذي نصره موسى. وذكر الطبري أن المصريين لما عثروا
على القتيل، قالوا لفرعون: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون، فخذ
لنا بحقنا! فقال لهم: أروني قاتله ومن يشهد عليه، فحينئذ أخذ آل فرعون في
الفحص عن خصمهم. وبينما هم يطوفون في سكك المدينة مستمرين في
التجسس والتفتيش، إذ مر موسى فوجد ذلك العبراني الذي كان سببا في قتل
____________
(58) كتاب الأنباء: 262.
الفرعوني يقاتل فرعونيا آخر. فاستغاثه العبراني على الفرعوني. فخاطبه موسى
قائلا له: إنك لغوي مبين، وعنى باللغوي العبراني، لأنه أحرج موقف موسى
وأصبح بسببه خائفا من أن يظهر أمره وبعد القتل ظل موسى في المدينة ولم يرجع
إلى بلاط فرعون، وعندما وبخ موسى العبراني، ظن العبراني أن موسى إنما يريد
أن يبطش به، فقال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس! فعلم
المصري عند ذلك أن موسى هو الذي قتل قتيل الأمس. فرجع إلى فرعون فأخبره
الخبر. فأتمروا بموسى وعزموا على قتله.
وأرسل فرعون في طلبه جماعة ممن أعدهم لمثل مهمته هذه، فسبقهم
مؤمن آل فرعون، وأعلمه بما عزم عليه القوم وأنهم يريدونه، ونصحه بأن ينجو
بنفسه، ويفارق بلاد مصر حتى لا تمتد أيديهم إليه بسوء. فحينذاك خرج منها
خائفا يترقب. يقول تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى
إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خائفا
يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين) (59).
وروي أنه عندما خرج من مصر خائفا يترقب، خرج بغير ظهر ولا دابة ولا
خادم، تخفضه أرض وترفعه أخرى حتى انتهى إلى أرض مدين، وهناك التقى مع
نبي الله شعيب، وعندما قص عليه القصص، قال له لا تخف نجوت من القوم
الظالمين، وفي مدين تزوج موسى بإحدى بنات شعيب كما ذكرنا من قبل، وقد
ذكر البعض أن الشيخ الذي لقيه موسى في مدين لم يكن شعيب. وإنما كان أحد
أتباع شعيب. وهذا ليس من الحقيقة في شئ، لأن الذي اشتهر بين الأمم
وأجمع عليه علماء المسلمين. هو زواج بنت شعيب من موسى بن عمران
ومصاهرته له. وإن لم يصرح القرآن الكريم بذلك. وإن الثابت عن طريق أهل
بيت محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم هو أن العلاقة الزوجية إنما
تحققت بين موسى وابنة النبي شعيب.
* 4 - الوادي المقدس طوى:
روي أن موسى بعد أن قضى أتم الأجلين، وسار بأهله منفصلا عن أرض
____________
(59) سورة القصص، الآيتان: 20 - 21.
مدين يؤم مصر ومعه أغنامه وامرأته.. انطلق سائرا في برية الشام، عادلا عن
المدن والعمران مخافة الملوك الذين كانوا في الشام، فسار غير عارف بالطريق.
حتى انتهى إلى جانب الطور الغربي الأيمن، في عشية شتائية شديدة البرد وقد
أظلم عليه الليل وأخذت السماء ترعد وتبرق وتمطر، وبينما موسى يتأمل ما قرب
وما بعد، إذ آنس من جانب الطور نارا، فحسبه نارا، فقال لأهله: امكثوا إني
آنست نارا.
(وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا
لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) (60) قال المفسرون: رأى نارا،
فرأى أن يذهب إليها. فإن وجد عندها أحدا سأله الطريق وإلا أخذ قبسا من النار
ليضرموا به نارا فيصطلوا بها. وفي قوله: (قال لأهله امكثوا) إشعار بل دلالة
على أنه كان مع أهله غيره. كما أن في قوله: (إني آنست نارا) دلالة على أنه
إنما رآها وحده وما كان يراها غيره من أهله. ويؤيد ذلك قوله أيضا أولا: (إذ
رأى نارا).
(فلما آتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي
المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني
وأقم الصلاة لذكري * إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى *
فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) (61).
قال المفسرون: ولما سمع موسى عليه السلام قوله تعالى: (يا موسى *
إني أنا ربك) فهم من ذلك فهم يقين أن الذي يكلمه هو ربه. وفي قوله:
(نودي) حيث طوى ذكر الفاعل ولم يقل: ناديناه أو ناداه الله: من اللطف ما لا
يقدر بقدر. وفيه تلويح أن ظهور هذه الآية لموسى كان على سبيل المفاجأة.
وقوله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) (62) هذا هو
الوحي الذي أمر عليه السلام بالاستماع له في إحدى عشر آية. تشتمل على النبوة
والرسالة معا، أما النبوة ففي هذه الآية والآيتين بعدها، وأما الرسالة فتأخذ من
____________
(60) سورة طه، الآيتان: 9 - 10.
(61) سورة طه، الآيات: 11 - 16.
(62) سورة الشورى، الآية: 51.
قوله: (وما تلك بيمينك يا موسى) وتنتهي في قوله: (اذهب إلى فرعون إنه
طغى) وقد نص تعالى أن موسى كان رسولا نبيا معا في قوله: (واذكر في
الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا) (63). وقد ذكر في الآيات
الثلاث المشتملة على النبوة الركنان معا. وهما ركن الإعتقاد وركن العمل.
وأصول الإعتقاد ثلاثة: التوحيد والنبوة والمعاد. وقد ذكر منها التوحيد والمعاد.
وطوى عن النبوة، لأن الكلام مع النبي نفسه. وأما ركن العمل. فقد لخص على
ما فيه من التفصيل في كلمة واحدة هي قوله: (فاعبدني) فتمت بذلك أصول
الدين وفروعه في ثلاث آيات (64) وبعد أن أوحى سبحانه إلى موسى من أمر الساعة
ما أوحى، وما ذكرناه من قبل من أن قدماء المصريين كانوا لا يؤمنون بالبعث
بمفهومه الحقيقي، بدأت الرسالة. قال تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى *
قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى * قال
ألقها يا موسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها
الأولى * واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى * لنريك
من آياتنا الكبرى * إذهب إلى فرعون إنه طغى).
قال المفسرون: أمر سبحانه موسى أن يلقي عصاه، فلما ألقى العصا
صارت حية تتحرك بجد وجلادة، وذلك أمر غير مترقب من جماد لا حياة له، وهو
قوله: (فألقاها فإذا هي حية تسعى) وقد عبر تعالى عن سعيها في موضع آخر
بقوله: (رآها تهتز كأنها جان) (65) وعبر عن الحية في موضع آخر لقوله:
(فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين) (66) ثم أمره سبحانه أن يجمع يده تحت
إبطه، أي يدخلها في جيبه تخرج بيضاء.
وبعد أن شاهد موسى آيات الله، وأمر بالذهاب إلى فرعون (قال رب إني
قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله
____________
(63) سورة مريم، الآية: 51.
(64) الميزان: 140 / 14.
(65) سورة القصص، الآية: 31.
(66) سورة الأعراف، الآية: 107.
معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون) (67) قال المفسرون: أشار عليه
السلام إلى قتله القبطي بالوكز، وكان يخاف أن يقتلوه قصاصا، ثم قال عليه
السلام: إن أخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معينا لي يبين صدقي في
دعواي إذا خاصموني، إني أخاف أن يكذبون فلا أستطيع بيان صدق دعواي،
وكان في لسانه عليه السلام لكنة، فخاف أن تكون هذه اللكنة عائقا في بيان حجته
وبيان ذلك في موضع آخر من كتاب الله (قال رب إني أخاف أن يكذبون *
ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون) (68) وبعد أن سأل موسى
ربه أجاب سبحانه أدعيته جميعا: (قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما
سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) (69).
قال المفسرون: شد عضده بأخيه. كناية عن تقويته به. وعدم الوصول
إليهما كناية من عدم التسلط عليهما بالقتل ونحوه، كأن الطائفتين يتسابقان،
وإحداهما متقدمة دائما والأخرى لا تدركهم بالوصول إليهم، فضلا عن أن
يسبقوهم لقد عجزت عاد قوم هود الذين دونوا فقه من أشد منا قوة! عجزت عن أن
تكيد لهود بقتل أو بغيره. وها هي دولة الفراعنة تواجه نفس الموقف، ففرعون ذو
الأوتاد، صاحب الجنود والأحجار، الذي استكبر في الأرض مضروب عليه
وعلى قوته، فلن يستطيع أن يمس موسى وهارون عليهما السلام بأي أذى، وإذا
كان قد قال يوما لمن حوله: (ذروني أقتل موسى) فإن هذا القول يدل في
المقام الأول على العجز، فمنذ متى وفرعون يستأذن في قتل إنسان؟ إنه قال
(ذروني أقتل موسى) لأنه مقيد بقانون (فلا يصلون إليكما)، وبعد أن أجاب
الله سؤال موسى أمر بالذهاب إلى فرعون وأن يقولا له قولا لينا وقال تعالى:
(فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية
من ربك والسلام على من اتبع الهدى * إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من
كذب وتولى) (70) قال المفسرون: في سياق الآيات استهانة بأمر فرعون. وبما
تزين به من زخارف الدنيا، وتظاهر به من الكبر والخيلاء ما لا يخفى. فقد قيل:
____________
(67) سورة القصص، الآيتان: 33 - 34.
(68) سورة الشعراء، الآيتان: 12 - 13.
(69) سورة القصص، الآية: 35.
(70) سورة طه، الآيتان: 47 - 48.
(فأتياه) ولم يقل اذهبا إليه. وإتيان الشئ أقرب مساسا به من الذهاب إليه.
ولم يكن إتيان فرعون وهو ملك مصر بذاك السهل الميسور. وقيل: (فقولا)
ولم يقل: فقولا له. كأنه لا يعتني به. وقيل: (إنا رسولا ربك) و (بآية من
ربك) فقرع سمعه مرتين بأن له ربا وهو الذي كان ينادي بقوله: (أنا ربكم
الأعلى) وقيل: (والسلام على من اتبع الهدى) ولم يورد بالخطاب إليه.
ونظيره قوله: (إن العذاب على من كذب وتولى) من غير خطاب... وليس
في ذلك خشونة في الكلام. وخروج عن لين القول الذي أمر به أولا. لأن ذلك
حق القول الذي لا مناص من قرعه سمع فرعون. من غير تملق ولا احتشام وتأثر
من ظاهر سلطانه الباطل وعزته الكاذبة (71).
* 5 - النبي في مواجهة الانحراف:
روي أن موسى عليه السلام بعد أن كلمه الله تعالى في الوادي المقدس،
توجه سائرا ومعه أهله ومواشيه إلى مصر ودخلها ليلا. ونزل في دار أهله التي فيها
أمه وأخوه وبقية أهله وقد كان أخوه هارون قد استقبله وتلقاه عند شاطئ النيل
وعلم بإعلام الله له، وعندما نزل في دار أهله كان لملاقاتهم له واجتماعهم به بعد
تلك الغيبة الدهشة والسرور العظيم الباهر خصوصا لأمه الطاهرة. وقد أخبرهم
بأمره ومجمل ما حل به، وروي أن موسى عندما ذهب إلى فرعون. أتى بابه
فاستأذن عليه. فلم يأذن له. فضرب بعصاه الباب فاصطكت الأبواب منفتحة ثم
دخل على فرعون فأخبره أنه رسول رب العالمين وسأله أن يرسل معه بني
إسرائيل. وكان خطاب موسى لفرعون خطاب رفق ولطف ولين مع كمال الصبر
في تبليغه (72).
لقد قام موسى عليه السلام بإبلاغ الرسالة إلى فرعون في المقام الأول،
وفرعون إذا كان يحكم مصر وحده كما هو ظاهر، إلا أنه له أعوان يمهدون له كل
طريق للظلم ويرفعون له كل كراسي الاستكبار، وإذا كان فرعون في مرتبة، وهم
في مرتبة أخرى. إلا أن الجميع مجموعة عمل واحدة، وحزمة واحدة على طريق
____________
(71) الميزان: 158 / 14.
(72) كتاب الأنباء: 285.
الشذوذ والانحراف. ومجموعة عمل الفرعون تتمثل في هامان الكاهن الأكبر
وجنوده من الكهان الذين ينتشرون في معابد آمون والمعابد الأخرى الخاضعة
لمذهب الدولة، وهامان كان عبدا مملوكا لفرعون ونظرا لإخلاصه إلى فرعون
وشدة ملازمته له أصبح مستشاره ونديمه وشريكه في جميع أموره (73). لذا وضعه
على رأس المعابد لأن المعابد كانت المصدر الوحيد للدوخة الدينية التي يعيشها
الشعب، ومهمة الدوخة الدينية كانت ربط الناس بفرعون. وكانت المعابد تملك
أخصب الأراضي ولها تجارتها وصناعتها وجنودها. باختصار كانت دولة داخل
الدولة وعليها يعتمد فرعون (74) أما الشخصية الثانية في مجموعة العمل الفرعونية
فهو قارون، وقارون هو الشخص الذي يقف وراء السلطة بالمال. وهو أيضا أهم
عيون فرعون على بني إسرائيل، فقارون كان على علم بالكيمياء التي تتعلق بإنتاج
الذهب وعلى علم بالتجارة وسائر المكاسب، وبما أنه من بني إسرائيل، جعله
فرعون أميرا على بني إسرائيل (75) فالشخصية الكانزة هي نفسها الشخصية
المتسلطة. وهذا وذاك يصب في آمال فرعون ويتجه نحو أهدافه. لهذا توجه
موسى عليه السلام برسالته إلى مجموعة العمل التي تعمل من أجل التوثين والصد
عن سبيل الله. فالرسالة تخاطب فرعون كممثل للجميع لأنه إذا آمن بموسى وما
يدعو إليه. آمن الناس كلهم لأنهم جميعا تبع له، ولقد كان موسى عليه السلام
شديد الرغبة في إيمان فرعون ليس من أجل فرعون، ولكن لأن إيمانه يعني أنه لن
يبقى أحد في مصر إلا آمن بالله العلي العظيم. فالأمم من قبل كانت تجادل
رسلها. أما في هذه الحالة، فلا قول إلا قول فرعون. لهذا توجهت الرسالة في
مقدمتها الأولى إلى فرعون. ثم إلى باقي أفراد مجموعة العمل كي يقيم الله تعالى
عليهم الحجة ليوم يأتي فيه الناس فرادى يقول تعالى: (ولقد أرسلنا موسى
بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب) (76)
ويقول تعالى: (وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات
____________
(73) كتاب الأنباء: 286.
(74) تاريخ الجوع والخوف / للمؤلف / تحت الطبع.
(75) كتاب الأنباء: 347.
(76) سورة غافر، الآيتان: 23 - 24.
فاستكبروا في الأرض...) (77).
إنها مجموعة عمل واحدة جمعت بين السلطة والفتوى والمال، وتوجهت
لتطحن الفطرة، وتصد عن سبيل الله رب العالمين، وعندما دخل موسى إلى
فرعون وأخبره بأنه رسول رب العالمين وطالبه بأن يرسل معه بني إسرائيل، قال له
فرعون: (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي
فعلت وأنت من الكافرين) (78) قال المفسرون: مراده الاعتراض عليه أولا من
جهة دعواه الرسالة والمعنى: أنت الذي ربيناك وأنت وليد، ولبثت فينا من عمرك
سنين عديدة، نعرفك باسمك ونعتك، ولم ننس شيئا من أحوالك، فمن أين لك
هذه الرسالة وأنت من نعرفك ولا نجهل أصلك؟ ثم تطرق إلى قتله عليه السلام
للقبطي، فقال: ولقد فعلت فعلتك وأفسدت في الأرض بقتل النفس، فكفرت
بنعمتي وأنت من عبيدي العبرانيين، فمن أين جاءتك الرسالة؟ وكيف تكون
رسولا وأنت هذا الذي نعرفك ونعرف فعلتك (79) فأجاب موسى عليه السلام:
(قال فعلتها إذا وأنا من الضالين * ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي
حكما وجعلني من المرسلين * وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني
إسرائيل) (80).
قال المفسرون: الآيات الثلاث: جواب موسى عليه السلام عما اعترض
به فرعون، وبالنظر إلى جوابه عليه السلام وما اعترض به فرعون. نتبين أنه عليه
السلام حلل كلام فرعون إلى القدح في دعواه الرسالة من ثلاثة أوجه:
أحدهما: استغراب رسالته واستبعادها، وهو الذي يعلم حاله وقد أشار
إليه بقوله: (ألم نربك فينا وليدا...).
والثاني: استقباح فعلته ورميه بالإفساد والجرم بقوله: (وفعلت فعلتك
التي فعلت).
____________
(77) سورة العنكبوت، الآية: 39.
(78) سورة الشعراء، الآيتان: 18 - 19.
(79) الميزان: 261 / 15.
(80) سورة الشعراء، الآيات: 20 - 22.
والثالث: المن عليه. بأنه من عبيده ويستفاد ذلك من قوله: (وأنت من
الكافرين) وبدأ عليه السلام يجيب، فغير الترتيب في الجواب، فأجاب أولا
عن اعتراضه الثاني. وهو القتل لأن فرعون يعلق عليه آمال وينسج من أجله كيد.
ثم أجاب عن الاعتراض الأول ثم عن الثالث. فقوله: (فعلتها إذا وأنا من
الضالين) جواب عن اعتراضه بقتل القبطي. والمراد: أني فعلتها حينئذ.
والحال أني في ضلال من الجهل بجهة المصلحة فيه، والحق الذي يجب أن يتبع
هناك، فأقدمت على الدفاع عمن استنصرني. ولم أعلم أنه يؤدي إلى قتل
الرجل. ويؤدي ذلك إلى عاقبة وخيمة، تحوجني إلى خروجي من مصر وفراري
إلى مدين والتغرب عن الوطن سنين.
ثم بين عليه السلام أن فراره من مصر كان لخوفه منهم، حيث أصبح الملأ
لا شاغل لهم إلا الفتك به، كما أخبر الله في سورة القصص: (وجاء رجل من
أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج...)
ثم أجاب عليه السلام عن اعتراض فرعون الأول، وهو استغراب رسالته
واستبعادها وهم يعرفونه فقال: (فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين)
فبين أن استغرابهم واستبعادهم رسالته استنادا إلى سابق معرفتهم بحاله، إنما
يستقيم لو كانت الرسالة أمرا اكتسابيا، يمكن أن يتوقع حصوله بحصول مقدماته
الاختيارية، وليس الأمر كذلك، بل هي أمر وهبي، لا تأثير للأسباب العادية
فيها، وقد جعله الله من المرسلين، كما وهب له الحكم بغير اكتساب. أما
اعتراض فرعون الثالث. حيث قام فيه بتقريع موسى على اعتباره من عبيده فكان
جوابه: (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) أي أن هذا الذي تعده
نعمة، وتقرعني بكفرانها، سلطة ظلم وتغلب، إذ عبدت بني إسرائيل، والتعبيد
ظلما وتغلبا، ليس من النعمة في شئ (81).
1 - الحجج الدامغة:
(قال فرعون وما رب العالمين) (82). قال المفسرون: لما كلم فرعون
____________
(81) الميزان: 265 / 15.
(82) سورة الشعراء، الآية: 23.
موسى عليه السلام في معنى رسالته قادحا فيها، فتلقى الجواب بما كان فيه
إفحامه، أخذ يكلمه في خصوص مرسله فاستوضحه: (وما رب العالمين)؟
فجاءته الإجابة: (قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) (83)
وكانت هذه صفعة للعقيدة المصرية القديمة. فالقوم كانوا يعتبرون (أوزير) إلها
للموتى وأيضا للخصب، و (رع) إلها في السماء! وكل مذهب وكل فرقة قامت
بتقسيم آلهتها في السماء والأرض وما بينهما. لهذا كانت إجابة موسى، كفأس
إبراهيم عليه السلام التي أطاحت برقاب الأوثان في معامل الانحراف، لقد سأل
فرعون عن رب العالمين، فوضع موسى (السماوات والأرض وما بينهما)
مكان العالمين ثم قال: (إن كتم موقنين) أي أن رب العالمين هو الذي يوقن
الموقنون بربوبيته لجميع السماوات والأرض وما بينهما. إذا نظروا إليها وشاهدوا
وحدة التدبير الذي فيها.
وأمام هذه الصفعة التي أطاحت بعقائد الفراعنة التي سهروا من أجلها قرونا
طويلة نظر فرعون إلى من حوله (قال لمن حول ألا تستمعون) (84)؟ قال
المفسرون: أي ألا تصغون إلى ما يقوله موسى؟ والاستفهام للتعجب، يريد أن
يصغوا إليه فيتعجبوا من قوله.. وعندما لفت فرعون أنظار مجموعة عمله إلى ما
يقوله موسى، جاءه الجواب مرة ثانية من موسى: (قال ربكم ورب آبائكم
الأولين) (85) والفراعنة على امتداد تاريخهم لم يتفقوا على معبود واحد. فطبقة
منهم عبدت قديما الإله (حور) في بداية الأسرات، ثم انعقدت العبادة للإله
(رع) منذ أواسط الدولة القديمة، ثم انتقلت الرئاسة للإله (آمون) في الدولة
الوسطى. ثم (آمون رع) في بداية الدولة الحديثة التي كان من أهم رموزها
فرعون موسى (86) لهذا جاء جواب موسى عليه السلام، جوابا ناسفا للبداية
والنهاية معا. لقد أجاب أنه ليس في الوجود إلا رب واحد للإنسانية وهو رب
العالمين الذي أرسلني إليكم، وأمام حجج التحطيم التي يقذف بها موسى عليه
____________
(83) سورة الشعراء، الآية: 24.
(84) سورة الشعراء، الآية: 25.
(85) سورة الشعراء، الآية: 26.
(86) تاريخ الجوع والخوف / للمؤلف.
السلام بدأ فرعون يحرك أنيابه (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم
لمجنون) (87) قال المفسرون: سمى فرعون موسى رسولا تهكما واستهزاء،
وأضافه إلى من حوله، ترفعا من أن يكون رسولا إليه، وقد رماه بالجنون مستندا
إلى قوله عليه السلام: (ربكم ورب آبائكم).
وعندما اتهم فرعون موسى عليه السلام بالجنون، قذف موسى إليه بحجة
قاصمة، أطاحت بعقيدة (أوزير) رب الموتى وبعقيدة (رع) أما عقيدة رب
الموتى فكان المصريون القدماء يقيمون معظم أبواب مقابرهم في اتجاه الغرب ظنا
منهم أن هذا الاتجاه منه يدخل الإله ويمنح الخلود للميت! وأما عقيدة (رع)
فكانوا يعتقدون بأن (رع) هو رب الأرباب ويعني قرص الشمس، فالشمس
عندما تشرق في الصباح تخرج من عند الإله (خبر) وعند الظهيرة تكتمل باسم
الإله (رع) وعند النهاية تذهب باسم الإله (آتوم)! باختصار كان للشمس
وشروقها وغروبها فقه طويل كل اتجاه فيه له إله، وهذا الإله له صنم على الأرض
تحل الروح فيه ويتقرب إليه الناس ويدعي الفراعنة أنهم أبناؤه، فقام موسى عليه
السلام بنسف هذه الإعتقادات من أصولها، فقال لفرعون وهو يحدثه عن رب
العالمين: (رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) (88) وقوله.
(إن كنتم تعقلون) فيه تعريض لفرعون. مقابل استهزائه له عندما قال لمن
حوله: (ألا تستمعون) ثم عندما رماه بالجنون، فقوله (إن كنتم تعقلون)
إشارة إلى أنهم هم المحرومون من نعمة التعقل والتفقه. إن (رب المشرق
والمغرب وما بينهما) تقرير لما جاء في الجواب الأول (رب السماوات
والأرض وما بينهما) وأنه برهان على وحدة المدبر من طريق وحدة التدبير. وفي
ذلك تعريف لرب العالمين. بأنه المدبر الواحد الذي يدل عليه التدبير الواحد في
جميع العالمين. وعندما أفحم موسى عليه السلام فرعون، لم يجد الطاغية إلا
أسلوب السلطة والقهر (قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من
المسجونين) (89) قال المفسرون: والمعنى: لو دمت على ما تقول لأجعلنك
____________
(87) سورة الشعراء، الآية: 27.
(88) سورة الشعراء، الآية: 28.
(89) سورة الشعراء، الآية: 29.
في زمرة الذين في سجني. على ما تعلم من سوء حالهم وشدة عذابهم.
ونسف عقيدة القوم وردت أيضا في سورة طه. فلقد سأل فرعون عن
القرون الأولى. حيث آباؤه الأولين فكان جواب موسى عليه السلام ناسفا لجملة
عقائدهم (قال فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم
هدى * قال فما بال القرون الأولى * قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي
ولا ينسى * الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء
ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات
لأولي النهى * منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) (90).
لقد كان فرعون يعيش في وهم أن دماء الآلهة تجري في عروقه، وبما أنه
ابن للإله! فهو يباشر جميع سلطات هذا الإله! بمعنى أنه الصورة الظاهرة للإله
الخفي الذي يعبده حزبه! ومن المعروف أن إله الفرعون الحاكم تكون له الهيمنة
على جميع آلهة مصر، وعلى هذا فهو عندما يقول: (أنا ربكم الأعلى) يسري
حكمه على أتباع مذهبه، وعلى أتباع بقية المذاهب لانعقاد الهيمنة لممثل الإله
الذي يحكم، وتحت رداء الحاكم كان يوجد أرباب أخرى متعددة في الأقاليم،
فهذا رب للفيضان وهذا رب للحكمة وآخر للخضرة والنماء، وكل هذه الأرباب
يقرها فرعون لأن ما يقدم إليها من قرابين ونذور يعود عليه بالنفع قبل غيره. وعندما
أخبره موسى وهارون بأنهما رسولا رب العالمين. قال: (فمن ربكما) ظنا منه
أنهما يعبدان ربا من أرباب القوم أو ربا من أرباب الممالك المجاورة. فإذا كانا
يعبدان ربا من أرباب مصر، فلفرعون الهيمنة على جميع الأرباب فيها. والشعب
يعلم بأن طريقته هي الطريقة المثلى ولن يترك لموسى أدنى فرصة لأن يذره
وآلهته. وإذا كانا يعبدان ربا من أرباب الممالك المجاورة كان القتل أو السجن أو
الطرد من نصيبهما، ولكن إجابة موسى عليه السلام جاءت على غير ما يتوقع
فرعون (قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى) لقد سأل: من ربكما؟
فكان من الحري أن يجاب بأن ربنا هو رب العالمين، ليشملهما وإياه وغيرهم
جميعا، ولكن الإجابة جاءت بما هو أبلغ من ذاك فقيل: (ربنا الذي أعطى كل
شئ خلقه ثم هدى) أي بأنه رب كل شئ، لا رب غيره، فإن خلقه الأشياء
____________
(90) سورة طه، الآيات: 49 - 55.
وإيجاده لها، يستلزم ملكه لوجودها وملك تدبير أمرها، وعندما سأله فرعون عن
القرون الأولى أجاب بأنها معلومة لله محفوظة عنده في كتاب. لا يتطرق إليه خطأ
ولا تغيير ولا غيبة وزوال، ثم بدأ عليه السلام في نسف أرباب النماء والفيضان
والنيل وغير ذلك فقال: إن ربه هو الذي (جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم
فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا شتى) أي أن الله تعالى أقر
الإنسان في الأرض يحيا فيها حياة أرضية ليتخذ منها زادا لحياته العلوية في
الآخرة. وجعل للإنسان فيها سبلا، ليتنبه بذلك، أن بينه وبين غايته، وهي
التقرب لله سبحانه سبيلا يجب أن يسلكها كما يسلك السبل الأرضية لمآربه
الحيوية، وأنزل من السماء ماء وهو ماء الأمطار ومنه مياه عيون الأرض وأنهارها
وبحارها، فأنبت منه أزواجا أي أنواعا وأصناما متقاربة من نبات يهديكم إلى
مالكها ففي ذلك آيات تدل أرباب العقول إلى هدايته وربوبيته تعالى. ثم تطرق
إلى قضية رئيسية أخرى. ألا وهي قضية البعث فقال إن ربه هو الذي بدأ خلق
الإنسان من الأرض ثم يعيده فيها، ثم يخرجه منها للرجوع إليه.
2 - الاستكبار والمعجزة:
استمع فرعون، لكنه تمادى في دفعه وصده، ورأى عظيما عليه أن يلبي
دعوة موسى ويتبع دينه. ويخلع عبادة الأوثان والربوبية عن نفسه. استمع
الطاغوت الأكبر، لكنه لم يتدبر وقام بتحريك مخالبه وأنيابه، بعد أن هدم له
موسى قوائم الظلم التي بدأت قديما من القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد هدم له
قوائم خور وحتحور وبتاح وأوزير ورع وآمون وعجل أبيس، تلك القوائم التي
انطلق بها الكهنة ووضعوها حول الرؤوس ليعيش الشعب في دوخة دينية فتركوا
الحياة كلها لفرعون وتفرغوا للنهل من ثقافة القبور. أكلمه في حياة عادلة بعد
الموت، ولكن هيهات هيهات. فأي عدل هذا الذي يقف فرعون على بابه، لقد
استمع فرعون، فتحركت مخالبه من أجل الدفاع عن دماء الآلهة التي تجري في
عروق البشر الذين يحكمون الناس، ومن أجل الدفاع عن تراث عميق ودفين دونه
الآباء. (قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين) (91) هكذا لوح
____________
(91) سورة الشعراء، الآية: 29.
فرعون بالقضبان، (وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين * حقيق
علي أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني
إسرائيل * قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين) (92) قال
المفسرون: أي أنا حري بأن أقول الحق ولا أنسب إلى الله في رسالتي منه إليك
شيئا من الباطل، ثم أخبره أن معه بينة من ربه وحجة قاطعة على صدق ما جاءهم
به وأمره أن يطلق بني إسرائيل من أسره وقهره وأن يدعهم ليعبدوا الله ربه وربهم،
فقال له فرعون: لست بمصدقك فيما قلت، ولا بمعطيك فيما طلبت، فإن كانت
معك حجة فأظهرها لنراها إن كنت صادقا فيما ادعيت (93).
(فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء
للناظرين) (94).
لقد جاء إليهم بجنس ما عندهم وبجنس ما يحبون. فالقوم كانوا عباقرة في
السحر. وروي أن فرعون وهامان هما من أمهر السحرة سحرا، وتغلبا على الناس
بالسحر (95)، وكشفت البرديات أن مجلس التاسوع ومن بعده مجلس الثلاثين
كان يزاول السحر على أوسع نطاق وكانوا يقتحمون عقول القوم بالأساطير المدعمة
بالأمور السحرية لتصبح فيما بعد عقائد يدافع الناس عنها (96) فالعصا معجزة
تخضع لها أعناق السحرة، أما اليد البيضاء، فإن القوم كانوا يعتبرون الشمس
(رع) رب الأرباب ورب العالمين، وكان لشروقها وغروبها فقه طويل عريض،
فجاءت معجزة اليد البيضاء، وقال صاحب الميزان: والأخبار التي وردت فيها أن
يده عليه السلام كانت تضئ كالشمس الطالعة. والآيات الكريمة لا تقص أزيد
من أنها كانت تخرج بيضاء للناظرين، إلا أن كونها آية معجزة، تدل على أنها
كانت تبيض ابيضاضا لا يشك الناظرون في أنها حالة خارقة للعادة (97) لقد كانت
____________
(92) سورة الأعراف، الآيات: 104 - 106.
(93) ابن كثير: 236 / 2.
(94) سورة الأعراف، الآيتان: 107 - 108.
(95) كتاب الأنباء: 286.
(96) تاريخ الجوع والخوف / للمؤلف تحت الطبع.
(97) الميزان: 213 / 8.
معجزة اليد البيضاء التي تضئ كالشمس الطالعة آية لغير السحرة وللسحرة في
نفس الوقت، آية تضرب عقيدة عبادة الشمس التي تفنن قدماء المصريين في
التقرب إليها، فالشمس هي محور الارتكاز (رع) الإله الأكبر الذي نسب
الفرعون خفرع نفسه إليه. بعد أن جسدوا لها صنما على الأرض وقالوا إن روح
(رع) قد حلت به. والقوم لهم في كل حركة للشمس ربا وهذا الرب له صنم
على الأرض. فالشمس تخرج في الصباح باسم الإله (خبر) وتشتد باسم الإله
(رع) وتبلغ النهاية باسم الإله (آتوم) وهناك فرق وشيع أطلقوا أسماء أخرى على
هذه الحركة، وكل فرعون يأتي من طائفة يدعي أنه ابن للإله الذي تلتف حوله هذه
الطائفة ويحكم ويبني المعابد باسمه! وعندما جاء إليهم موسى عليه السلام فتح
يده أمامهم ليروا ضوءا كثيرا فأشغلهم مثله. فماذا قال فقهاء الشمس وعباقرة
السحر عندما شاهدوا الإعجاز؟ لقد ملأهم الرعب عندما شاهدوا آية العصا،
وأخذتهم الدهشة عندما شاهدوا آية اليد البيضاء، لكنهم هدأوا بعد ذلك، ونسبوا
ما شاهدوه إلى السحر! يقول تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان
مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب) (98) كان هذا قرار
مجموعة العمل، ثم قام فرعون بإسناد تهمة جديدة إلى موسى لتكون ورقة في يده
لتحريك الجماهير ضد موسى (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا
موسى) (99) قال المفسرون: اتهم موسى أولا: بالسحر، لئلا يلزمه الاعتراف
بصدق ما جاء به من الآيات المعجزة وحقية دعوته.
وثانيا: بأنه يريد إخراج المصريين من أرض مصر! وهي تهمة سياسية،
يريد بها صرف الناس عنه، وإثارة أفكارهم عليه.. بأنه عدوهم يريد أن يطردهم
من بيئتهم ووطنهم بمكيدته! ولا حياة لمن لا بيئة له (100).
وما أن ألقى فرعون ببيان اتهام موسى بالسحر وبأنه يريد إخراج المصريين
من مصر.. حتى التقط أشراف القوم البيان ورددوه كما أذيع (قال للملأ حوله إن
____________
(98) سورة غافر، الآيتان: 23 - 24.
(99) سورة طه، الآية: 57.
(100) الميزان: 172 / 14.
هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون) (101)
وبعد أن قال الملأ الذين حول فرعون ما قاله فرعون حرفيا، قال لهم موسى:
(أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون * قالوا أجئتنا لتلفتنا
عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما
بمؤمنين) (102) قال المفسرون: المراد بالحق هو الآية الحقة كالثعبان واليد
البيضاء. ولقد أنكر موسى عليه السلام مقالتهم لرميهم الحق بأنه سحر، وقال
فرعون وملؤه لموسى: (أجئتنا لتلفتنا) وتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا)
يريدون سنة قدمائهم وطريقتهم (وتكون لكما الكبرياء في الأرض) يعنون
الرئاسة والحكومة وانبساط القدرة ونفوذ الإرادة (103) إن زادهم في إناء الآباء،
وحرفتهم هي الحكم. يدافعون عن الحكم بطرح أوراق التراث التي في إناء
الآباء، وهم يطرحون أوراق التراث من أجل إلهاب مشاعر الجماهير ليدافعوا عن
الحكم! فيحافظون بذلك على مصالحهم ويحافظون بذلك على الانحراف
والشذوذ، والخاسر الوحيد في هذه القضية هم الجماهير الذين كفنوا الحاضر
ليضعوه في توابيت المستقبل! والحياة من حولهم تناديهم أن رب العالمين هو
خالق الكون، لكنهم لم يسمعوا نداء الحياة لأنهم لا يرون معالمها، فهم ينظرون
بعيون فرعون ويفكرون بعقله.. يقول تعالى: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات
قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * وقال موسى ربي
أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح
الظالمون) (104).
قال المفسرون: عندما شاهدوا المعجزات الباهرة والدلالة القاهرة على
صدق موسى وهارون، وأيقنوا أنها من عند الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد
والمباهتة. وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا: (ما هذا إلا سحر
مفترى) أي مفتعل مصنوع (105) وأن ما جاء به موسى دين مبتدع لم ينقل عن
____________
(101) سورة الشعراء، الآيتان: 34 - 35.
(102) سورة يونس، الآيتان: 77 - 78.
(103) الميزان: 109 / 10، ابن كثير: 426 / 2.
(104) سورة القصص، الآيتان: 36 - 37.
(105) ابن كثير: 389 / 3.
آبائنا الأولين إنهم اتخذوه في وقت من الأوقات (106) هكذا ردوا كل شئ إلى إناء
الآباء، على الرغم من مشاهدتهم للدلالة القاطعة التي تدعوهم إلى الحياة
الكريمة الشريفة، وعندما قالوا: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) كان جواب
موسى مبنيا على التحدي (وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن
تكون له عاقبة الدار) قال المفسرون: كأنه يقول: إن ربي - وهو رب العالمين
له الخلق والأمر - هو أعلم منكم بمن جاء بالهدى ومن تكون له عاقبة الدار. وهو
الذي أرسلني رسولا بديني التوحيد ووعدني أن من أخذ بديني فله عاقبة الدار (إنه
لا يفلح الظالمون) وفي هذا تعريض لفرعون وقومه، وفيه نفي أن تكون لهم
عاقبة الدار، فإنهم بنوا سنة الحياة على الظلم وفيه انحراف عن العدالة
الاجتماعية التي تهدي إليها فطرة الإنسان الموافقة للنظام الكوني (107).
والخلاصة: عرض موسى عليه السلام معجزاته، ولكن مجموعة العمل
رفضت الهدى، ووفقا لهذا رفض القوم ما رآه فرعون غير صالح لهم، واتبعوا أمر
الطاغية، وما أمر فرعون برشيد، (وأضل فرعون قومه وما هدى) (108) لقد
تكاتفوا حول عقيدة الشمس التي دونها آباء الضلال، في الوقت الذي كان فيه نور
أبيض يسطع في يد موسى يدعوهم إلى الهدى، لكنهم تعاموا عنه. لأن مصلحة
فرعون ليست في هذا النور.
3 - القرار الفرعوني:
بعد أن شاهد فرعون المعجزات. واتهم موسى عليه السلام بالسحر وبأنه
يعمل من أجل إخراج أهل مصر من مصر! إغراء لمن حوله وحثا لهم على أن
يتفقوا معه على دفع موسى بأي وسيلة ممكنة. ولما اتفقوا معه وتبنوا أطروحته.
قال: إذا كان الشأن هذا فماذا تشيرون علي أن أعامله به حتى أعمل به؟ (قالوا
أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم) (109) قال
المفسرون: أي أخر موسى وأخاه وأمهلهما، ولا تعجل إليهما بسياسة أو سجن
____________
(106) الميزان: 37 / 16.
(107) الميزان: 36 / 16.
(108) سورة طه، الآية: 79.
(109) سورة الشعراء، الآيتان: 36 - 37.
ونحوه، حتى تعارض سحرهما بسحر مثله، وابعث في البلاد عدة من شرطتك
وجنودك يحشرون كل سحار عليم فيها ويأتوك بهم والتعبير ب (كل سحار) إشارة
إلى أن هناك من هو أعلم منه بفنون السحر وأكثر عملا. واعتمد فرعون الخطة،
وقالوا لموسى: (فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن
ولا أنت مكانا سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) (110)
قال المفسرون: جعل موسى عليه السلام الموعد يوم الزينة. وكان يوما لهم
يجري بينهم مجرى العيد. ويظهر من اللفظة أنهم كانوا يتزينون فيه ويزينون
الأسواق. واشترط موسى أن يحشر الناس ضحى أي وقت انبساط الشمس من
النهار، ليكون ما يأتي به ويأتون به على أعين الناس في ساعة مبصرة، وبدأت
الأبواق الفرعونية تجوب البلاد لجمع السحرة كي تتم المنازلة الكبرى، وبدأت
الجماهير تستعد لمشاهدة معركة من معارك فرعون! (وقيل للناس هل أنتم
مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين) (111) قال المفسرون:
اجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم. وقال قائلهم: (لعلنا نتبع السحرة) ولم
يقولوا نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين
ملكهم (112).
وجاء السحرة وطلبوا الأجر من فرعون إن كانوا هم الغالبين، فجعل لهم
الأجر وزاد عليه الوعد بجعلهم من المقربين، وقبل المنازلة توجه موسى عليه
السلام إلى السحرة وقال: (ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد
خاب من افترى) (113) قال المفسرون: قال لهم موسى: (ويلكم لا تفتروا
على الله كذبا) أي لا تخيلوا للناس بأعمالكم. إيجاد أشياء لا حقائق لها وأنها
مخلوقة وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله. فيهلككم بعقوبة، هلاكا
لا بقية له (114). وبعد أن قال لهم موسى ذلك يقول تعالى: (فتنازعوا أمرهم
____________
(110) سورة طه، الآيتان: 58 - 59.
(111) سورة الشعراء، الآيتان: 39 - 40.
(112) ابن كتير: 334 / 3.
(113) سورة طه، الآية: 61.
(114) ابن كثير: 157 / 3.
بينهم وأسروا النجوى) (115) ومعناه: أنهم تشاجروا فيما بينهم، فقائل يقول:
ليس هذا بكلام ساحر إنما هذا كلام نجي، وقائل يقول: بل هو ساحر (116)
وانتهى أمرهم بأن قالوا: (إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم
بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى * فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح
اليوم من استعلى) (117) أي: قال السحرة فيما بينهم. تعلمون أن هذا الرجل
وأخاه ساحران عالمان خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم
وقومكم ويستوليا على الناس، وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده، فينصرا
عليه ويخرجاكم من أرضكم (118) ثم أضافوا إلى ذلك أمرا آخر أشد من الخروج
من الديار وهو ذهاب طريقتهم المثلى وسنتهم القومية، التي هي ملة الوثنية
الحاكمة فيهم قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل! وقد اشتد بها عظمهم وثبت عليها
لحمهم. والعامة تقدس السنن القومية، وعلى الأخص ما اعتادت عليه وظنت
بأنها سنن ظاهرة سماوية (119) فقالوا: إذا غلب هذان. أهلكاكم وأخرجاكم من
الأرض وتفردا بالرئاسة كان في ذلك الفناء بالمرة لأنهما سيذهبان بسنة قومية تعتمد
عليها ملتهم وتستند إليها شوكتهم وعظمتهم وتعتصم بها حياتهم. فلو اختلفوا
وتركوا مقابلة موسى، واستعلى هو عليهم كان في ذلك الفناء المحقق، ثم كان
الرأي هو أن يجمعوا كل كيد لهم، ثم يتركوا الاختلاف، ويأتوا صفا حتى
يستعلوا (وقد أفلح اليوم من استعلى) (120) أي منا ومنه. فالفائز اليوم هو
الفالح.
4 - التخيل والسحر:
اتفق السحرة على أن يتحدوا ولا يهنوا في حفظ ملتهم ومدينتهم ويكروا
على عدوهم كرة رجل واحد، وجلس فرعون على سرير مملكته واصطف له أكابر
____________
(115) سورة طه، الآية: 62.
(116) ابن كثير: 157 / 3.
(117) سورة طه، الآيتان: 63 - 64.
(118) ابن كثير: 156 / 3.
(119) الميزان: 176 / 14.
(120) الميزان: 176 / 14.
دولته ووقفت الرعايا على يمينه ويسراه (121) وقال السحرة: (يا موسى إما أن
تلقي وإما أن نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه
من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت
الأعلى) (122) قال المفسرون: خيروا موسى بين أن يبدأ بالإلقاء أو يصبر حتى
يلقوا، فأخلى لهم الظرف كي يأتوا بما يأتون به، وهو معتمد على ربه واثق
بوعده، من غير قلق واضطراب وقد قال ربه فيما قال: (إنني معكما أسمع
وأرى) (123) وقال: (ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن
اتبعكما الغالبون) (124). وعندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم (قالوا بعزة
فرعون إنا لنحن الغالبون) (125). فإذا بحبالهم وعصيهم يخيل للناس أنها
تسعى. فخاف موسى عليه السلام على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل
أن يلقي ما في يمينه (126) وقيل: إنه خاف أن يتفرق الناس بعد رؤية سحرهم ولا
يصبروا إلى أن يلقي عصاه. وقيل: إنه خاف أن يلتبس الأمر على الناس فلا
يميزوا بين آيته وسحرهم للتشابه فيشكوا ولا يؤمنوا ولا يتبعوه، ولم يكن يعلم بعد
أن عصاه ستلقف ما يأفكون، وقيل: أحس في نفسه نوعا من الخوف لا يعبأ به.
لأنهم أظهروا للناس من السحر ما يشابه آيته المعجزة أو ما يقرب منه. وإن كان ما
أتوا به سحرا لا حقيقة له، وما أتى به آية معجزة ذات حقيقة. وقد استعظم الله
سحرهم إذ قال: (فلما ألقوا سحروا أعين الناص واسترهبوهم وجاؤوا بسحر
عظيم) (127).
وعندما ألقوا حبالهم وعصيهم خيل لموسى من سحرهم أنها تسعى، فلقد
اختص سبحانه موسى من بين الناس بأنه (يخيل إليه من سحرهم أنها
تسعى) (128) أما بقية الناس فلقد ذكرهم الله تعالى في موضع آخر فقال:
____________
(121) ابن كثير: 157 / 3.
(122) سورة طه، الآيات: 65 - 68.
(123) سورة طه، الآية: 46.
(124) سورة القصص، الآية: 35.
(125) سورة الشعراء، الآية: 44.
(126) ابن كثير: 158 / 3.
(127) سورة الأعراف، الآية: 116.
(128) سورة طه، الآية: 66.
(سحروا أعين الناس واسترهبوهم) (129) واسترهبوهم أي أخافوهم. وبما أن
خوف الناس ليس كخوف موسى. لأن موسى واثق من نصر الله. وهو ما خاف إلا
على الناس، لأنه كان يطمع أن يؤمنوا، فإذا تفرقوا قبل أن يلقي بعصاه خسروا.
فكذلك هناك فرق بين موسى والناس في عملية سحروا أعين الناس، هناك فرق
بين (يخيل إليه) وهذا خاص بموسى. وبين (سحروا أعين الناس) وهذا خاص
بالناس يوم الزينة خارج منهم موسى. والناس عندما اجتمعوا يوم الزينة كان
عندهم الاستعداد التام للإيمان بالسحرة. قالوا: (لعلنا نتبع السحرة إن كانوا
هم الغالبين) (130) وهذا الاستعداد له دخل كبير في عملية تلقي الحدث. أما
موسى عليه السلام فكان له موقف آخر عندما ألقوا حبالهم وعصيهم (فلما ألقوا
قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل
المفسدين) (131) قال المفسرون: والحقيقة التي بينها لهم أن الذي جاؤوا به
سحر، والسحر شأنه إظهار ما ليس بحق واقع في صورة الحق الواقع لحواس
الناس وأنظارهم، وإذا كان باطلا في نفسه! فإن الله سيبطله، لأن السنة الإلهية
جارية على إقرار الحق وإحقاقه في التكوين، وإزهاق الباطل وإبطاله، فالدولة
للحق وإن كان للباطل جولة أحيانا (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) وقد جرت
السنة الإلهية أن يصلح ما هو صالح ويفسد ما هو فاسد وهذه الحقيقة تستلزم أن
السحر وكل باطل غيره لا يدوم في الوجود، إن موسى عند إلقاء السحرة حبالهم،
كان على يقين من أن الباطل إلى زوال لكنه كان يريد للناس أن يكونوا تحت مظلة
الحق لا تحت مظلة الباطل، وخيفة موسى لم تكن كخوف الناس، وتخيل
موسى، لم يكن كسحر عيون الناس، ولعل في هذا كفاية لمن قالوا إن الذي
جرى على الناس جرى على موسى عليه السلام.
* 6 - المجازر والخوف والاستكبار:
عندما ألقى السحرة بحبالهم وعصيهم، وسحروا أعين الناس. صار
____________
(129) سورة الأعراف، الآية: 116.
(130) سورة الشعراء، الآية: 40.
(131) سورة يونس، الآية: 81.
الوادي وكأنه ملآن بالحيات يركب بعضها بعضا، وعندما ألقى موسى عليه السلام
بعصاه، صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع
تلك الحبال والعصي، حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته، والسحرة والناس
ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهارا ضحوة، فقامت المعجزة واتضح البرهان (132)
يقول تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن الق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون *
فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين * وألقي
السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون) (133)
قال المفسرون: السحرة هم الذين ألقوا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين،
وذلك إشارة إلى كمال تأثير آية موسى فيهم وإدهاشها إياهم، فلم يشعروا بأنفسهم
حينما شاهدوا عظمة الآية وظهورها عليهم، إلا وهم ملقون ساجدون...
فاضطرتهم الآية إلى الخرور على الأرض ساجدين، والإيمان برب العالمين
الذي اتخذه موسى وهارون. وفي ذكر موسى وهارون دلالة على الإيمان بهما مع
الإيمان برب العالمين. كما أن بيانهم رب العالمين برب موسى وهارون إشارة
إلى رفضهم لعقيدة (رع) رب العالمين الذي تجري دماؤه في عروق الدجاجلة
الكبار والصغار، وعلى رأسهم الفرعون المتكبر المسرف العالي في الأرض. وما
إن أع لن السحرة ذلك، حتى هاج فرعون، وبدأ يلقي بالاتهامات (قال آمنتم له
قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) (134)! قوله إنه لكبيركم
ورقة سياسية يريد بها تهييج العامة عليهم، فهو يريد أن يقول: إنهم تواطأوا مع
رئيسهم عند المنازلة فتخاذلوا وانهزموا وآمنوا لتتبعهم العامة وتذهب الطريقة
المثلى! ولهذا قال في موضع آخر: (قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن
هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون) (135)!
وبدأ فرعون يحدد العقاب، فقال للسحرة: (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم
____________
(132) ابن كثير: 158 / 3.
(133) سورة الأعراف، الآيات: 122.
(134) سورة طه، الآية: 71.
(135) سورة الأعراف، الآية: 123.
من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى) (136)
وفي الوقت الذي كان فرعون يهدد فيه بالعقاب، جاءه الرد من السحرة: (قالوا
إنا إلى ربنا منقلبون * وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا
صبرا وتوفنا مسلمين) (137).
قال المفسرون: لقد آمنوا بالبعث، وذلك في قوله: (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون). وقد قابلوه بما يبطل كيده، وتنقطع به حجته، وهو أنك تهددنا
بالعذاب قبال ما تنقم منا من الإيمان بربنا ظنا منك أن ذلك شر لنا، إن ذلك ليس
بشر لأننا نرجع إلى ربنا، وإن ما تظنه أنت جرما هو لنا خير. لقد حطموا له
قاعدته: (ما أريكم إلا ما أرى). أخبروه أنهم قد تحققوا أنهم إلى الله
راجعون. وأن عذاب الله أشد من عذابه. وأنهم يصبرون اليوم على عذاب
فرعون طمعا في أن ينجيهم الله من عذابه الأليم يوم القيامة، ولهذا قالوا: (ربنا
أفرغ علينا صبرا) أي عمنا بالصبر على دينك والثبات عليه (وتوفنا مسلمين)
أي متابعين لموسى وهارون، وقالوا لفرعون: (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي
هذه الحياة الدنيا) وهكذا كانوا في أول النهار سحرة يقولون قد أفلح اليوم من
استعلى. ويلقون حبالهم قائلين بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون. وبعد أن شاهدوا
آية ربهم لما جاءتهم آمنوا، ثم وقفوا بإيمانهم أمام الجبروت الفرعوني،
واستغاثوا بربهم أن يفرغ عليهم الصبر، لقد شبهوا أنفسهم بالآنية والصبر بالماء،
وإعطاءه بإفراغ الإناء بالماء، وهو صبه فيه حتى يغمره، وإنما سألوا ذلك
ليفيض الله عليهم من الصبر، ما لا يجزعون به عند نزول أي عذاب وألم ينزل
بهم.
لقد طلبوا الصبر عليهم، لأن الفرعون قاس، وفي آخر النهار كان
السحرة على جذوع النخل. تجري الدماء من أطرافهم، لكنها كانت دماء كماء
الصبر، وهكذا بدأوا النهار سحرة وختموه شهداء بررة. أما فرعون فانطلق إلى
قصره كالثور الهائج يهدد ويتوعد (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه
ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا
____________
(136) سورة طه، الآية: 71.
(137) سورة الأعراف، الآيتان: 125 - 126.
   |