|

فوقهم قاهرون) (138) قال المفسرون: هذا إغراء من
القوم لفرعون وتحريض له أن يقتل موسى وقومه، لأنهم يفسدون أهل رعيته
ويدعونهم إلى عبادة ربهم وترك آلهة فرعون وعبادته (139).
وكانت الألوهية في عهد الأسرة التاسعة عشرة (1308 - 1194 ق. م) معقودة
(لآمون رع) وكان فرعون يمثله على الأرض!
ويحكم باسمه (140). فكان رد فرعون (ابن آمون رع!) أن وعد
الملأ من قومه.. أن يعيد إلى بني إسرائيل تعذيبه السابق، وهو قتل أبنائهم واستحياء
نسائهم واستبقاؤهن للخدمة، وعقب بقوله: (وإنا فوقهم قاهرون) وهو تطييب قلوبهم
وإسكان ما في نفوسهم من الاضطراب (141). وبعد وعده لقومه
بقتل أبناء بني إسرائيل. جلس مع مجموعة مجملة، وحددوا أن الذي ينبغي أن يقتل من بني
إسرائيل هم أبناء الذين آمنوا لا غير. يقول تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآيتنا وسلطان
مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب * فلما جاءهم بالحق من عندنا
قالوا اقتلوا أبناء الذين أمنوا معه واستحيوا نساءهم) (142)
فبين الوعد بالقتل في قوله: (سنقتل أبناءهم) وبين التنفيذ في قوله: (اقتلوا أبناء
الذين آمنوا معه) إشارة إلى تدخل أطراف في تحديد من الذي يقتل. ولما كان تحديد
أبناء الذين آمنوا قد جاء في آية يتصدرها فرعون وهامان وقارون، فإن قارون بصفته
أميرا على بني إسرائيل من قبل فرعون، يكون قد ساهم مساهمة فعالة في التحديد وفي
التنفيذ، وعن مجموعة العمل هذه يقول المفسرون: أما فرعون فهو الجبار حاكم القبط،
وأما هامان فوزيره، وأما قارون فمن طغاة بني إسرائيل ذو الخزائن المليئة، ولقد اختص
الله الثلاثة بالذكر، لكونهم أصولا ينتهي إليها كل فساد، وقد جاءهم موسى بالحق،
وكان من الواجب أن يقبلوه ولا يردوه لأنه حق. وكان ما جاءهم به من عند الله، وكان
من الواجب أن يقبلوه ولا يردوه، فقابلوه بالكيد، وصدوا عن سبيل الله وأمروا بقتل
أبناء الذين آمنوا!
____________
(138) سورة الأعراف، الآية: 127.
(139) ابن كثير: 239 / 2.
(140) تاريخ الخوف والجوع / تحت الطبع.
(141) الميزان: 224 / 8.
(142) سورة غافر، الآيات: 23 - 25.
لم تكن ملامح الفطام على جذوع النخل فقط حيث صلب السحرة، ولم تكن في
بيوت ضعفاء قوم موسى، وإنما كانت ملامحه أيضا داخل القصر الفرعوني
نفسه، فالسيدة آسية زوجة فرعون لم تنج من البطش لأنها آمنت برسالة موسى
عليه السلام، وهي التي كانت تتعهده عندما كان صغيرا في بيت فرعون، يقول
تعالى: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي
عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين)
(143)
قال المفسرون: قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة: الجمع بين كون البيت
المبني لها عند الله في الجنة. لكون الجنة دار القرب من الله وجوار رب
العالمين. فقد اختارت جوار ربها والقرب منه، على أن تكون أنيسة فرعون
وملكة مصر، وآثرت بيتا يبنيه لها ربها على بيت فرعون، الذي فيه مما
تشتهيه الأنفس وتتمناه القلوب. لقد عزفت نفسها عما هي فيه من زينة
الحياة الدنيا، وهي لها خاضعة، وتعلقت بما عند ربها من الكرامة
والزلفى، فآمنت بالغيب، واستقامت على إيمانها حتى لقت ربها شهيدة.
وقولها: ونجني من فرعون وعمله، سؤال أن ينجيها الله من شخص فرعون، ومن
عمله الذي يدعو ضرورة المصاحبة والمعاشرة. لقد استغاثت بالله من
مجتمعها الخاص. وقولها: ونجني من القوم الظالمين - وهم قوم فرعون - كان
استغاثة بالله أن ينجيها من المجتمع العام - لقد رفضت آسية الخاص
والعام، وطلبت القرب والجوار فجمعت بين الكرامتين.
قتلها فرعون بعد خزيه في يوم الزينة، عندما علم بإيمانها برسالة موسى عليه السلام
كما قتل الماشطة وأولادها وكانت الماشطة تقوم بخدمة بنات فرعون، قتلها ومعها
أولادها عندما علم أنها رفضته ورفضت شذوذ آبائه، لقد تتبع فرعون كل طاقة تحمل نور
الإيمان وأجرى فيها الدماء. كان أطفال المؤمنين في الماء المغلي، ثم يقطع أطراف
الآباء بين ضحكات الملأ وهتاف الجماهير. لقد كانوا يظنون أنهم يبلغون مع كل قتيل
يقتلونه القمة! وأن الأطراف المقطوعة والأجساد المعلقة على جذوع النخل بطوله لا
تحتاج دليل.
____________
(143) سورة التحريم، الآية: 11.
1 - الخوف:
في عالم ما أريكم إلا ما أرى ترتجف الفطرة ويعم الخوف! وفي عالم فرعون خاف الكل من
الكل! وكان مجرد ذكر اسم موسى جريمة في قانون فرعون وبهذا صد فرعون عن سبيل الله.
يقول تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملإيهم أن يفتنهم
وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين * وقال موسى يا قوم إن كنتم أمنتم بالله
فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم
الظالمين * ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) (144) قال
المفسرون: قال البعض إن الضمير في قومه راجع إلى فرعون والذرية التي آمنت من قوم
فرعون، وقال آخرون ومنهم ابن جرير: إن الضمير لموسى والمراد بالذرية جماعة من بني
إسرائيل لا من قوم فرعون (145). وذهب صاحب الميزان مع ابن
جرير فيما قال. وقال: والذي يفيده السياق - وهو الظاهر من الآية -، أن يكون الضمير
راجعا إلى موسى، والمراد بالذرية من قوم موسى. بعض الضعفاء من بني إسرائيل دون
ملئهم الأشراف الأقوياء، والاعتبار يساعد على ذلك، فإن بني إسرائيل كانوا محكومين
بحكم آل فرعون، والعادة الجارية في أمثال هذه الموارد، أن يتوسل الأقوياء والأشراف
بأي وسيلة أمكنت، إلى حفظ مكانتهم الاجتماعية وجاههم القومي - كقارون مثلا -
ويتقربوا إلى الجبار المسيطر عليهم بإرضائه بالمال والتظاهر بالخدمة والتجنب عما لا
يرتضيه، فلم يكن في وسع الملأ من بني إسرائيل، أن يعلنوا موافقة موسى على دعوته وأن
يتظاهروا بالإيمان به، وقصص بني إسرائيل في القرآن أعدل شاهد على أن كثيرا من عتاة
بني إسرائيل ومستكبريهم لم يؤمنوا بموسى إلى أواخر عهده، وإن كانوا يسلمون له
ويطيعونه في عامة أوامره التي كان يصدرها لبذل المساعي في سبيل نجاة بني إسرائيل.
لما كان فيها صلاح قوميتهم وحرية شعبهم ومنافع أشخاصهم، فالإطاعة في هذه الأمور شئ
والإيمان بالله وما جاء به الرسول شئ آخر، ويستقيم على هذا المعنى قوله: (وملإيهم)
بأن يكون الضمير إلى الذرية. ويفيد النص أن الذرية الضعفاء كانوا في إيمانهم
____________
(144) سورة يونس، الآيات: 83 - 86.
(145) ابن كثير: 427 / 2.
يخافون الملأ والأشراف من بني إسرائيل. فإن الأشراف في بني إسرائيل
ربما كانوا يمنعونهم لعدم إيمانهم أنفسهم، أو تظاهروا بذلك ليرضوا به
فرعون وقومه (146).
وخلاصة ما نريد أن نقوله: إن الضعفاء كانوا يخافون من الداخل ومن الخارج، ففي
الداخل يوجد أصحاب المصالح الذين يضحون بأي شئ في سبيلها، وفي الخارج فرعون وهامان
وجنودها. أما فرعون فهو عال في الأرض لا يعدل فيما يحكم ويتفنن في التعذيب والقتل،
وأما هامان فبقاؤه في بقاء فرعون وأما الجنود فغوغاء أتباع لكل ناعق، لقد كان
الضعفاء يخافون على دينهم الذي يدفعون من أجله أبناءهم. من الذين يخافون على دنياهم
ولا يتحرجون في فعل أي شئ من أجل الحفاظ إما على المصلحة وإما على الكرسي. إن عالم
الخوف هذا الذي وضع قيوده وأسواره حول الفطرة. يعود إلى النظام الذي أقامه فرعون،
فنظام فرعون هو أخطر النظم على الفطرة، لأنه محمل بالذهب وغني بالمصالح ومسلح
بالبطش ويسهر عليه فقهاء فرق وشيع كل منهم يقدم هوى، وجميع الأهواء تصب في النهاية
عند ابن آمون وفي عالم الخوف هذا يقول تعالى: (قال موسى لقومه استعينوا بالله
واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)
(147) قال المفسرون: لقد استنهضهم للاستعانة بالله والصبر على.
الشدائد، لأن الأرض يورثها من يشاء، وفرعون لا يملك الأرض حتى يمنحها من يشاء،
ويمنع من التمتع بها من يشاء. وقد جرت السنة الإلهية أن يخص الله من يتقيه من عباده
بحسن العاقبة، والله تعالى نظم الكون نظما يؤدي كل نوع إلى غاية وجوده وسعادته التي
خلق لأجلها، فإن جرى على صراطه الذي ركب عليه، ولم يخرج عن خط سيره الذي خط له، بلغ
سعادته لا محالة، والإنسان الذي هو أحد هذه الأنواع أيضا حاله هذا الحال، إن جرى
على صراطه الذي رسمته له الفطرة، واتقى الخروج عنه والتعدي منه إلى غير سبيل الله،
هداه الله إلى عاقبته الحسنة، وأحياه الحياة الطيبة، وأرشده إلى كل خير يبتغيه.
إن فرعون لا يملك الأرض، وإنما يمتلك أجسادا في سجون أهوائه،
____________
(146) الميزان: 113 / 10.
(147) سورة الأعراف، الآية: 128.
والأرض لله، والعاقبة مطلقا للمتقين. وعلى المتقين يجري الاختبار. قد
يكون اختبارهم تحت مظلة فرعون، وقد يكون تحت مظلة عاد أو ثمود أو أصحاب
الأيكة. وفي جميع الأحوال، فإن أصحاب مظلات الصد عن سبيل الله، يتربعون
على عروش هي أنسب شئ لشقاء لا ينتهي. فالأرض عليها تقي وشقي، فالمتقي
لا يعنيه إن كان في القمة أو في القاع لأنه يأخذ بالأسباب ويسير في
حياته وفقا لفقه الحلال والحرام، والشقي هو تحت الزخرف والزينة شقي،
لأنه يقيم حياته على مقاييس تتصادم مع الكون وفطرة الوجود، ولذلك
فزواله حتمي، لأن زواله سنة من سنن الوجود.
لقد كان الضعفاء يخافون من جبابرة الداخل والخارج، وكان موسى عليه السلام يبث فيهم
الاستعانة بالله والصبر على الشدائد، وعندما قالوا له: (أوذينا من قبل أن تأتينا
ومن بعد ما جئتنا) (148) قال لهم قولا بليغا ينسف قواعد تجار
الأهواء والمصالح من بني إسرائيل، الذين حرفوا التوراة بعد ذلك، معتبرين أن العاقبة
لبني إسرائيل، ولا تحتمل شرطا ولا قيدا: (قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في
الأرض فينظر كيف تعملون) (149) قال المفسرون:
كأنه قال: ما أمرتكم به. أن اتقوا الله في سبيل مقصدكم، هذه كلمة حية ثابتة، فإن
عملتم بها كان من المرجو أن يهلك الله عدوكم ويستخلفكم في الأرض.
بإيمانكم إياها. والله لا يصطفيكم بالاستخلاف اصطفاء جزافا، ولا يكرمكم إكراما
مطلقا من غير شرط ولا قيد، بل ليمتحنكم بهذا الملك، ويبتليكم بهذا الاستخلاف، فينظر
كيف تعملون، قال تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا
ويتخذ منكم شهداء) (150) والقرآن بهذا يبين خطأ ما يعتقده
اليهود من كرامتهم على الله كرامة لا تقبل عزلا. ولا تحتمل شرطا ولا قيدا، والتوراة
تعد شعب إسرائيل شعب الله الذين لهم الأرض المقدسة، كأنهم ملكوها من الله سبحانه
ملكا لا تقبل نقلا ولا إقالة (151) وقد بينا زيف ذلك الادعاء
____________
(148) سورة الأعراف، الآية: 129.
(149) سورة الأعراف، الآية: 129.
(150) سورة آل عمران، الآية: 140.
(151) الميزان: 225 / 8.
في سلسلة بحوثنا عن المسيح الدجال الذي مقدر له الخروج آخر الزمان.
لقد واجه الذين آمنوا الخوف الذي غرس فرعون رموزه وأوتاده وقضبانه في كل مكان،
وأمام سيل الخوف الجارف بث موسى عليه السلام بين أتباعه الصبر، كان فرعون يقتل
الأطفال. فيروي الذين آمنوا الدماء بالدموع، ويقدمون الحزن والآهات والدموع إلى
موسى كي يشهد عليها ويرفعها في دعائه إلى الله.
2 - الاستكبار:
لم يستطع فرعون أن يواجه حجة موسى عليه السلام التي دمر بها عقيدة الشمس وفروعها،
تلك العقيدة التي قالت بأن الآلهة قد زاولوا مهمة الحكم على الأرض يوما! ثم غادروها
ليأتي بعد ذلك أبناؤهم من البشر ليحكموا أهلها. لقد دمر الأصنام التي شيدتها
الأساطير أصنام (رع) (أوزير) (آمون) (حور) (بتاح) (آتوم) (حتحور) (أبيس) (تحوت) ذلك
الطابور الذي تعد أوثانه بالآلاف. وعندما لم يستطع فرعون وفقهاؤه أن يواجهوا حجج
موسى ومعجزاته القاهرة مارسوا عمليات قتل الأطفال والرجال والنساء، ولأن عمليات
القتل لم يتدخل فيها من يقهر فرعون ويجبره على الكف عنها. تطاول فرعون في هذا
الميدان الخالي، واستغل هذا الموقف أمام شعبه. فطلب منهم أن يتركوه ليقتل موسى.
وليدع موسى ربه (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو
يظهر في الأرض الفساد) (152).
قال المفسرون: (ذروني) أي اتركوني. خطاب يخاطب به ملأه. وفيه دلالة على أن هناك
مانعا يمنعه. مانعا شخصيا وهو أنه عاجز عن ذلك. يقول الله تعالى لموسى: (ونجعل لكما
سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا) (153) ومانعا داخليا أنه
كان هناك من يشير عليه أن لا يقتل موسى ويكف عنه، وهؤلاء جاء ذكرهم في كتاب الله
كما يشير إليه قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه) (154)
فقوله: (ذروني أقتل موسى) كان فرعون يريد به أهدافا سياسية، اتخذ موسى مدخلا لها.
وهو وإن كان لم يظهر عجزه أمام شعبه إلا أنه تاجر بهامش
____________
(152) سورة غافر، الآية: 26.
(153) سورة القصص، الآية: 35.
(154) سورة الشعراء، الآية: 36.
(الديمقراطية) التي يعطيها لهم لتصب في أهدافه في نهاية الأمر.. فسياسة
(ذروني) تفيد أن هناك اعتراضا على قتل موسى، وهذا الاعتراض يستقيم مع
الخوف الداخلي للفرعون. وخوف فرعون الداخلي هذا، لا يتعارض مع خروجه
وراء موسى بعد ذلك إلى البحر الذي لاقى فرعون فيه حتفه. لأن هذا الخروج
كان يخضع لسنة الاستئصال، فالله تعالى أخرجه من دائرة الغيظ التي كانت
تشتعل بداخله لعدم مقدرته قتل موسى الذي يهدد ملكه، كما أخرجه وأخرج
قومه من جنات وعيون وكنوز. كان فرعون يعطيهم فيها مسحة من الحرية التي
تصب في أهدافه يقول تعالى: (فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام
كريم) (155).
(وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه). قال المفسرون:
وقوله: (وليدع ربه) أي فليدع ربه أن ينجيه من يدي وليخلصه من القتل إن قدر.. وقوله
هذا مكمل لما سبق للوصول إلى أهدافه السياسية، فكأنه يقول لقومه: اتركوني أقتل موسى
الذي يقول لكم: إنه رسول رب العالمين، وليدع ربه أن يخلصه من القتل، فأنتم شاهدتم
وتشاهدون أنني أقتل أتباع موسى ولم يخلصهم إله موسى من يدي، وهذا يثبت ألوهيتي..
وبعد هذه المقدمة طرح فرعون أهدافه (إني أخاف أن يبدل دينكم أو يظهر في الأرض
الفساد) (156)
فعدم مقدرته على قتل موسى، جعله يفكر في فرض حصار على دعوة موسى حتى لا تنتشر بين
المصريين. قال المفسرون: ذكر لهم أنه يخاف موسى عليهم من جهة دينهم ومن جهة دنياهم.
أما من جهة دينهم والذي هو عبادة الأوثان. فأن يقوم موسى بتبديله ويضع موضعه عبادة
الله وحده، وأما من جهة دنياهم، فإنه إذا عظم أمر موسى وتقوى جانبه وكثر متبعوه
فيترتب على هذا تمرد. وينتهي الأمر إلى ضياع الأمن في البلاد (157).
لقد كانت أطروحات فرعون تنطلق من دائرة التكبر والجحود والعناد، فهو يقتل ولكن دماء
القتيل ستطوق عنقه يوم القيامة، وهو يدافع عن دين الأوثان ودنيا
____________
(155) سورة الشعراء، الآيتان: 57 - 58.
(156) سورة غافر، الآية: 26.
(157) الميزان: 328 / 17.
الأوثان لأن في هذا مصلحته، ويوم القيامة سيقف هو وأتباعه يلعن بعضهم
بعضا، وبعد خطاب فرعون الذي أراد به أن يحاصر الدعوة قال موسى عليه
السلام: (إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب)
(158)
قال المفسرون: قوله: (عذت بربي وربكم) فيه مقابلة منه لفرعون في قوله:
(وليدع ربه) حيث خص فرعون ربوبية الله بموسى. فأشار موسى بقوله:
(عذت بربي وربكم) أي أنه تعالى ربهم كما هو ربه، نافذ حكمه فيهم كما هو نافذ فيه،
ومن هنا يظهر أن الخطاب في قوله: (وربكم) لفرعون ومن معه دون قومه من بني إسرائيل.
وقوله: (من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) يشير إلى فرعون وكل من يشاركه في صفتي
التكبر وعدم الإيمان بيوم الحساب ولا يؤمن من اجتمعت فيه الصفتان أصلا
(159).
ولم يذهب التهديد بقتل موسى عليه السلام سدى، فلقد انتفض الإيمان ممثلا في مؤمن آل
فرعون، الذي قام وواجه الجبابرة بأبلغ الكلام وأقوى الحجج. لقد قام مؤمن آل فرعون
بعد خطاب فرعون. وألزم نفسه أن ينطق بالعدل في عالم يحرمه الأجساد ولا يعدل في حق
الله أو حق الناس.. يقول تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون
رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك
صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب * يا قوم لكم الملك
اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما
أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) (160) قال المفسرون: كان
الرجل من القبط من خاصة فرعون. وهم لا يعلمون بإيمانه لكتمانه إياهم ذلك تقية، ولقد
أنكر قتلهم لموسى، وأخبرهم بأن موسى جاءهم بالبينات من ربهم، وعلى هذا فقتله هو قتل
رجل جاء بالحق من ربهم، ثم قال لهم إن يك موسى صادقا. يصبكم ما وعدكم من أنواع
العذاب. وإن يك كاذبا. كفاه كذبه. ثم قال: يا قوم لكم الملك اليوم غالبين عالين في
أرض مصر. على من دونكم من بني إسرائيل. فمن ينصرنا من أخذ الله وعذابه كما يعدنا به
موسى إن جاءنا. وقد
____________
(158) سورة غافر، الآية: 27.
(159) الميزان: 328 / 17.
(160) سورة غافر، الآيتان: 28 - 29.
أدخل المؤمن نفسه فيهم على تقدير مجئ البأس، ليكون أبلغ في النصح وأوقع
في قلوبهم، إنه يريد لهم من العافية ما يريده لنفسه، وكان رد فرعون على
ما أشار به المؤمن: (ما أريكم إلا ما أرى) أي ما أقول لكم وأشير عليكم
إلا ما أراه لنفسي، وأنه على يقين مما يهدي إليه قومه، وأمام هذا
الاستكبار الفرعوني قال المؤمن: (يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم
الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد
ظلما للعباد) (161) قال المفسرون: لقد حذر قومه
بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة، وذكرهم بالذين كذبوا رسل الله في
القديم كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة، كيف حل
بهم بأس الله، وما رده عنهم راد ولا صده عنهم صاد، وما أهلكهم الله إلا
بذنوبهم وتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، وما الله يريد ظلما للعباد
(162).
وبعد أن ذكرهم بالأمم الماضية. ذكرهم بيوسف عليه السلام فقال:
(ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن
يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب) (163)
قال المفسرون: أقسم لقد جاءكم يوسف من قبل بالآيات البينات التي لا تدع ريبا في
رسالته من الله. فما زلتم في شك مما جاءكم به ما دام حيا، حتى إذا هلك ومات قلتم لن
يبعث الله من بعده رسولا، فناقضتم أنفسكم ولم تبالوا، ثم أكده بقوله: (كذلك يضل
الله من هو مسرف مرتاب) (164) وكان الله تعالى قد بعث في مصر
رسولا من قبل موسى وهو يوسف عليه السلام كان عزيز أهل مصر، وكان رسولا يدعو إلى
الله أمته بالقسط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي، وعندما
مات قالوا طامعين لن يبعث الله من بعده رسولا! وذلك لكفرهم وتكذيبهم، ومن كان حاله
هذا يضله الله لإسرافه في أفعاله وارتياب قلبه (165).
____________
(161) سورة غافر، الآيتان.: 30 - 31.
(162) ابن كثير: 79 / 4، الميزان: 330 / 17.
(163) سورة غافر، الآية: 34.
(164) الميزان: 330 / 17.
(165) ابن كثير: 79 / 4.
وبعد أن قام المؤمن بتشخيص حالة القوم، قام بوصف المسرف المرتاب فقال:
(الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند
الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)
(166) قال المفسرون:
وصف لكل مسرف مرتاب، فإن من تعدى طوره بالإعراض عن الحق واتباع الهوى، واستقر في
نفسه الارتياب، فكان لا يستقر على علم ولا يطمئن إلى حجة تهديه إلى الحق، جادل في
آيات الله بغير برهان إذا خالفت مقتضى هواه، وقوله: (كذلك يطبع الله على كل قلب
متكبر جبار) يفيد أن قلوبهم مطبوع عليها فلا يفقهون حجة ولا يركنون إلى برهان
(167) ومن كانت هذه صفته لا يعرف بعد ذلك معروفا ولا ينكر منكرا
(168).
كان الرد الفرعوني. على هذا العلم الواسع. هو رد المسرف الكذاب والمسرف المرتاب
والمتكبر الجبار، لقد أشار إلى مجموعة عمله (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي
أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين
لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب) (169)
قال المفسرون: أمر منه لوزيره هامان أن يبني له بناء يتوصل به إلى الإطلاع إلى إله
موسى! ولعله أصدر هذا الأمر أثناء محاجة الذي آمن، ولذلك وقع ذكره بين مواعظ الذي
آمن واحتجاجاته، والمعنى: آمرك يا هامان ببنائه، لأني أرجو أن أبلغ بالصعود عليه
الأسباب، ثم فسر الأسباب بقوله: (أسباب السماوات) وفرع عليه قوله: (فأطلع إلى إله
موسى) كأنه يقول: أن الإله الذي يدعوه ويدعو إليه موسى ليس في الأرض إذ لا إله فيها
غيري. فلعله في السماء، فابن لي صرحا لعلي أبلغ بالصعود عليه الأسباب السماوية
الكاشفة عن خبايا السماء، فأطلع من جهتها إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا. وقيل: إن
مراده أن يبني له رصدا يرصد فيه الأوضاع السماوية لعله يعثر فيها على ما يستدل به
على وجود إله موسى. بعد اليأس من الظفر عليه بالوسائل
____________
(166) سورة غافر، الآية: 35.
(167) الميزان.
(168) ابن كثير: 79 / 4.
(169) سورة غافر، الآيتان: 36 - 37.
الأرضية. وهذا لا يستقيم على شئ من مذاهب الوثنية، ولعل فرعون قال ذلك
تمويها على الناس أو جهلا منه، وما هو من الظالمين ببعيد، ولقد زين
الشيطان له قبيح عمله فرآه حسنا، وصده عن سبيل الرشاد، فرأى انصداده
عنها ركوبا عليها، فجادل في آيات الله بالباطل، وأتى بمثل هذه الأعمال
القبيحة والمكائد السفهية لإدحاض الحق ولذلك ختمت الآية (وما كيد فرعون
إلا في تباب) أي هلاك وانقطاع (170).
وبعد صدور الأوامر ببناء الصرح من الذي يقول لقومه: (ما أريكم إلا ما أرى وما
أهديكم إلا سبيل الرشاد) هرول الجميع من أجل تنفيذ التعليمات الفرعونية (وقال فرعون
يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا
لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين * واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير
الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) (171) إنها ثقافة عقيدة
الشمس. فالقوم يعتقدون أن الآلهة في الفضاء أجسام تحل أرواحها على الأرض في أصنام
من حجارة وأصنام من بشر، لقد كان فرعون الذي يهدي قومه سبيل الرشاد يرى أن الله
تعالى جسم ساكن في بعض طبقات الجو أو في الأفلاك! فكان يرجو إذا نظر من الصرح أن
يطلع إليه، وهو يعلم أنه لن يستطيع أن يقدم لقومه دليلا واحدا على أنه الآلهة
(آمون) و (رع) وغيرهما لهم وجود في الفضاء أو في الأرض، لأن أوثانه لا توجد إلا
داخل الأساطير الخرافية التي زينها الشيطان ثم احتوتها مدارس الفراعنة! إن الأمر
ببناء الصرح كان له أهداف سياسية يريد بها التعمية على الناس وإضلالهم، إنها سياسة
ما أريكم إلا ما أرى. التي تصب في إناء ابن آمون، ولأنها سياسة خالية من الرشد
والرشاد، خاطب المؤمن قوم فرعون كما يقول تعالى: (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون
أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار)
(172).
قال المفسرون: دعاهم إلى اتباعه ليهديهم، واتباعه اتباع لموسى. وفي
____________
(170) الميزان: 332 / 17.
(171) سورة القصص، الآيتان: 38 - 39.
(172) سورة غافر، الآيتان: 38 - 39.
قوله: (أهدكم سبيل الرشاد) تعريض لفرعون حيث قال: (ما أهديكم إلا سبيل
الرشاد) ثم بين لهم أن الذي يستند إليه سلوك سبيل الرشاد، ولا يستغني
عنه الدين الحق هو الإعتقاد بأن للإنسان حياة خالدة مؤبدة.. هي الحياة
الآخرة، وأن هذه الحياة الدنيا متاع في الآخرة، ومقدمة مقصودة لأجلها،
ولذلك بدء به في بيان سبيل الرشاد. ثم ذكر السيئة والعمل الصالح (من
عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن
فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) (173)
فقد أجمع الدين الحق، وهو سبيل الرشاد في أوجز بيان، وهو أن للإنسان
دار قرار، يجزى فيها بما عمل في الدنيا من عمل سئ أو صالح، فليعمل
صالحا ولا يعمل سيئا، وزاد بيانا، إذ أفاد أنه إن عمل صالحا يرزق بغير
حساب (174).
ثم ختم المؤمن الذي يعيش في ديار الاستكبار بيانه بدعوة لا يرفضها إلا مسرف مرتاب
ومتكبر جبار قال: (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار * تدعونني
لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار * لا جرم
أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن
المسرفين هم أصحاب النار * فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير
بالعباد) (175) قال المفسرون: قال: يا قوم ما لي أدعوكم إلى
النجاة، أي النجاة من النار، وتدعونني إلى النار. وقد كان يدعوهم إلى سبب النجاة،
ويدعونه إلى سبب دخول النار، ثم فسر ما دعوه إليه وما دعاهم إليه. فقال: تدعونني
لأكفر. أي إلى أن أكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم، أي أشرك به شيئا لا حجة لي
على كونه شريكا، فأفتري على الله بغير علم، وأنا أدعوكم إلى العزيز الذي يغلب ولا
يغلب، الغفار لمن تاب إليه وآمن به، أي أدعوكم إلى الإيمان به والإسلام له.. لقد
ثبت ثبوتا أن ما تدعونني إليه، مما تسمونه شريكا له سبحانه. ليس له دعوة في الدنيا.
إذ لم يعهد نبي أرسل إلى الناس من ناحية ليدعوهم إلى عبادته، ولا في الآخرة إذ لا
رجوع إليه فيها من
____________
(173) سورة غافر، الآية: 40.
(174) الميزان: 333 / 17.
(175) سورة غافر، الآيات: 41 - 44.
أحد، وأما الذي أدعوكم إليه، وهو الله سبحانه، فإن له دعوة في الدنيا،
وهي التي تصداها أنبياؤه ورسله المبعوثون من عنده، المؤيدون بالحجج
والبينات، وفي الآخرة وهي التي يتبعها رجوع الخلق إليه لفصل القضاء
بينهم.. ومن المعلوم أن الربوبية لا تتم بدون دعوة في الدنيا ونظيرتها
الدعوة في الآخرة، وإذا كان الذي يدعوهم إليه ذا دعوة في الدنيا
والآخرة، دون ما يدعونه إليه، فهو الإله دون ما يدعون إليه.
وقوله: (وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار) معطوف على قوله: (أنما
تدعونني) أي لا جرم أن مردنا إلى الله، فيجب الإسلام له واتباع سبيله ورعاية حدود
العبودية، ولا جرم أن المسرفين وهم المتعدون طور العبودية - وهم أنتم - أصحاب
النار، فالذي أدعوكم إليه فيه النجاة دون ما تدعونني إليه. (فستذكرون ما أقول لكم
وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) صدر الآية موعظة وتخويف لهم، وهو تفريع
على قوله: (وأن مردنا إلى الله) أي إذا كان لا بد من الرجوع إلى الله، وحلول العذاب
بالمسرفين، وأنتم منهم ولم تسمعوا اليوم ما أقول لكم، فستذكرون ما أقول لكم حين
عاينتم العذاب، وتعلمون عند ذاك أني كنت ناصحا لكم (176).
(فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد،.
* 7 - أيام من العذاب:
لم يستمع القوم إلى ما قاله المؤمن لهم، ورموه بالتهم الباطلة حتى تضيع كلماته
ويجلب فرعون لنفسه المنفعة، لقد صبوا عليه الاتهامات لأنه ألقى بحججه على حياة
الباطل وسمعته، وعرى أفعالهم المرعبة النكراء التي رسمتها الشياطين المخيفة في
مجالسهم ومعايدهم. صبوا عليه الاتهامات بعد أن أخبرهم أنه عند ساعة الموت سيكتشفون
الحقيقة، والحقيقة لن تكون أبدا فيما نقلوه لهم عن أوزير ورع وآمون، فهذا الطابور
هراء وهباء ضائع في خلاء وليس له دعوة.
ولا يحمل إلا بصمات الشياطين، وإذا كانوا يظنون أن الموت يضع حدا لشقائهم بعد أن
أضاعوا حياتهم في حمل الأحجار ونقشها خدمة للفرعون، فإن الحقيقة أنه
____________
(176) الميزان: 334 / 17.
من عند الموت ستبدأ مأساتهم إلى ما لا نهاية. فهناك في أسفل، لن يروا
أوزير إله الرحمة. وسيروا مقاما من العذاب في ميزان لا نهائية، عندما
قال لهم المؤمن هذا صبوا عليه الاتهامات لأنه لم يدخل السرور والمتعة
على عمر الخلود..
الخلود الذي يقف على بابه الفرعون ابن آمون رع، وابن حور بن أوزير إله الخصب
والموتى (177).
لم يستمعوا إلى صوت المؤمن، ولم ينصتوا لموسى عليه السلام، فأخذهم الله بالقحوط
المتعددة لعلهم يذكرون يقول تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات
لعلهم يذكرون) (178) قال المفسرون:
أي اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم بالسنين وهي سني الجوع بسبب قلة الزروع
(179) لقد ضربهم الله بالجدب كي يتبينوا أن النيل والشمس لا يملكان لهم من
الله شيئا، والنيل والشمس كانا من أهم أرباب الفراعنة، وعندما ضربهم القحط لم يتذكر
القوم ولم يتدبروا في آيات الله، ومقابل هذا الجمود ضربهم الله تعالى بما هو أشد كي
يفكروا ويتوبوا ويؤمنوا بالله ورسوله يقول تعالى:
(فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا
وكانوا قوما مجرمين) (180) لقد أرسل سبحانه عليهم ما يدعوهم
للخضوع لله. ولكنهم استكبروا وكانوا قوما مجرمين. يقول المفسرون: قوله تعالى: (آيات
مفصلات) يدل على أنها أرسلت متفرقة لا مجتمعة، منفصلة بعضها عن بعض، وكل آية من هذه
الآيات كانت تأتيهم عن أخبار موسى وإنذاره. لقد أرسل الله عليهم آياته. أرسل
الطوفان فصب عليهم الماء، وعندما خافوا فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر
فنؤمن لك. ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل
وهكذا فعلوا مع كل آية، يخافون فيذهبون إلى موسى، ويعطوه العهد.. فلما يكشف عنهم
العذاب يضحكون وينكثون وينقضون عهدهم. يقول تعالى: (فلما جاءهم بآياتنا إذا
____________
(177) تاريخ الجوع والخوف / للمؤلف تحت الطبع.
(178) سورة الأعراف، الآية: 130.
(179) ابن كثير: 239 / 2.
(180) سورة الأعراف، الآية: 133.
هم منها يضحكون * وما نريهم من آية إلا وهي أكبر من أختها * وأخذناهم
بالعذاب لعلهم يرجعون * وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد
عندك إننا لمهتدون * فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون)
(181) والعذاب عندما ضرب، ضرب الجميع في المنازل والقصور. وفي
الشوارع وفي الحقول، ولكن القوم في كل مكان لم يكن لديهم أي استعداد
فطري للخروج على ما يراه فرعون لهم، كانوا يتعذبون بالجوع والطوفان
والجراد والقمل وغير ذلك، وعيونهم على فرعون ليضعوا في عقولهم ما سينطق
به، لقد تعذبوا من أجل فرعون، وساروا في طريق العذاب كي ينعموا بما
وعدهم الفراعنة وكهان الفراعنة بالخلود الدائم بعد الموت. ذلك الخلود
الذي لا يكتمل إلا بطاعة فرعون.
وبعد أن كشف الله العذاب عنهم، ذلك العذاب الذي كان دعوة للتوبة، بدأ فرعون في
ممارسة سياسة التشكيك في الآيات التي ضربتهم كما بدأ في ممارسة سياسة التحقير من
موسى عليه السلام، ويخبر الله تعالى عن رد فرعون بعد أن جاءه موسى عليه السلام
بآيات الله التسع بأنه قال: (إني لأظنك يا موسى مسحورا * قال لقد علمت ما أنزل
هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا)
(182) قال المفسرون: ذكر ههنا التسع آيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل
مصر، فكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرا وجحودا (183)
وفرعون بعد هذه الآيات ازداد عنادا وكفرا واتهم موسى عليه السلام بأنه مسحور أي
اختل عقله، فقال له موسى: لقد علمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات البينات إلا رب
السماوات والأرض، أنزلها بصائر تبصر بها لتمييز الحق من الباطل. وإني لأظنك يا
فرعون هالكا بالآخرة لعنادك وجحودك، وإنما أخذ موسى الظن دون اليقين لأن الحكم لله
(184).
إنها سياسة التشكيك في الآيات سياسة تصف موسى مرة بأنه ساحر، ومرة بأنه مسحور، ومرة
بأنه مجنون ومع سياسة التشكيك هذه سارت سياسة التحقير
____________
(181) سورة الزخرف، الآيات: 47 - 50.
(182) سورة الإسراء، الآيتان: (101 - 102).
(183) ابن كثير: 67 / 3.
(184) الميزان: 219 / 13.
معها جنبا بجنب. فكان فرعون ينادي في قومه: انظروا أنا من طبقة أعلى من
طبقة البشر. أعلى بكثير من طبقة موسى، وها هي الأنهار وها هم الجنود
والكهنة الجميع على أرض مصر مسخر لخدمتي، كما سخروا لخدمة آبائي من قبل
الذين تشهد متون الأهرامات بأنهم كانوا آلهة أبناء آلهة
(185) فكيف يأتي موسى وهو الذي لا يمتلك شيئا ولا يرجى منه شئ.
وليس له أن يكون حمالا عندنا كيف يأتي ويفرض نفسه دليلا علينا. يقول
تعالى عن الفقه الفرعوني في سياسة التشهير بعد جحود القوم بآيات الله:
(ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من
تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين *
فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين * فاستخف
قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين) (186) قال
المفسرون: جمع قومه ونادى فيهم متبجحا مفتخرا بملك مصر وتصرفه فيها -
قائلا: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك. وموسى وأتباعه فقراء
ضعفاء لا ملك لهم ولا سلطان، كما أن موسى الذي يريد أن يكون عليكم (لا
يكاد يبين) أي أن لسانه فيه ثقل وفرعون في هذا كاذب، لأن الله تعالى
رفع عن موسى هذا الثقل لقوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى)
(187) بعد قوله عليه السلام: (واحلل عقدة من لساني * يفقهوا
قولي) (188) وفرعون عندما يطرح على قومه ما هو
ليس بموجود دليل على أنه كان يعلم أن عقول قومه في سلة مهملاته. ثم قال
فرعون ما قاله قبله كفار قوم نوح وكفار عاد وثمود. ولكن على طريقة
فرعون، فقال: لو كان موسى رسولا.
لألقي إليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة يخدمونه ويشهدون بتصديقه، وكانت
المعابد الفرعونية تعج حينئذ بالعديد من الكهان السحرة. الذين يوهمون الناس بأن
داخل المعابد ملائكة تعمل في خدمة الفرعون، وعلى هذا شب القوم... وعندما قال فرعون
هذا لقومه وافقوه (فاستخف قومه فأطاعوه) أي استخف عقولهم وأحلامهم، ودعاهم إلى
الضلالة فاستجابوا له (189) والمقولة
____________
(185) تاريخ الجوع والخوف / للمؤلف / تحت الطبع.
(186) سورة الزخرف، الآيات: 51 - 54.
(187) سورة طه، الآية: 36.
(188) سورة طه، الآيتان: 27 - 28.
(189) الميزان: 111 / 18، ابن كثير: 130 / 4.
الفرعونية التي تطالب بالملائكة لتكون في خدمة الرسول. رفعها من بعده
كفار قريش فقالوا: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا)
(190) وكم كان في قريش من فرعون.
وبعد أن شقت سياسة التشكيك والتحقير طريقها. وبعد أن توغل فرعون في عقول قومه. بدأ
فرعون يلوح بسياسة الإرهاب، وبدأ القوم يعلنون أن الرجم بالحجر سيكون مصير موسى.
وعندما علم موسى عليه السلام بذلك قال:
(... وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون * وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون)
(191) قال المفسرون: معناه: أني التجأت إلى الله تعالى من رجمكم إياي فلا
تقدرون على ذلك، فالظاهر أنه أشار إلى ما أمنه ربه من قبل المجئ إلى القوم كما في
قوله تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى * قال لا تخافا إنني
معكما أسمع وأرى) (192) وبعد أن التجأ موسى إلى حصن الله
الحصين، قال لهم: إن لم تؤمنوا لي فكونوا بمعزل مني. لا لي ولا علي، ولا تتعرضوا
إلي بخير أو شر (193).
وأمام سياسة التشكيك والتحقير والإرهاب توجه موسى بالدعاء: (فدعا ربه أن هؤلاء قوم
مجرمون) (194) قال المفسرون: دعاه بأن هؤلاء قوم مجرمون، وقد
ذكر من دعائه السبب الداعي له إلى الدعاء، وهو إجرامهم إلى حد يستحقون معه الهلاك،
ويعلم ما سأله مما أجاب به ربه تعالى إذ قال بعد ذلك: (فأسر بعبادي ليلا) وهو
الهلاك (195) وتفصيل دعاء موسى عليه السلام جاء في موضع آخر
من كتاب الله، عندما أمر الله تعالى موسى وهارون أن يجعلوا بيوت بني إسرائيل في مصر
متقابلة يقابل بعضها بعضا وفي وجهة واحدة، كي يتمكنا من القوم بالتبليغ ويتمكنوا من
إقامة الصلاة. فبعد هذا دعا موسى ربه
____________
(190) سورة الفرقان، الآية: 7.
(191) سورة الدخان، الآيتان: 20 - 21.
(192) سورة طه، الآيتان: 45 - 46.
(193) الميزان: 139 / 18.
(194) سورة الدخان، الآية: 22.
(195) الميزان: 140 / 18.
الدعاء القاصم لفرعون وقومه، يقول تعالى: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن
تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر
المؤمنين * وقال موسى ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في
الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على
قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم * قال قد أجيبت دعوتكما
فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) (196)
قال المفسرون: وهذه الدعوة كانت من موسى غضبا لله ولدينه على فرعون
وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم ولا يجئ منهم شئ، كما دعا نوح
عليه السلام فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن
تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) (197)
واستجاب الله تعالى لموسى عليه السلام فيهم هذه الدعوة
(198). وذكر المفسرون أن موسى عليه السلام كان يدعو. وكان هارون
يؤمن له. فقد كانا معا يدعوان وإن كان متن الدعاء لموسى عليه السلام
وحده، وأمرهما الله تعالى بعد أن أجاب دعوتهما أن يستقيما أي أن يثبتا
على ما أمرهم الله به وإحياء كلمة الحق ولا يتبعان سبيل الذين لا
يعلمون بإجابة ما يقترحونه عليهما عن أهواء أنفسهم ودواعي شهواتهم وفي
هذا تلويح إلى أن فرعون وملائه سيسألون أمورا فيها إحياء سنتهم القومية
وسيرتهم الجاهلية (199) وتحت مظلة الدعاء وقف
موسى وقومه في محراب الإيمان. ووقف فرعون وقومه على طريق الانحراف
والشذوذ والصد عن سبيل الله لم يفكروا ما الذي ينتظرهم هناك في نهاية
الطريق؟ وهم لم يفكروا لأنهم صادروا العقل وصادروا البصيرة من قديم،
والتفوا حول كهنة المعابد ليأخذ القوم نصيبهم من الدخان ويأخذ فرعون
نصيبه من الأمتعة التي تحيط به في الدنيا وترتفع به إلى عالم
الاستكبار، وعند موته تربط الأمتعة ربطا متينا وتوضع معه في قبره. فلا
يستفيد الأحياء منها ولا الأموات. إن عقيدة الشمس تقف بأصحابها عند
السراب في نهاية الطريق. ولكن القوم رضوا بها لأن عليها بصمات الآباء،
تلك البصمات التي حجبت نفوسهم فلم يتدبروا حقيقة النور الذي جعله الله
تعالى في يد موسى عليه
____________
(196) سورة يونس، الآيات: 87 - 89.
(197) سورة نوح، الآيتان: 26 - 27.
(198) ابن كثير: 429 / 2.
(199) الميزان: 117 / 10.
السلام، وهم لم يتدبروا إلا لأنهم صادروا أسماعهم وأبصارهم وعقولهم
وقلوبهم. صادروها لصالح فرعون وحده. فرعون الذي أوهمتهم عقيدة الشمس
بأنه باب الخلود الدائم والنعيم المقيم.
لقد وقف فرعون وملأه تحت مظلة الدعاء الذي دعا به موسى، وقف يتباهى بالأنهار
والحقول والذهب والجنود، وفي محراب الإيمان جلس موسى عليه السلام يبشر المؤمنين،
وهو على أرضية اليقين بأن الله تعالى استجاب الدعوة المتضمنة لعذاب فرعون وملئه
وعدم توفيقهم للإيمان حتى يروا العذاب الأليم.
* 8 - يوم الغضب:
بعد أن أوحى الله تعالى لموسى وهارون أن يتخذا لقومهما مساكن من البيوت في مصر،
وكانوا قبل ذلك يعيش معظمهم عيشة البدو في أماكن مختلفة.
وأمرهم سبحانه أن يجعلوا بيوتهم متقابلة وفي وجهة واحدة ليسهل اتصال بعضهم ببعض
ويتمشى أمر التبليغ والمشاورة والاجتماع والصلوات. بعد أن أمر سبحانه بذلك، قام
موسى وهارون عليهما السلام بتنفيذ ما أمر به الله وكان فرعون يظن أن اجتماع القوم
على رقعة واحدة من الأرض في صالحه. لأنه يسهل عليه مراقبة المداخل والمخارج ويستطيع
الإغارة عليهم في وقت واحد ومن جهة واحدة فيقضي عليهم جميعا، لهذا تركهم فرعون
يجتمعون ويشيدون مساكنهم، وبعد أن ظن فرعون أن بني إسرائيل يشيدون لأنفسهم المصيدة
التي فيها يهلكون، جاء الوحي الإلهي الذي فيه هلاك فرعون وملئه. يقول تعالى: (وأوحينا
إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون) (200) قال المفسرون:
أمرهم سبحانه بالسير ليلا، وقوله: (إنكم متبعون) تعليل للأمر، أي سر بهم ليلا
ليتبعكم آل فرعون، وفيه دلالة على أن لله في اتباعهم أمرا (201)،
وكان موسى عليه السلام يعلم بوحي من الله الاتجاه الذي يسير فيه بقومه والطرق التي
يسلكها.
وكان لاقتراب البيوت بعضها من بعض فائدة كبيرة، حيث تم تنفيذ الأوامر
____________
(200) سورة الشعراء، الآية: 52.
(201) الميزان: 276 / 15.
بدقة وفي وقت قصير، وما إن تحرك ركب بني إسرائيل خارج المنطقة حتى علم
فرعون بهذا التحرك. يقول تعالى: (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين * إن
هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميع حاذرون)
(202) قال المفسرون: لما علم فرعون بذلك أرسل في (المدائن) التي
تحت سلطانه رجالا (حاشرين) يحشرون الناس ويجمعون الجموع. قائلين للناس:
إن (هؤلاء) بني إسرائيل لشرذمة قليلون (وإنهم لنا لغائظون) يأتون من
الأعمال ما يغيظوننا به (وإنا لجميع) مجموع متفق فيما نعزم عليه (حاذرون)
نحذر العدو أن يغتالنا أو يمكر بنا وإن كان ضعيفا قليلا.
وبعد أن قال فرعون هذا ونقلت أبواق دعايته بلاغه هرولت الجموع الفرعونية ووقفت
صفوفا وراء فرعون، وانطلق الجميع وراء موسى وقومه يقول تعالى: (فأخرجناهم من جنات
وعيون * وكنوز ومقام كريم) (203) قال المفسرون: لما كان
خروجهم عن مكر إلهي. بسبب داعية الاستعلاء والاستكبار التي فيهم، نسب سبحانه إلى
نفسه أنه أخرجهم من قصورهم المشيدة وبيوتهم الرفيعة (204)
وبدأ جيش الاستكبار يشق الظلام ليدخل في ظلام. وموسى عليه السلام ينطلق بقومه في
اتجاه البحر. يقول تعالى: (فأتبعوهم مشرقين * فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى
إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين) (205) قال
المفسرون: تقدمت جحافل فرعون التي فيها أهل الحل والعقد والأمراء والوزراء والكبراء
والرؤساء والجنود ولحقوا ببني إسرائيل (مشرقين) أي داخلين في وقت شروق الشمس
وطلوعها (فلما تراءى الجمعان) أي دنا بعضهم من بعض. فرأى كل من الجمعين الآخر (قال
أصحاب موسى) من بني إسرائيل خائفين فزعين (إنا لمدركون) سيدركنا جنود فرعون. قال
موسى كلا لن يدركونا (إن معي ربي سيهدين) والمراد بهذه المعية، معية الحفظ والنصرة.
وهي التي وعدها له ربه أول ما بعثه وأخاه إلى
____________
(202) سورة الشعراء، الآيات: 53 - 56.
(203) سورة الشعراء، الآيتان: 57 - 58.
(204) الميزان: 277 / 15.
(205) سورة الشعراء، الآيات: 60 - 62.
فرعون (إنني معكما أسمع وأرى) أما قوله: (سيهدين) أي سيدلني على طريق
لا يدركني فرعون معها (206).
وانتهى موسى عليه السلام بقومه إلى البحر، ومن خلفهم تجري عربات وخيول فرعون يقودها
الصفوة في الدولة، وكل واحد فيهم يريد أن يكون له شرف قتل موسى ليزداد قربا من
فرعون، وعند مسافة قدرها الله بين الطرفين، جاء وقت المفاصلة. يقول تعالى: (فأوحينا
إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم)
(207) قال المفسرون: أي كل قطعة منفصلة من الماء (كالطود) وهو القطعة من
الجبل العظيم. وفي موضع آخر يقول تعالى:
(فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى) (208)
قال المفسرون: عندما ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق كل فرق كالطود العظيم، أرسل الله
تعالى الريح على أرض البحر. فلفحته حتى صار يابسا كوجه الأرض.
وقوله: (لا تخاف دركا) أي من فرعون (ولا تخشى) أي من البحر (209).
وحفظ الله تعالى البحر على حاله وهيئته حتى قطعه موسى ومن معه وخرجوا منه، وأوحى
الله تعالى إلى موسى: (واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون) (210).
قال المفسرون: أي اتركه ساكنا أو مفتوحا على حاله فيدخلونه طمعا في إدراككم فهم جند
مغرقون (211). وجاء فرعون وجنوده. وشاهدوا الطريق اليابس.
واندفعوا فيه، لم يسجل القرآن أن فرعون تدبر في الأمر، وأيقن كعسكري أن الذي أمامه
مانع طبيعي وليس صناعيا ووجود الطريق اليابس في المانع الطبيعي في لحظة يعني أن
هناك معجزة، وهذا في حد ذاته يدعوه كرجل عسكري أن يعيد تقدير الموقف على أساس جديد.
لم يسجل القرآن ذلك ليسقط فرعون أمام التاريخ كعسكري وكفرعون وكإنسان، وانطلق فرعون
بغيا وراء موسى
____________
(206) الميزان: 277 / 15.
(207) سورة الشعراء، الآية: 63.
(208) سورة طه، الآية: 77.
(209) ابن كثير: 160 / 3.
(210) سورة الدخان، الآية: 24.
(211) الميزان: 140 / 18.
وقومه يقول تعالى: (فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم)
(212)
فعندما دخل آخرهم الطريق اليابس في البحر. انطبق البحر عليهم يقول
تعالى:
(فأغرقناه ومن معه جميعا) (213) (انتقمنا منهم فأغرقناهم
أجمعين) (214) لم ينج أحد لقد غرق الكهنة صناع الآلهة التي
من ذهب والتي من طين! وغرق الأمراء الذين أفنوا حياتهم في الارتعاش أمام كل فرعون.
لينالوا بارتعاشهم كل شئ ترجوه من متاع رخيص، وغرق الجنود الذين أفنوا حياتهم في
الارتعاش والصياح، لقد أصبح الجميع فريسة للأمواج وسقط فرعون معهم، والذي كان
يتباهى منهم بالتصور أصبح أرخص من أي شئ في الوجود. يقول تعالى:
(فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين)
(215) قال المفسرون: أي أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة فلم يبق منهم أحد
(216).
وفي الآية من الاستهزاء بأمرهم وتهويل العذاب الواقع بهم (217)
وفي موضع آخر يقول تعالى عن فرعون: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم)
(218)
قال المفسرون: النبذ: الطرح للشئ من غير أن يعتد به. والمعنى: فأخذناه وجنوده. وهم
ركنه. وطرحناهم في البحر. والحال أنه أتى من الكفر والجحود والطغيان بما يلام عليه.
وإنما خص فرعون بالملامة مع أن الجميع يشاركونه فيها. لأنه إمامهم الذي قادهم إلى
الهلاك، وفي الآية من الإيماء إلى عظمة القدرة وهول الأخذ، وهوان أمر فرعون وجنوده
ما لا يخفى (219).
لقد غرقوا. ولم يكونوا في حاجة إلى قبر وشاهد يدل عليهم، لقد غرقوا ولم يغن عنهم
أوزير الذي نسجه الخيال وقال لهم إنه ينتظر الموتى ليضعهم بين الأبرار، لقد غرقوا
وقت شروق الشمس التي طالما سبحوا بحمدها! ودخل الطين
____________
(212) سورة طه، الآية: 78.
(213) سورة الإسراء، الآية: 103.
(214) سورة الزخرف، الآية: 55.
(215) سورة القصص، الآية: 40.
(216) ابن كثير: 390 / 3.
(217) الميزان: 38 / 16.
(218) سورة الذاريات، الآية: 40.
(219) الميزان: 380 / 18.
في أفواههم القذرة. يقول تعالى في نهايتهم: (فما بكت عليهم السماء
والأرض وما كانوا منظرين) (220) قال المفسرون:
بكاء السماء والأرض على شئ فائت، كناية تخيلية عن تأثرهما عن قوته
وفقده، فعدم بكائهما عليهم بعد إهلاكهم، كناية عن هوان أمرهم على الله.
وعدم تأثير هلاكهم في شئ من أجزاء الكون (221)
وقيل: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم
ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها (222).
* مقتل الفرعون:
لقد كان لكل مستكبر قصة وهو يصارع الغرق، ولكن القرآن تخطى الفراعنة الصغار فلم يصف
حالهم مع الموج، لأنهم صغار أتباع لكل ناعق! أما فرعون فلقد وقف عنده القرآن ليصف
موقفه مع الغرق في مشهد وحركة، ففرعون هو صاحب التاج الأكبر والجوزة الأعظم! وهو
مؤسس فقه الإستحواز ومؤصل عقدة الامتلاك، وهو سيد كل طريق مسدود يبصر فيه بالجنود
ويبصر بالعبيد ولا يدخل إليه إلا كل محني الظهر. يقول تعالى في مشهد فرعون وهو
يصارع الأمواج: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى
إذا أدركه الغرق قال أمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من
المسلمين) (223) يقول المفسرون: أي آمنت بأنه - وقد وصف الله
- بالذي آمنت به بنو إسرائيل. ليظفر بما ظفروا به بإيمانهم. وهو مجاوزة البحر
والأمان من الغرق، ولذلك أيضا جمع بين الإيمان والإسلام. ليزيل بذلك أثر ما كان يصر
عليه من المعصية. فالإيمان كان من أجل مصلحة، وهذا النوع من الإيمان لا ينفع صاحبه
حين البأس. قال تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به
مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر
هنالك الكافرون) (224) إنها سنة الله في عباده أن لا تقبل
____________
(220) سورة الدخان، الآية: 29.
(221) الميزان: 141 / 18.
(222) ابن كثير: 142 / 4.
(223) الميزان: 117 / 10.
(224) سورة غافر، الآيتان: 84 - 85.
توبة بعد رؤية البأس (225) لهذا قال الله تعالى
في جواب فرعون حين قال ما قال:
(آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) (226) قال المفسرون:
آلآن:
أي أتؤمن بالله الآن وهو حين أدركك العذاب ولا إيمان وتوبة حين غشيان العذاب ومجئ
الموت من كل مكان، وقد عصيت قبل هذا وكنت من المفسدين، وأفنيت أيامك في معصيته. ولم
تقدم التوبة لوقتها. فماذا ينفعك الإيمان بعد فوت وقته. وهذا هو الذي كان موسى
وهارون سألاه ربهما. أن يأخذه بعذاب أليم ويسد سبيله إلى الإيمان. إلا حين يغشاه
العذاب فلا ينفعه الإيمان ولا تغني عنه التوبة شيئا (227).
إن التجارة لها ميدانها، وحساب الربح والخسارة له موائده، أما التجارة في العقيدة
والبيع والشراء في آيات الله فكل هذه جرائم لا يفلت مرتكبها من تحت السماء! ولقد
تاجر فرعون في حياته بكل شئ، وعندما ضربه الموج لم يجد في جعبته إلا أوراق الإيمان
والإسلام، ولكن هيهات هيهات، لقد امتلأت بزته الحربية بالماء وغاصت به في الأوحال،
وبعد حين دفعه الموج إلى الضفة التي بلغها يوما وهو مزهو بالنصر، بعد أن راوده
الأمل في اللحوق بموسى، لقد قذف به البحر إلى الشاطئ ليكون عبرة لنهاية طريق. وهو
الذي التقط يوما صندوقا قذف به البحر إلى الشاطئ ليكون الذي بداخله آية لجميع
الظالمين: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا
خاطئين) (228) لقد قذف اليم في أول الرحلة صندوقا به موسى.
وقذف اليم في آخر الرحلة الفرعون! قذفه لهدف ومن وراء هذا الهدف حكمة، فبعد مصرع
الفرعون قال تعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن
آياتنا لغافلون) (229) قال المفسرون: لم يقل سبحانه: (ننجيك)
وإنما قال: (ننجيك ببدنك) ومعناه ننجي بدنك. وتنجيته ببدنه تدل على أن له أمرا آخر
وراء البدن، فقده بدنه بغشيان العذاب وهو النفس التي تسمى أيضا
____________
(225) الميزان: 357 / 17، ابن كثير: 430 / 2.
(226) سورة يونس، الآية: 91.
(227) الميزان: 118 / 10.
(228) سورة القصص، الآية: 8.
(229) سورة يونس، الآية: 92.
روحا، وهذه النفس المأخوذة هي التي يتوفاها الله ويأخذها حين موتها كما
قال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) (230)
وهذه النفس هي التي يخبر عنها الإنسان بقوله: (أنا) وهي التي بها تتحقق
للإنسان إنسانيته. وهي التي تدرك وتريد وتفعل الأفعال الإنسانية بواسطة
البدن، بما له من القوى والأعضاء المادية.
وليس للبدن إلا أنه آلة وأداة تعمل بها النفس أعمالها المادية، ولمكان الاتحاد الذي
بينها وبين البدن، يسمى باسمها البدن، وإلا فأسماء الأشخاص في الحقيقة لنفوسهم لا
لأبدانهم. وناهيك في ذلك التغير المستمر الذي يعرض البدن مدى الحياة، والتبدل
الطبيعي، الذي يطرأ عليه حينا بعد حين. حتى ربما تبدل البدن بجميع أجزائه إلى أجزاء
أخر تتركب بدنا آخر. فلو كان زيد مثلا هو البدن الذي ولدته أمه يوم ولدته، والاسم
له، لكان غيره وهو ذو سبعين وثمانين قطعا والاسم لغيره حتما، فهذه وأمثالها شواهد
قطعية على أن إنسانية الإنسان بنفسه دون بدنه. والأسماء للنفوس لا للأبدان، يدركها
الإنسان ويعرفها إجمالا، وإن كان ربما أنكرها في مقام التفصيل، وبالجملة فالآية
(اليوم ننجيك ببدنك) كالصريح أو هو صريح في أن النفوس وراء الأبدان، وأن الأسماء
للنفوس دون الأبدان. إلا ما يطلق على الأبدان بعناية الاتحاد. فمعنى (ننجيك ببدنك)
نخرج بدنك من اليم وننجيه. وهو نوع من تنجيتك. لما بين النفس والبدن من الاتحاد
القاضي بكون العمل الواقع على أحدهما واقعا بنحو على الآخر.. وهذا بوجه نظير قوله
تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) (231) فإن الذي يعاد إلى
الأرض هو جسد الإنسان دون الإنسان التام فليست نسبة الإعادة إلى الإنسان إلا لما
بين نفسه وبدنه من الاتحاد. وقد ذكر بعضهم أن مفاد قوله: (ننجيك) أن يكون فرعون
خارجا من اليم حيا، وقال البعض الآخر. إن المراد بالبدن الدرع وكان لفرعون درع من
ذهب يعرف به فأخرجه الله فوق الماء بدرعه، والحق أن هذا كله تكلف لا حاجة إليه. فلم
يقل: (ننجيك) وإنما قال (ننجيك ببدنك) ومعناه ننجي بدنك والباء للآلية أو السببية.
والعناية هي الاتحاد الذي بين النفس والبدن. وقال البعض:
____________
(230) سورة الزمر، الآية: 42.
(231) سورة طه، الآية: 55.
(ننجيك ببدنك) بمعنى نجعلك على نجوة من الأرض وهذا لا يفي بدفع الإشكال
من أصله. فإن الذي جعل على نجوة هو بدن فرعون على قولهم. وهو غير فرعون
قطعا وإلا كان حيا سالما. ولا مناص إلا أن يقال: إن ذلك بعناية الاتحاد
الذي بين الإنسان وبدنه، ولو صححت هذه العناية إطلاق اسم الإنسان على
بدنه من غير نفس، لكان لها أن تصحح نسبة التنجية إلى الإنسان من جهة
وقوع التنجية ببدنه. وخاصة مع وجود القرينة الدالة على أن المراد
بالتنجية هي التي للبدن، دون التي للإنسان المستتبع لحفظ حياته وسلامته
نفسا وبدنا والقرينة هي قوله: (ببدنك) (232).
* مشهد من حياة النار:
دفعت الأمواج بالبدن ليكون للأجيال عبرة وليعلموا أن الله تعالى هو القادر الذي
ناصية كل دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شئ (وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون)
أي لا يتعظون بها ولا يعتبرون (233) لقد ذهب فرعون وقومه،
بعد أن خطوا على جبين الرحلة البشرية خطوطا عديدة للانحراف، كانوا هم أئمتها
وفقهاؤها. ولقد حذر الله تعالى عباده من هذه الخطوط ومن هؤلاء الأدلة. قال تعالى:
(وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) (234) قال المفسرون الدعوة
إلى النار، هي الدعوة إلى ما يستوجب النار من الكفر والمعاصي، ومعنى جعلهم أئمة
يدعون إلى النار. تصييرهم سابقين يقتدي بهم اللاحقون وقال تعالى:
(وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة) (235) قال المفسرون: فهم
لكونهم أئمة يقتدي بهم من خلفهم في الكفر والمعاصي، لا يزال يتبعهم ضلال الكفر
والمعاصي من مقتديهم ومتبعيهم وعليهم من الأوزار مثل ما للمتبعين فيتبعهم لعن مستمر
باستمرار الكفر والمعاصي بعدهم، فالآية في معنى قوله تعالى: (وليحملن أثقالهم
وأثقالا مع أثقالهم) (236).
____________
(232) الميزان 190 / 10.
(233) ابن كثير: 431 / 2.
(234) سورة القصص، الآية: 41.
(235) سورة القصص، الآية: 42.
(236) سورة العنكبوت، الآية: 13.
وفرعون دليل القوم في الدنيا.. هو نفسه سيكون دليل أتباعه يوم القيامة
يقول تعالى: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود
* وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود)
(237) قال المفسرون:
يقدم قومه: فإنهم اتبعوا أمره. فكان إماما لهم من أئمة الضلال. (فأوردهم النار) أي
يقدمهم فيوردهم النار (وبئس الورد المورود) والورد هو الماء الذي يرده العطاش من
الحيوان والإنسان للشرب. والورود أصله قصد الماء، وقد يستعمل في غيره، وفي هذا
استعارة لطيفة، بتشبيه الغاية التي يقصدها الإنسان في الحياة لمساعيه المبذولة،
بالماء الذي يقصده العطشان، وسعادة الإنسان الأخيرة هي رضوان الله والجنة. لكن قوم
فرعون لما غووا باتباع أمر فرعون، وأخطأوا سبيل السعادة الحقيقية، تبدلت غايتهم إلى
النار، فكانت النار هي الورد الذي يردونه، وبئس الورد المورود، لأن الورد هو الذي
يجمد لهيب الصدر ويروي العطشان، فإذا تبدل إلى عذاب النار. فبئس الورد المورود
(وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) أي هم اتبعوا أمر فرعون.
فأتبعتهم لعنة من الله في هذه الدنيا، وإبعاد من رحمته وطرد من ساحة قربه، وبئس
الرفد رفدهم يوم القيامة، وهو النار التي يسجرون فيها (238).
والنار التي وعد الله بها فرعون ومن اتبعه يوم القيامة. لن تكون بعيدة عنهم قبل يوم
القيامة، فهم يعرضون عليها في عالم البرزخ جزاء لهم لما قدمته أيديهم وخطته على
جبين الرحلة البشرية. يقول تعالى: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها
غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب * وإذ يتحاجون في النار
فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار
* قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد) (239)
قال المفسرون: الآية صريحة أولا في أن هناك عرضا على النار، ثم إدخالا فيها،
والإدخال أشد من العرض. وثانيا في أن العرض على النار قبل قيام الساعة التي فيها
الإدخال وهو عذاب البرزخ - عالم متوسط بين
____________
(237) سورة هود، الآيتان: 98 - 99.
(238) الميزان: 382 / 10.
(239) سورة غافر، الآيات: 45 - 48.
الموت والبعث - وثالثا أن التعذيب في البرزخ ويوم تقوم الساعة بشئ
واحد، وهو نار الآخرة، لكن البرزخيين يعذبون بها من بعيد وأهل الآخرة
بدخولها.
والمعنى: وحاق بآل فرعون سوء العذاب إذ يتحاجون في النار، أو.. واذكر من سوء عذابهم
إذ يتحاجون في النار، فيقول الضعفاء منهم. للذين استكبروا. إنا كنا في الدنيا لكم
تبعا. وكان لازم ذلك أن تكفونا في الحوائج وتنصرونا في الشدائد ولا شدة أشد مما نحن
فيه. فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار. وإن لم يكن جميع عذابها فقد قنعنا بالبعض.
وهذا ظهور مما رسخ في نفوسهم في الدنيا من الالتجاء بكبريائهم ومتبوعيهم من دون
الله. يظهر منهم ذلك يوم القيامة. وهم يعلمون أنهم في يوم لا تغني فيه نفس عن نفس
شيئا، والأمر يومئذ لله. فيقول مستكبروهم: إن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل، فالأسباب
ساقطة عن التأثير، وقد طاحت منا ما كنا نتوهمه لأنفسنا في الدنيا من القوة والقدرة،
فحالنا وحالكم ونحن جميعا في النار واحدة، ولسنا نختص دونكم بقوة حتى نغني عنكم
شيئا من العذاب ومما قيل في الآية: إن الضمير في قوله: (يتحاجون) لمطلق الكفار من
أهل النار.. بعيد. والقول بأن الضمير لقريش أبعد (240).
لقد انتهت الرحلة بالنار، نار في عالم البرزخ ونار يوم القيامة، كما انتهت بلعن في
الدنيا، وفي الآخرة هم من المقبوحين. لقد انتهت الرحلة في الدنيا بالغرق وتدمير ما
يعرشون ويوم القيامة بئس الرفد المرفود. إن فرعون وقومه إنتاج حقيقي لعالم الانحراف
بجميع رموزه وأعلامه، لقد حملت الدولة الفرعونية شذوذ وانحراف قوم نوح وقوم عاد
وقوم ثمود وأهل مدين ففرعون إمام دولة له مجموعة عمل قادرة على التأثير، ولديه
الإمكانيات الهائلة التي يمكن أن ينفذ بها سياسته التي دق الكفر أوتادها على امتداد
زمن طويل، ولأن فرعون مدخل للصد عن سبيل الله ومدخل إلى النار أفاض القرآن في قصته
وحذر تعالى الإنسانية كلها من طرق وخطوط فرعون فقال تعالى: (فأخذه الله نكال الآخرة
والأولى * إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) (241) قال المفسرون: إن
في حديث موسى وقصته لعبرة لمن كان له خشية، وكان من غريزته أن يخشى الشقاء والعذاب
والإنسان من
____________
(240) الميزان: 336 / 17.
(241) سورة النازعات، الآية: 26.
غريزته ذلك. ففيه عبرة لمن كان إنسانا مستقيما على طريق الفطرة
(242) وقال تعالى: (فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين)
(243) جعلهم سلفا للآخرين لتقدمهم عليهم في دخول النار، وجعلهم
مثلا لهم لكونهم مما يعتبر به الآخرون لو اعتبروا واتعظوا، ففرعون
مجموعة من الجرائم ساعده قومه على ارتكابها، تحت شعار الحفاظ على سنة
الآباء، التي لا يستفيد منها سوى فرعون وطابور كهنته الذين يطبخون له
الفتوى التي يريد! لقد أجرى فرعون الدماء على جذوع النخل وفي البيوت
وفي القصور وجحد بآيات الله وكل ذلك من أجل حماية شذوذه وامتلك فرعون
الكثير، ولكن هيهات هيهات. لقد انهالت على السهل أعاصير الشتاء فدمرت
ما كانوا يعرشون، وقلب البحر الهائج سطحه، وهبط فرعون وقومه إلى الجحيم
ليصبحوا عبرة لأصحاب المداخل المسدودة الذين يدونون أوراق الفقه
الواحد، الذي يعبر عن وجهة نظر فرعونية.. قادرة على امتصاص جميع
الأهواء وصهرها في قالب ذهبي واحد!
____________
(242) الميزان: 189 / 20.
(243) سورة الزخرف، الآية: 56.
انحرافات بني إسرائيل
(وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم)
سورة البقرة، الآية: 88
* الحمار يحمل أسفارا
الطريق إلى المسيح الدجال
مقدمة:
أثناء حكم يوسف عليه السلام لمصر. جاء بنو إسرائيل وأقاموا فيها، وسار فيهم يوسف
بشريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، وأرسى قواعد التوحيد الذي لا
يعبد فيه إلا الله وحده لا شريك له في نفوسهم، وبعد رحيل يوسف عليه السلام هبت
عواصف الفراعنة تحمل الوثنية وتطرحها على أرض مصر من جديد (1).
ويرى هذا لدى قوله تعالى: (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاء
كم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف
مرتاب) (2) وعلى امتداد الثقافة الفرعونية تأثرت الروح
الإسرائيلية بالوثنية الفرعونية ومنها عبادة عجل أبيس الذي اعتقدوا أن روح الآلهة
تسكنه! وتحت الراية الفرعونية شرب بنو إسرائيل من وعاء المادية حتى أصبحت المادية
أصل أصيل داخل نفوسهم. وهذه المادية هي التي جعلتهم يحكمون في الله سبحانه بما
يعقلون من أوصاف الماديات، ورغم أن شعب بني إسرائيل أجرى حياته في ظل الفرعونية
وفيما بعد على المادة إلا أن عصبيتهم
____________
(1) تاريخ الجوع والخوف / تحت الطبع.
(2) سورة غافر، الآية: 34.
القومية كانت تحتفظ لهم بدين آبائهم بصورة من الصور. وعلى الرغم من أن
الكثرة منهم كانوا يجرون في حياتهم على أصالة الحس ولا يعنون بما وراء
الحس، إلا أن عصبيتهم القومية كانت تعتني بما وراء الحس اعتناء تشريفيا
من غير أصالة.
وعندما بعث موسى عليه السلام لم يؤمن به إلا القلة إيمانا حقيقيا، أما الكثرة
فكانوا يؤمنون به إيمانا قوميا عاموده الفقري إنجاز المصالح. وبعد خروج بني إسرائيل
من مصر إلى سيناء، بوأهم الله المبوأ الطيب الذي يوجد فيه جميع ما يطلبه الإنسان من
مسكن وهواء وماء. فسيناء صحراء جرداء لا شجر فيها ولا سكن والشمس فيها شديدة، ولكن
يطيب لهم المكان، ساق الله إليهم الغمام ليظلهم ويقيهم وهج الشمس، وأرسل لهم سبحانه
الرياح تحمل لهم المن والسلوى، وأمر سبحانه موسى أن يضرب بعصاه الحجر، فلما ضربه
انبجست منه اثنتا عشرة عينا من الماء، وبالجملة أصبحوا وهم مع رسول الله موسى عليه
السلام أحرارا يملكون أنفسهم ويعملون بكل حرية وكرامة ويعبدون إله الخلق. ولكن شعب
بني إسرائيل لم يشكر النعمة التي أنعمها الله عليه. فلقد كانت الكثرة إلى الكفر
أسبق. والناقضون لعهد الله فيهم أكثر، فبعد أن ملوا من العيش في سيناء، طلب القوم
من موسى عليه السلام سعة العيش، وقالوا له: لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك
يخرج لنا مما تنبت الأرض. فقال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم. فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ند خلها
حتى يخرجوا منها. فإن يخرجوا منها فإنا داخلون.
قال المفسرون: توقف في المراد ما هو أمصر فرعون أم مصر من الأمصار.
والحق أن المراد مصر من الأمصار (3) فموسى عليه السلام حينما
أراد الإنتقال بهم إلى إحدى المدن وإلى مصر من الأمصار من بلاد الشام امتنعوا عليه
(4)، وقالوا لا قدرة لنا على مقاومتهم وقتالهم فلما رغبهم بوعظه ونصائحه،
وببيان آياته التي أجراها الله على يديه، وعلموا منه الجد في لزوم دخول تلك البلاد،
وسكنى تلك الأرض المقدسة (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب
أنت
____________
(3) ابن كثير: 102 / 1.
(4) كتاب الأنباء: ص 322.
وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون * قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي
فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) (5). لقد
طالبهم رسولهم بالقتال، والإنسان ذو الفطرة النقية يحب الاستشهاد تحت
قيادة نبي الله ورسوله. ولكن القوم لم يرتفعوا إلى هذا الفهم نظرا
لأنهم لا يعنون بما وراء الحس إلا اعتناء تشريفيا من غير أصالة ولا
حقيقة، ومن أجل هذا قاموا بأعمال تثبت أنهم أكثر أمم الأرض لجاجا
وخصاما وأبعدهم عن الانقياد للحق، لأنهم يتمادون في الجهالة والضلالة
ولا يأبون عن أنواع الظلم وإن عظمت، وعن نقض المواثيق وإن غلظت.
والقرآن الكريم سجل لهم العديد من مواقف الكفر والجحود وبأنهم كفروا
النعمة وفرقوا الكلمة واختلفوا في الحق، ولم يكن اختلافهم عن عذر
الجهل، وإنما اختلفوا عن علم. وشعب بني إسرائيل لم يعبد كله العجل. ولا
كلهم عصوا الأنبياء ولا كلهم قتلوا الأنبياء إلى غير ذلك من معاصيهم،
وإنما نسبت المعاصي إلى الكل رغم أنها صادرة عن البعض، لكونهم جامعة
ذات قومية واحدة يرضى بعضهم بفعل بعض، وينسب فعل بعضهم إلى الآخرين.
لمكان الوحدة الموجودة فيهم، وكما رأينا قبل ذلك أن الذي عقر ناقة صالح
كان فردا واحدا ولكن الله تعالى نسب عملية العقر إلى ثمود كلها لأنهم
قومية واحدة يرضى بعضهم بفعل بعض.
* 1 - بصمات الانحراف على وجه شعب إسرائيل:
لقد فضل الله تعالى بني إسرائيل على العالمين، لأن فيهم أنبياء بني إسرائيل، فوجود
النبوة هو العمود الفقري للتفضيل وليس وجود الشعب، قال تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها
إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب
كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون
وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع
ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم
وهديناهم إلى صراط مستقيم * ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط
عنهم ما كانوا يعملون) (6) قال المفسرون:
____________
(5) سورة المائدة، الآيتان: 24 - 25.
(6) سورة الأنعام، الآيات: 83 - 88.
قوله: (وكلا فضلنا على العالمين) فالعالم هو الجماعة من الناس. كعالم
العرب وعالم العجم وعالم الروم. ومعنى تفضيلهم على العالمين، تقديمهم
بحسب المنزلة على عالمي زمانهم. لما أن الهداية الخاصة الإلهية أخذتهم
بلا واسطة. وأما غيرهم من الناس فإنما تشملهم رحمة الهداية بواسطتهم.
ويمكن أن يكون المراد. تفضيلهم بما أنهم طائفة مهدية بالهداية الفطرية
الإلهية من غير واسطة على جميع العالمين من الناس. سواء عاصروهم أو لم
يعاصروهم. فإن الهداية الإلهية من غير واسطة. نعمة يتقدم بها. تلبس بها
على من لم يتلبس.
وقد شملت المذكورين من الأنبياء ومن لحق بهم من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم.
فالمجتمع الحاصل من الأنبياء الملتف حولهم مفضل على غيرهم جميعا بتفضيل إلهي
(7).
فالذين حول دائرة النبوة، مهديون إلى صراط مستقيم وفي أمن إلهي من خطرات السير
وعثرات الطريق. أما الذين يسيرون على طريق يفرقون فيه بين رسل الله، فيؤمنون ببعض
ويكفرون ببعض، أو يفرقون فيه بين أحكام الله وشرائعه، فيؤخذ فيه ببعض ويترك بعض، أو
يركبون الطرق التي لا تضمن سعادة حياة المجتمع الإنساني، فهذه الطرق هي الطرق التي
لا مرضاة فيها لله سبحانه، لأن أصحابها انحرفوا عن دائرة الأنبياء التي هي شريعة
الفطرة إلى مهابط الضلال ومزالق الأهواء. فبني إسرائيل فضلهم الله على العالمين
لأنهم الأرضية لأنبياء بني إسرائيل. فبدون الأنبياء ما ذكر اسم بني إسرائيل. وبني
إسرائيل بدون الدين الحق. لا قيمة لهم ولا وزن. ولذا نرى أنهم عندما طالبوا موسى
بأن يجعل لهم آلهة من دون الله، ردهم عليه السلام إلى دائرة التفضيل التي لا تستند
إلا على الدين الحق. يقول تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون
على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن
هؤلاء متبر ما هم فيه وبطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم
على العالمين * وإذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب....)
(8) الآية قال المفسرون: كانت نفوسهم قد تأثرت بالعبادات
____________
(7): الميزان: 243 / 7.
(8) سورة الأعراف، الآيات: 138 - 141.
المصرية. لذلك كانوا يتصورون أن الله سبحانه جسم من الأجسام! وكلما كان
موسى عليه السلام يقرب لهم الحق من أذهانهم حولوه إلى أشكال وتماثيل..
لهذه العلة لما شاهدوا في مسيرهم قوما يعكفون على أصنام لهم استحسنوا مثل ذلك
لأنفسهم، فسألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة يعكفون عليها!
فقال: كيف ألتمس لكم ربا مصنوعا وهو غير الله ربكم، وإذا كان غيره فعبادته متبرة
باطلة. فقالوا: فكيف نعبده ولا نراه. ولا سبيل لنا إلى ما لا نشاهده - كما يقول
عبدة الأصنام - فقال: اعبدوه بما تعرفونه من صفته. فإنه فضلكم جملي سائر الأمم
بآياته الباهرة ودينه الحق. وإنجائكم من فرعون وعمله.
فكما ترى. دفعهم موسى عليه السلام بألطف بيان وأوجز برهان يجلي عن الحق الصريح
للأذهان الضعيفة التعقل (9) لقد ردهم عليه السلام إليه بصفته
رسول الله الذي على يديه شاهدوا المعجزات وبصفته أعلم الناس بدين الله الحق لأن
الله فضله على العالمين، وبردهم إليه أد خلهم في دائرة التفضيل. وهم داخل هذه
الدائرة ما داموا في ظلال الأنبياء. فإذا كذبوا الأنبياء أو قتلوهم، فلا مكان لهم
على الصراط المستقيم ولو رفعوا آلاف الرايات التي تحمل في ظاهرها رموز الصراط
المستقيم، وبني إسرائيل تاجروا بالاسم على امتداد فترة طويلة من تاريخهم، وذلك بعد
أن قفزوا بعيدا خارج دائرة الأنبياء. لقد تمردوا على موسى وهارون عليهما السلام.
يقول تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله
إليكم) (10) قال المفسرون: أي لم توصلون الأذى إلي وأنتم
تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة (11) ولم يقف الأمر
عند موسى، بل تمردوا على جميع أنبياء الشجرة الإسرائيلية، حتى لعنهم داوود وعيسى
ابن مريم عليهم السلام. يقول تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان
داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
لبئس ما كانوا يفعلون) (12) قال المفسرون: إخبار
____________
(9) الميزان: 235 / 8.
(10) سورة الصف، الآية: 5.
(11) ابن كثير: 359 / 4. (12) سورة المائدة، الآيات: 78 - 79.
بأن الكافرين منهم ملعونون بلسان أنبيائهم، وفيه تعريض لهؤلاء الذين
كفرهم الله في هذه الآيات. بأنهم ملعونين بدعوة أنبيائهم أنفسهم. وذلك
بسبب عصيانهم لأنبيائهم واستمرارهم على الاعتداء.
لقد قطع بنو إسرائيل شوطا طويلا في عالم الانحراف. فحرفوا الكلم عن مواضعه. وكفروا
بآيات الله. وقتلوا الأنبياء بغير حق. وقالوا قلوبنا غلف. وبعد هذا يقولون. إن الله
فضلهم على العالمين! إن الشذوذ الذي دق قوم نوح أوتاده انتهى آخر الأمر إلى سلة بني
إسرائيل! بمعنى أن الانحراف الذي وضعه قوم نوح، ضرب الله أصحابه بالغرق ليكونوا
عبرة لمن يأتي بعدهم.. أما الانحراف نفسه فإن طرحه على الأجيال في كل زمان، مهمة
شيطانية.. فالشيطان يلتقط الانحراف بعد التجربة الإنسانية الأولى. ثم يزينه بما
يستقيم مع جيل آخر. وبعد انتهاء الجيل يقوم بتعديل الانحراف بعد التجربة الإنسانية
الثانية. ليلقيه على جيل ثالث. وهكذا. فمن كان له عبرة في السلف وتذكر ضربات
الطوفان والرياح والصيحة وغير ذلك.. ابتعد بفطرته النقية عن مصادر الشذوذ الملون
والانحراف المغلف بأغلفة براقة! أما الذين تربعت عبادة العجول على عقولهم، فإن في
سلالهم تتجمع جميع الانحرافات ابتداء من قابيل قاتل أخيه وانتهاء بآخر انحراف وآخر
شذوذ. وبنو إسرائيل استحوذوا على جميع الانحرافات ثم قاموا بنشرها على صفحة العالم
للصد عن سبيل الله، معتمدين في ذلك على أديان اخترقوها وقاموا بتوجيهها نحو أهدافهم
وأيضا على منظمات وجمعيات تحمل لافتات براقة ظاهرها الرحمة والعدل وباطنها العذاب
الأليم. ونحن سنوجز هنا انحرافات الأوائل التي استقرت في السلال الإسرائيلية بعد أن
قام تلاميذ الشيطان بتحويرها وتهذيبها وتجميلها حتى استقرت في الصورة الأخيرة.
1 - بصمة انحراف قوم نوح:
كما ذكرنا من قبل أن قوم نوح عبدوا الأصنام، ورفضوا بشرية الرسول، وأطاحوا بسنة
العدل الاجتماعي فقسموا البشر إلى أقوياء وضعفاء، فالأقوياء هم الأشراف. والضعفاء
هم الأراذل، وبنو إسرائيل لم يخرجوا قيد أنملة عن هذا، لقد عبدوا العجل واتبعوا
الأهواء، وسنتكلم عن هذا في موضعه، أما رفضهم للرسول البشر.. فلقد رفعوا هذه
اللافتة في وجه نبي الله الخاتم محمد صلى الله
عليه وآله وسلم. يقول تعالى: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من
السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم
الصاعقة بظلمهم) (13) قال المفسرون: أهل الكتاب
هم اليهود والنصارى، وعليه فالسائل هو الطائفتان جميعا دون اليهود
فحسب. والطائفتين ترجعان إلى أصل واحد. وهو شعب إسرائيل، بعث إليهم
موسى وعيسى عليهما السلام، ودعوة عيسى انتشرت بعد رفعه في غير بني
إسرائيل، وما قوم عيسى بأقل ظلما لعيسى من اليهود لموسى عليه السلام
(14). لقد سألوا رسول الله أن ينزل عليهم كتابا من السماء مكتوب
من الله إلى فلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به (15).
وهذا السؤال بعد ما كانوا يشاهدونه من أمر القرآن. لم يكن إلا سؤالا
جزافيا لا يصدر إلا ممن لا يخضع للحق ولا ينقاد للحقيقة، وإنما يلغو
ويهذو بما قدمت له أيدي الأهواء. من غير أن يتقيد بقيد أو يثبت على
أساس (16).
ولم يطلبوا خطاب السماء فقط. وإنما طالبوا أيضا بآية على الأرض يقول تعالى: (الذين
قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاء
كم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين * فإن كذبوك فقد
كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير) (17)
قال المفسرون: كذب الله تعالى هؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم أن لا
يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار. وأخبر على لسان رسوله. بأنه قد جاءهم
رسل من قبل محمد بالحجج والبراهين وبنار تأكل القرابين. فلماذا قابلوهم بالتكذيب
والمخالفة والمعاندة وقتلوهم. أمثال زكريا ويحيى من أنبياء بني إسرائيل المقتولين
بأيديهم. ثم أخبر الله تعالى رسوله بأن لا يوهنه تكذيب هؤلاء له. فله أسوة بمن قبله
من الرسل الذين كذبوا مع ما جاؤوا به من البينات.
____________
(13) سورة النساء، الآية: 153.
(14) الميزان: 129 / 5.
(15) ابن كثير: 572 / 1.
(16) الميزان 130 / 5.
(17) سورة آل عمران، الآيتان: 183 - 184.
وبنو إسرائيل الذين يرفعون لافتة التفضيل على العالمين. قالوا لمحمد
رسول الله قاله فرعون لموسى عليه السلام لقد وصف فرعون آيات موسى
بالسحر. وبنو إسرائيل لم يفعلوا أكثر من هذا. يقول تعالى: (وإذ قال
عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي
من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات
قالوا هذا سحر مبين) (18) قال المفسرون: ملخص
دعوة عيسى عليه السلام (أني رسول الله إليكم) أشار بهذا إلى أنه لا شأن
له إلا أنه حامل رسالة من الله إليهم، ثم بين متن ما أرسل إليهم لأجل
تبليغه في رسالته بقوله. (مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا
برسول...) فقوله: (مصدقا لما بين يدي من التوراة) بيان أن دعوته لا
تغاير دين التوراة. ولا تناقض شريعتها بل تصدقها، ولم تنسخ من أحكامها
إلا يسيرا. والنسخ بيان انتهاء أمر الحكم وليس بإبطال. ولذا جمع عليه
السلام بين تصديق التوراة ونسخ بعض أحكامها في قوله: (ومصدقا لما بين
يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) (19)
ولم يبين لهم إلا بعض ما يختلفون فيه كما في قوله. (قد جئتكم بالحكمة
ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون)
(20).
وقوله: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) إشارة إلى الشطر الثاني من رسالته
عليه السلام. وقد أشار إلى الشطر الأول بقوله: (مصدقا لما بين يدي من التوراة) ومن
المعلوم أن البشرى هي الخبر الذي يسر المبشر ويفرحه، ولا يكون إلا بشئ من الخير
يوافيه ويعود إليه، والخير المترقب من بعثة النبي ودعوته. هو انفتاح باب الرحمة
الإلهية على الناس، فيه سعادة دنياهم وعقباهم، من عقيدة حقة أو عمل صالح أو
كليهما... فماذا فعل بنو إسرائيل في الرسول الذي بعثه الله ليحل لهم بعض الذي حرم
عليهم وبين لهم بعض ما يختلفون فيه؟ وماذا كان موقفهم من النبي أحمد صلى الله عليه
وآله الذي بشر به عيسى والذي يجدونه مكتوبا عند هم في التوراة والإنجيل؟ لقد كان
موقفهم من
____________
(18) سورة الصف، الآية: 6.
(19) سورة آل عمران، الآية 50.
(20) سورة الزخرف، الآية: 63.
عيسى أنهم كذبوه. وحاصروه. فرفعه الله إليه. أما موقفهم من أحمد صلى
الله عليه وآله فكان هو نفس موقف فرعون من موسى (قالوا هذا سحر مبين).
أليس في هذا بصمات كفار قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم فرعون، لقد رفضوا
بشرية الرسول بما يستقيم مع أهوائهم. فطالبوا بكتاب من السماء وقربان تأكله النار
وعندما شاهدوا المعجزة أمام عيونهم بعد ما شاهدوا معالمها على صفحات كتبهم قالوا:
هذا سحر مبين. وبعد أن رفضوا القمة على امتداد عصورهم، بدأوا يرفضون القاعدة وفقا
لفقه كفار قوم نوح الذين صنفوا البشرية إلى قسمين. أشراف وأراذل! فهذا الفقه سار
بشذوذه على امتداد المسيرة البشرية، واستقر في النهاية داخل سلة بني إسرائيل،
فادعوا أنهم شعب الله المختار! وأنهم أولياء الله وأحباؤه، وباقي البشر بالنسبة لهم
مجرد حيوانات آدمية تكد من أجلهم، وتحمل على ظهورها أحجار هيكلهم، ولقد أطاح القرآن
الكريم بتصنيفهم للبشر، وتحداهم بأن يتمنوا الموت أمام رسول الله الخاتم محمد صلى
الله عليه وسلم. قال تعالى: (قل يا أيها الذين لا هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله
من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم
والله عليم بالظالمين) (21) قال المفسرون: ومحصل المعنى. قل
لليهود مخاطبا لهم. يا أيها الذين تهودوا، إن كنتم اعتقدتم أنكم أولياء لله من دون
الناس، إن كنتم صادقين في دعواكم. فتمنوا الموت، لأن الولي يحب لقاء وليه، ومن أيقن
أنه ولي لله وجبت له الجنة، ولا حاجب بينه وبينها إلا الموت، وعلى هذا فهو يحب
الموت ويتمنى أن يحل به، ليدخل دار الكرامة، ويتخلص من هذه الحياة الدنية التي ما
فيها إلا الهم والغم والمحنة والمصيبة. وقد علل سبحانه عدم تمنيهم الموت بما قدمت
أيديهم، وهو كناية عن الظلم والفسوق، ومعنى الآية (ولا يتمنونه أبدأ) أي ولا يتمنون
الموت أبدا بسبب ما قدمته أيديهم من الظلم، فكانوا ظالمين والله عليم بالظالمين،
يعلم أنهم لا يحبون لقاءه لأنهم أعداؤه، لا ولاية بينه وبينهم ولا محبة، والآيتان
مع معنى قوله تعالى: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس
فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدأ بما قدمت أيديهم والله عليم
بالظالمين * (22) إن ادعاء
____________
(21) سورة الجمعة، الآية: 6 - 7.
(22) سورة البقرة، الآيتان: 94 - 95.
الولاية تطوير لأطروحة الأشراف والأراذل.. تلك الأطروحة التي مرت
بتجارب عديدة داخل المعامل الشيطانية حق طالت الكبير والصغير، داخل
البيت الواحد والشارع الواحد والقرية الواحدة. لقد رفع الأشراف أعلا
مهم، وما زالوا يسخرون من الأراذل الذين يجمعون الألواح والدسر. إن
ادعاء بني إسرائيل هذا كان مظلة كبرى قاست البشرية من تحتها جرائم لا
حصر لها، وحتما سيأتي الطوفان يوما، وليس كل طوفان من ماء. وليس كل
سفينة من ألواح ودسر.
2 - بصمة انحراف قوم عاد.
استكبرت عاد قوم هود، ودقت في خيام الانحراف وتد وثقافة (من أشد منا قوة؟)، وهذا
الشذوذ ناله التطوير على امتداد المسيرة البشرية، فتلاميذ الشيطان، وفروا لكل منحرف
جرعته! أما فيما يتعلق ببني إسرائيل. فلقد امتلأت سلالهم بالذهب وبالمكائد،
بالترغيب والترهيب، بالتجويع والتخويف. والقرآن عندما سجل لهم انبهارهم بما عندهم
وضعهم في موضع الخزي، فعاد عندما قالوا من أشد منا قوة؟ لم يشيروا إلى الله سبحانه
صراحة.
لهذا قال تعالى: (أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة...)
(23)
أما بنو إسرائيل فلقد طرحوا الفقه بعد تطويره وقالوا إن الله فقير!! وإن يده مغلولة!!!
أما هم فأغنياء. يقول تعالى: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما
قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) (24) قال المفسرون:
إنهم إنما تكلموا بهذه الكلمة الأثيمة في شئ من أمر الرزق. إما في خصوص المؤمنين،
لما في عامتهم من الفقر الشامل والعسرة وضيق المعيشة، وأنهم إنما قالوا هذا القول
استهزاء بالله سبحانه، إيماء إلى أنه لا يقدر على إغناء عباده المؤمنين به وإنجائهم
من الفقر، وإما أنهم إنما تفوهوا بذلك لما سمعوا أمثال قوله تعالى: (من ذا الذي
يقرض الله قرضا حسنا) (25) فقالوا: يد الله مغلولة لا يقدر
على تحصيل ما ينفق في حوائجه. لترويج دينه وإحياء دعوته، وقد رد الله عز
____________
(23) سورة فصلت، الآية: 15.
(24) سورة المائدة، الآية: 64.
(25) سورة البقرة، الآية: 245.
وجل عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه
(26). ولعنهم. ولعنة الله تعالى لأحد.. إنما هو تعذيبه بعذاب
إما دنيوي أو أخروي. فاللعن هو العذاب المساوي لغل أيديهم أو الأعم منه
ومن غيره (27).
وفي موضع آخر يقول تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء
سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذب الحريق)
(28) قال المفسرون: القائلون هم اليهود، بقرينة ما في ذيل الآية من قتلهم
الأنبياء وغير ذلك، بأنهم قالوا ذلك لما رأوا فقر عامة المؤمنين وفاقتهم، فقالوا
ذلك تعريضا بأن ربهم لو كان غنيا لغار لهم وأغناهم. فليس إلا فقير ونحن أغنياء!!!
وقد رد الله عز وجل عليهم ما قابلوه. وأخبر سبحانه أن قولهم هذا ومعاملتهم رسل الله.
وقد قارن الله قولهم هذا بقتل الأنبياء: لكونه قولا عظيما.
سيجزيهم الله عليه شر الجزاء.
لقد تمدد فقه عاد آخر الزمان وجاب البحار وحلق في الفضاء وجلس على مقاعد الصفوف
الأولى في المحافل الدولية! وتسلل من تحت الأظافر ليتجسس على الناس ويحصي الكلمات
حتى في السكون! وجميع ذلك في الظاهر من أجل حقوق الإنسان. أما في الباطن فمن أجل
إنسان واحد، يعتقد بأن الله فضله على العالمين وأنه شعب الله المختار، بدون قيد أو
شرط -. إنه فقه القوة وبناء الأعمدة والجدران! إنه فقه الغطرسة والاستكبار، وما عاد
من الظالمين ببعيد!
3 - بصمة انحراف ثمود:
لقد عقرت ثمود الناقة التي جعلها الله آية لصالح عليه السلام، وإذا كان عقر الحقائق
قد شق طريقه وسط المسيرة البشرية، بواسطة تلاميذ الشيطان. فإن فقه العقر عندما وصل
إلى سلة بني إسرائيل كان قد ذهب مذهبا بعيدا. فالقوم تخصصوا في قتل الأنبياء. يقول
تعالى: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا
تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون) (29)
____________
(26) ابن كثير: 75 / 2.
(27) الميزان: 33 / 6.
(28) سورة آل عمران، الآية 181.
(29) سورة المائدة، الآية: 70.
   |