الصفحة 306
بحار الفتن التي أدلى فيها سلفهم كل واحد منهم بدلوه المحمل بالشذوذ والانحراف. ولكن أصحاب الأيدي الخفية أولئك الذين يعملون من قديم من أجل تأصيل الشذوذ عملوا بكل جهد من أجل أن تسير مسيرة الفساد في اتجاه الدجال. ولأن الإسلام لا يكره أحد على اتباعه. تركهم الله في طريقهم. وختم على قلوبهم بعد أن مهدوا لأنفسهم ودخلوا بأقدامهم تحت عذاب الطمس.

(رابعا) عذاب الطمس:

إن الإنسان سيد أعماله. وبداية الضلال من الإنسان نفسه. فليس للشيطان أية سلطة على الناس. ولا يتمكن من إكراه الناس على المعصية. إن الشيطان يزن الأعمال فقط. ويدعوا الناس إلى الضلال فقط. وعندما يلبي الإنسان الدعوة. يضله الله عقابا لسوء اختياره. ومعنى إضلال الله للعبد، أن الله يقطع رحمته منه فينحرف باختياره. بني إسرائيل شهدوا أكثر من آية مع أنبيائهم. ووضعهم الله تحت ضربات الغزاة كي يتوبوا ويستغفروا. لكنهم وهم في سبي الغزاة حرفوا التوراة وشكلوا جهازا دينيا يسهر على مصالح المسيح الدجال. وواصلوا الانحراف حتى إنهم أحكموا القبضة على الأنبياء فقتلوهم.

وأحكموا القبضة على دعوة عيسى بعد أن رفعه الله. فربطوها بالتوراة والتوراة لا تعلم عنها شيئا. وظلت القافة تسارع بالفساد في الأرض باختيارها حتى جاءهم الإنذار الإلهي القاصم. قال تعالى:

(يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا) (141) قال المفسرون: روي أن هناك من أسلم عندما سمع هذه الآية.

وقال: " يا رب أسلمت " مخافة أن تصيبه هذه الآية. وقيل في طمس الوجوه الكثير. فمن قائل: طمسها أن تعمى. ومن قائل: جعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى. وقيل: ترد على أدبارها أي تمنع عن الحق (142) وقال صاحب الميزان: تعرضت الآية لليهود أو طائفة منهم. فإنهم بإزاء ما خانوا الله

____________

(141) سورة النساء، الآية: 47.

(142) ابن كثير: 505 / 1.

الصفحة 307
ورسوله وأفسدوا صالح دينهم. ابتلوا بلعن من الله لحق جمعهم وسلبهم التوفيق الإيمان إلا قليلا. فعم الخطاب لجميع أهل الكتاب على ما يفيد قوله: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب) ودعاهم الله إلى الإيمان بالكتاب الذي نزله مصدقا لما معهم. وأوعدهم بالسخط الذي يلحقهم. لو تمردوا واستكبروا. من طمس أو لعن يتبعانهم اتباعا لا ريب فيه. وطمس الوجوه. محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدهم الحيوية. مما فيه سعادة الإنسان المرتقبة والمرجوة. وهذا المحو ليس هو الذي يوجب فناء الوجوه وزوالها. بل محو يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها. فإذا كانت الوجوه تقتصد مقاصدها على الفطرة التي فطر الله الناس عليها. فإن كانت الوجوه المطموسة لا تقصد إلا خلفته وراءها ولا تمشي إليه إلا القهقرى. وهذا الإنسان الذي يسير في غير اتجاه الفطرة. كلما توجه إلى ما يراه خيرا لنفسه وصلاحا لدينه أو لدنياه. لم ينل إلا شرا وفسادا. وكلما بالغ في التقدم زاد في التأخر وليس يفلح أبدا (143).

أما قوله تعالى: (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت) فآيات أصحاب السبت هي التي تخبر عن مسخهم قردة وقد ألقينا عليهم بعض الضوء عند حديثنا عن القرية التي أصبحت أمام أمر الله ثلاث فرق. وقال المفسرون: " أو " في قوله: (أو نلعنهم) على ظاهرها من إفادة الترديد. والفرق بين عيدين:

أن الأول الذي هو الطمس، يوجب تغيير مقاصد المغضوب عليهم من غير تغيير الخلقة إلا في بعض كيفياتها. والثاني الذي هو اللعن كلعن أصحاب السبت.

يوجب تغيير المقصد. بغيير الخلقة الإنسانية إلى خلقة حيوانية كالقردة. فهؤلاء إن تمردوا عن امتثال ولم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان لهم إحدى سخطتين: إما طمس الوجوه. وإما اللعن. ولكن الآية تدل على أن السخطة لا تعمهم جميعا حيث قال تعالى: (وجوها) فأتى بالجمع المنكر.

ولو كان المراد الجميع لم ينكر. ولتنكير الوجوه وعدم تعيينها نكتة هي أن المقام لما كان مقام الإبعاد والتهديد، وهو إبعاد للجماعة بشر، لا يلحق إلا ببعضهم.

كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإلهي أوقع في الإنذار والتخويف،

____________

(143) الميزان: 367 / 4.

الصفحة 308
لأن وصفهم على إبهامه، يقبل الانطباق على كل واحد من القوم، فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب. وفي قوله تعالى: (أو نلعنهم) حيث أرجع فيه ضمير (هم) الموضوع الأولي العقل إلى قوله: (وجوها) كما هو الظاهر تلويحا أو تصريحا. بأن المراد بالوجوه. الأشخاص من حيث استقبالهم مقاصدهم وبذلك يضعف احتمال أن يكون المراد بطمس الوجوه وودها على أدبار تحويل وجوه الأبدان إلى الأقفية كما قال به البعض ويقوي ذلك احتمال أن المراد من تحويل الوجوه إلى الأدبار تحويل النفوس من حال استقامة الفكر وإدراك الواقعيات على واقعيتها إلى حال الاعوجاج والانحطاط الفكري. بحيث لا يشاهد حقا إلا أعراض عنه واشمأز منه ولا باطلا إلا مال إليه وتولع به. هذا نوع من التصرف الإلهي. مقتا ونقمة. نظير ما يدل عليه قوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لو يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) (144).

فتبين مما مر أن المراد بطمس الوجوه في الآية نوع تصرف إلهي في النفوس، يوجب تغيير طباعها من مطاوعة الحق وتجنب الباطل، إلى اتباع الباطل والاحتراز عن الحق في باب الإيمان بالله وآياته كما يؤيده صدر الآية: (آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم..).. ومن الممكن أن يقال: إن المراد به تقليب أفئدتهم، وطمس وجوه باطنهم من الحق إلى نحو الباطل فلا يفلحون بالإيمان بالله وآياته. ثم إن الدين الحق. لما كان هو الصراط المستقيم. الذي لا ينجح إنسان في سعادة حياته الدنيا إلا بركوبه والاستواء عليه. وليس للناكب عنه إلا الوقوع في كانون الفساد. والسقوط في مهابط الهلاك، كما قال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا) (145) وقال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم) (146) ولازم هذه الحقيقة، أن طمس الوجوه

____________

(144) سورة الأنعام، الآية: 110.

(145) سورة الروم، الآية: 41.

(146) سورة الأعراف، الآية: 96.

الصفحة 309
عن المعارف الحقة الدينية، طمس لها عن حقائق سعادة الحياة الدنيا بجميع أقسامها، فالمحروم من سعادة الدين، محروم من سعادة الدنيا. من استقرار الحال وتمهد الأمن وكل ما يطيب به العيش.

وآية الطمس ختمها الله بقوله: (وكان أمر الله مفعولا) أي أن الأمر لا محالة واقع (147) فأمره سبحانه لا يخالف ولا يمانع (148).

باختصار عالم الطمس هو سير القطار بلا رجعة والله غني عن العالمين، وفي عالم الطمس لن يفلحوا أبدا حتى ولو رفعوا أعلامهم على القمر وعلى جميع صناديق النقد الدولية. عالم الطمس كلما ازداد أصحابه تقدما تأخروا لأنهم يسيرون عكس اتجاه الفطرة ونحو المسيح الدجال، وتحت أقدامه يقفون يشكون الفقر والحاجة فيغذي أهواءهم. إن مربع الشمس يعيش داخل مربع الضلالة.

فالضلالة هي التي تغذي قافلة الطمس. ومن كان غذاؤه من الضلالة فلا أمل في شفائه (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) (149) قال المفسرون:

من كان في الضلالة، تدل على استمرارهم في الضلالة، لا مجرد تحقيق ضلالة ما بذلك يتم التهديد بمجازاتهم بالإمداد بما منه ضلالته، كالزخارف الدنيوية.

فينصرف عن الحق حتى يأتيه أمر الله من عذاب أو ساعة فيظهر له الحق عند ذلك. ولن ينتفع به. قال تعالى: (حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا) (150) وهذا دليل على أن هذا المد خذلان في صورة إكرام. والمراد به أن ينصرف عن الحق بالاشتغال بزهرة الحياة. فلا يظهر له الحق إلا في وقت لا ينتفع به. كما قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده) (151) وقال:

(يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت

____________

(147) الميزان: 370 / 4.

(148) ابن كثير 208 / 1.

(149) سورة مريم، الآية: 75.

(150) سورة مريم، الآية: 75.

(151) سورة غافر، الآية: 85.

الصفحة 310
في إيمانها خيرا) (152).

(خامسا): الخلاصة:

إن الذين يعبدون أصناما من دون الله ويسيرون وراء أهوائهم في الحقيقة يدعون الشيطان العاري من كل خير، ويسيرون في اتجاه طاعة، لأن الشيطان أخذ على عاتقه أن يظلهم بالاشتغال بعبادة غير الله. واقتراف المعاصي وأن يغرينهم بالاشتغال بالآمال والأماني التي تصرفهم عن الاشتغال بواجب شأنهم.

وما يهمهم من أمرهم. وأن يأمرهم بتحريم ما أحل الله وتغيير خلقه مثل الإخصاء واللواط والسحاق والخروج عن حكم الفطرة وترك الدين الحنيف. والظالمين من أهل الكتاب اشتغلوا بهذا كله. لقد اشتغلوا بآمال وأماني أرض المعاد.

وجعلوا هذه الآمال عامودا فقريا لحركتهم. ولأنهم بظلمهم اتبعوا الأهواء وأعرضوا عن التعقل الصيح أضلهم الله، ولم يأذن سبحانه لناصر ينصرهم بالهداية ولا منقذ ينقذهم من الضلال، فأي خسران أبين من خسران من يبدل السعادة الحقيقة وكمال الخلقة بالمواعيد الكاذبة والأماني الموهومة (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا) (153).

إن قافلة بني إسرائيل التي بدأت مع موسى عليه السلام على أرض مصر.

اضطهدت في سبيل الله (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) * (154) قال المفسرون: كأنه يقول: ما أمرتكم به أن اتقوا الله في سبيل مقصدكم. كلمة حية ثابتة، فإن عملتم بها، كان المرجو أن يهلك الله عدوكم ويستخلفكم في الأرض بإيراثكم إياها. ولا يصطفيكم بالاستخلاف اصطفاء جزافا. ولا يكرمكم إكراما مطلقا من غير شرط ولا قيد. بل ليمتحنكم بهذا الملك. ويبتليكم بهذا التسليط والاستخلاف. فينظر كيف تعملون (155).

____________

(152) سورة الأنعام، الآية: 158.

(153) سورة النساء، الآية: 119.

(154) سورة الأعراف، الآيتان: 128 - 129.

(155) الميزان: 225 / 8.

الصفحة 311
وانطلقت المسيرة الإسرائيلية تحمل الهدى للعالمين. وبينما هي تسير ظهر أصحاب العجل والبقرة. وأصحب الكنوز وصاحب النبأ. وطابور النفاق الطويل وصناع الأهواء والأصنام. ولم يكن في ذاكرة هؤلاء قول موسى: (فينظر كيف تعملون) وتطورت مسيرة الانحراف لتنتج في النهاية كتبا وإن كانت لا تخلو من حق إلا أنها في خطوطها العرضية لا تحمل إلا ملامح سماوية باهتة وهذه الكتب وقف وراءها فقهاء السوء يدعون الناس لطريق الطمس، حيث علوم فقه التحقير الذي وضعه قوم نوح وعلى طريقه استؤصلوا، وعلوم فقه الغطرسة الذي وضعته عاد وعلى طريقه جاءتهم الرياح، وعلوم فقه الجحود الذي وضعته ثمود وعلى سبيله جاءتهم الصيحة، وعلوم فقه اللواط الذي وضعه قوم لوط وعلى طريقه ضربتهم حجارة من سجيل منضود، وعلوم فقه اللصوصية الذي دونه أهل مدين وأصحاب الأيكة وعلى طريقه ضربتهم الصيحة، وجاءتهم الظلة. لقد عمل فقهاء الانحراف داخل الحي الإسرائيلي من أجل تغليب الشذوذ ورفع رايات الأهواء على امتداد طريق الانحراف، وتم توفير القنابل الذرية لحماية هذا الطريق.

ولكن نهاية الطريق قد أخبرنا الله عنها (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) (156) " مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وأن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون * إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " (157).

____________

(156) سورة النور، الآية: 39.

(157) سورة العنكبوت، الآيات: 41 - 43.

الصفحة 312

الصفحة 313

النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم

(قل يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعا)

سورة الأعراف، الآية: 158


الصفحة 314

الصفحة 315

* النبي الخاتم صلى الله عليه وآله والقافلة البشرية

{ الحجة البالغة }

مقدمة:

قبل البعثة المحمدية، كانت القافلة البشرية تعيش أحط أدوارها، فالقرن السادس الميلادي كان قد طفح بعرق الإنحراف ووصف بأنه كان من أشد القرون ظلاما. حيث ادعى الجبابرة في رقع كثيرة من العالم الحق الإلهي وعلى هذا ملأوا العالم ظلماء وخرجوا يبحثون بمخالبهم وأنيابهم عن فريسة من نبي الإنسان ليقتلوه أو يسبوه خلال حروبهم. التي أشعلوها من أجل مزيد من الشهوات والأهواء. قبل البعثة خرج أصحاب بيوت العنكبوت التي ليس لها من آثار البيت إلا اسمه بعد أن وجدوا أن البيت لا يدفع حرا ولا بردا ولا يقي من مكروه! خرجوا ليبحثوا عن بيوت أخرى وكلما انتهوا إلى بيت وجروه كبيوتهم!

وهكذا دارت جحافل الظلام في حلقة مفرغة. من بيت سوء! ومن أولياء ليس لهم من الولاية إلا الاسم فقط لا ينفعون ولا يضرون ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا. إلى أولياء لم يتخصصوا إلا في بناء بيوت كبيوت العنكبوت!

كانت الوثنية قد رفعت أعلامها على بلاد الروم واليونان والهند والفرس ومصر وسوريا وغير ذلك من البلاد. وتحت ظل الوثنية أطيح بسنة العدل الإجتماعي، وأنت الفطرة تحت أحمال غليظة، وقام فقهاء الانحراف بتقديم ثقافة تفقد الإنسان رشده وقوة تمييزه بين الخير والشر. فلم يعرف في عالمهم

الصفحة 316
الحسن من القبيح. وكيف يعرف من ألقى مقياس المعرفة الفطرية وراء ظهره وانطلق مسرعا إلى عالم الضلال الذي لا يفلج من سار على طريقه أبدا. فتحت رايات الوثنية في الإمبراطورية الرومانية الشرقية. كان الإنسان أرخص شيئا على أرضها. كانوا يدفعون بالرقيق إلى حلبات المصارعة كي يصارع إنسان مثله حتى الموت أو يصارع السباع! وكل هذا من أجل أن يدخلوا السرور على شريف من أشرف القوم بع عناء يوم عمل. كانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجون والترف. والمؤامرات والمجاملات الزائدة والقبائح والعادات السيئة. كان هم الجميع هو اكتساب المال من أي وجه. فهناك من احترف قطع الطرق لسرقة الأفراد وهناك من احترف قطع الطرق لسرقة الشعوب. أما أوروبا فكانت تعيش في ظلام الجهل والأمية والحروب الدامية وكانت بعيدة عن قافلة الحضارة التي شيدها الناس من حولهم. كان لا شأن للعالم بها ولا شأن لها بالعلم. وكانت أجسامهم قذرة ورؤوسهم مملوءة بالأوهام. وكان الرهبان هناك يبحثون في أن المرأة حيوان أم إنسان؟ ولها روح خالدة أم ليس لها روح خالدة. وأن لها حق الملكية والبيع والشراء أم ليس لها شئ من ذلك. ويقول روبرت برفلوت: لقد أطبق على أوروبا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر. وكان هذا الليل يزداد ظلاما وسوادا. وكانت همجية ذلك العهد أشد هولا وأفظع من همجية العهد القديم. لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت.. وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها الحضارة وبلغت أوجها في الماضي كإيطاليا وفرنسا. فريسة الدمار والفوضى والخراب (1) أما الهند فكانت قبل عصر البعثة المحمدية قد احترفت صنع الآلهة وذكر صاحب كتاب الهندوكية السائدة. بأنهم ألحقوا بالديانة الهندوكية عددا من الآلهة قد بلغ (330 مليون) إله!! وفي ظل هذه الآلهة رتعت عقائد التثليث والتجسد والحلول وجميع معالم الانحراف. وفي بلاد فارس أقيمت للناس المعابد العديدة! وفي بلاد العراق أقيمت المعابد للكواكب والأوثان! أما العرب فقد انغمسوا في الوثنية بأبشبع أشكالها، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل لكل بيت صنم خاص، وكان في جوف

____________

(1) السيرة النبوية / الندوى: ص 9.

الصفحة 317
الكعبة وفنائها ثلاثمائة وستون صنما، وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الحجر من أي جنس مان، وكانت لهم آلهة من الملائكة والجن والكواكب. وكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله! وأن الجن شركاء الله!

واعتقدوا أن هؤلاء لهم مشاركة في تدبير الكون! وقدرة ذاتية على النفع والضرر والإيجاد والإفناء! فآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم (2) وعلى أرض العرب وبالتحديد في مكة كان العديد من علماء أهل الكتاب يقيمون فيها أو حولها انتظارا لظهور النبي الموصوف عندهم في كتبهم والذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم نظرا لدقة الوصف الذي وصفه لهم الأحبار والرهبان الذين أؤتمنوا على ما أخفاه من الكتاب.

وبالجملة كانت القافلة البشرية في حاجة إلى مشعل هداية بعد أن سقطت أطروحات الأصنام في الأوحال العميقة. مشعل هداية يهدي إلى صراط الله المستقيم، وجاء النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن جفت الحكمة وجف العلم من آنية أهل الكتاب.

أولا: وجاء النور الهادي:

1 - من صفاته عند أهل الكتاب:

كان عليه السلام أميا، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب. قال القرطبي في تفسيره: (جاء في التوراة أن الله قال لموسى بن عمران) " إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبي مثلك. اجعل كلامي على فيه. فمن عصاه انتقمت منه " فمن إخوة بني إسرائيل؟ فلا محالة أنهم العرب أو الروم. فأما الروم فلم يكن منهم نبي سوى أيوب وكان قبل موسى بزمان، فلا يجوز أن يكون هو الذي بشرت به التوراة. فلم يبق إلا العرب. فهو إذن محمد عليه السلام. وقد قال في التوراة حين ذكر إسماعيل جد العرب " إنه يضع فسطاطه في وسط بلاد إخوته " فكني عن بني إسرائيل بأخوة إسماعيل. كما كني عن العرب بأخوة بني إسرائيل في قوله: " إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبي مثلك " ويدل ذلك أيضا قوله:

____________

(2) السيرة النبوية / الندوى: ص 11.

الصفحة 318
" اجعل كلامي على فيه " وتلقيناه من فلق فيه (3) واليهود يطلقون على أي أمة غير أمتهم لقب " الأمة الأمية " وفي ذلك يقول تعالى: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) (4). فالنبي الأمي ليس من الحي الإسرائيلي. وإما هو من بني إسماعيل. ووصفه بالأمي لا ينطبق إلا عليه. لأن المسيح ابن مريم عليه السلام كان قارئا وكاتبا. ففي إنجيل لوقا " وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ " (لوقا 4 / 16) وفي إنجيل " وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب " (يوحنا 8 / 6) وكان عليه السلام رسولا إلى بني إسرائيل. البشارات بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل صنف فيها كتب كثيرة.

2 - من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم:

  • اختصه الله بعموم الدعوة للناس كافة قال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) (5) وقال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (6). قال المفسرون: إن في مدلول الآية حجة على التوحيد. وذلك أن الرسالة من لوازم الربوبية، التي شأنها تدبير الناس في طريق سعادتهم وسيرهم إلى غايات وجودهم، فعموم رسالته صلى الله عليه وآله وسلم. وهو رسول الله تعالى لا رسول غيره. دليل على أن الربوبية منحصرة في الله تعالى. فلو كان هناك رب غيره ولجاءهم رسوله. ولم يعم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عمتهم. واحتاجوا معه إلى غيره. ويؤيده ما في ذيل الآية من قوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فإن دالة انحصار الرسالة في رسل الله على انحصار الربوبية في الله عز اسمه. أمس بجهل الناس من كونه صلى الله عليه وآله وسلم رسولا كافا لهم عن المعاصي بشيرا ونذيرا. فمفاد الآية: لا يمكنهم أن يروك شريكا له. والحال أنا لم نرسلك إلا كافة لجميع الناس بشيرا ونذيرا. ولو كان لهم إله غيرنا، لم يسع لنا أن نرسلك إليهم وهم

    ____________

    (3) البشارة نبي الإسلام / أحمد حجازي السقا: ص 226 / 1 ط دار البيان.

    (4) سورة آل عمران، الآية: 75.

    (5) سورة الأعراف، الآية: 158.

    (6) سورة سبأ، الآية: 28.

    الصفحة 319
    عباد لإله آخر. والله أعلم (7).

    ونزول القرآن الكريم على رسول الله بلسان عربي، لا ينافي عموم دعوته لعامة البشر، لأن دعوته كانت مرتبة على مراحل، فأول ما دعى دعى الناس بالموسم فقوبل بإنكار شديد منهم، ثم كان يدعو بعد ذلك سرا مدة، ثم أمر بدعوة عشيرته الأقربين كما يشير إليه قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (8). ثم أمر بدعوة قومه كما يشير إليه قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (9) ثم أمر بدعوة الناس عامة كما يشير إليه قوله تعالى:

    (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) (10) وقوله: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) (11) والدليل على عموم الدعوة. إنه كان من المؤمنين به سلمان وكان فارسيا، وبلال وكان حبشيا، وصهيب وكان روميا، وفي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا سابق العرب. وصهيب سابق الروم. وسلمان سابق الفرس. وبلال سابق الحبشة) (12) " وبعد استقرار الدعوة أخذ صلى الله عليه وآله وسلم يدعو اليهود والنصارى والمجوس وكاتب العظماء والملوك في إيران ومصر والحبشة والروم. وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بعثت إلى الأحمر والأسود) (13) وقال: (أنا رسول من أدركت حيا ومن يولد بعد) (14) وقال: (ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار) (15) وقال: (أنا النبي الأمي الصادق الزكي. الويل كل الويل لمن كذبني وتولى عني وقاتلني...) (16) وقال: (إن الله بعثني بتمام

    ____________

    (7) الميزان: 377 / 16.

    (8) سورة الشعراء، الآية: 214.

    (9) سورة الحجر، الآية: 94.

    (10) سورة الأعراف، الآية: 158.

    (11) سورة الأنعام، الآية: 19.

    (12) رواه الحاكم (كنز العمال 644 / 11).

    (13) رواه ابن سعد (كنز العمال 445 / 11) (14) رواه ابن سعد (كنز العمال 404 / 11).

    (15) رواه الحاكم (كنز العمال 453 / 11).

    (16)(رواه ابن سعد (كنز العمال 403 / 11).

    الصفحة 320
    مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأعمال) (17) وقال: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) (18) وقال: (أنا رحمة مهداة) (19) وقال: (إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ودينكم واحد ونبيكم واحد، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا أخمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) (20).

  • ومن خصائصه أن الله تعالى فرض طاعته على العالم فرضا مطلقا لا شرط فيه ولا استثناء قال تعالى: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (21) وآيات القرآن في هذا المقام عديدة. كما جعل الله أتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرط في حب الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (22) قال المفسرون: إن حب الشئ يقتضي حب جميع ما يتعلق به.

    ويوجب الخضوع والتسلم لكل ما هو في جانبه. والله سبحانه هو الله الواحد الأحد، الذي يعتمد عليه كل ما شئ في جميع شؤون وجوده ويبغي إليه الوسيلة ويصير إليه كل ما دق وجل. فمن الواجب أن يكون حبه والإخلاص له بالتدين بدين التوحيد وطريق الإسلام، وهذا هو الذين الذي ينسب إليه سفرائه. ويدعو إليه أنبيائه ورسله. وخاصة دين الإسلام الذي فيه من الإخلاص ما لا إخلاص فوقه.

    وهو الدين الفطري الذي يختم به الشرائع وطرق النبوة، كما يختم بصادعه صلى الله عليه وآله وسلم الأنبياء عليهم السلام، وقد عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبيله الذي سلكه بسبيل التوحيد، طريقة الإخلاص على ما أمره الله تعالى حيث قال: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله حتى بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحانه الله

    ____________

    (17) رواه الطبراني في الأوسط (كنز 425 / 11).

    (18) رواه ابن سعد والحاكم (كنز 425 / 11).

    (19) رواه ابن سعد الحاكم (كنز 425 / 11).

    (20) رواه ابن النجار (كنز 484 / 11).

    (21) سورة النساء، الآيتان: 13 - 14.

    (22) سورة آل عمران، الآية: 31

    الصفحة 321
    وما أنا من المشركين) (23) فذكر أن سبيله الدعوة إلى الله على بصيرة والإخلاص لله من غير شرك، فسبيله دعوة وإخلاص، واتباعه واقتفاء أثره، إنما في ذلك صفة من اتبعه.

    ثم ذكر الله سبحانه أن الشريعة التي شرعها له صلى الله عليه وآله وسلم هي الممثلة لهذا السبيل سبيل الدعوة والإخلاص فقال: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعا) (24) وذكر أيضا أنه إسلام لله حيث قال: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن) (25) ثم نسبه إلى نفسه وبين أنه صراط المستقيم فقال: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) (26) فتبين بذلك كله أن الإسلام - وهو الشريعة المشرعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي هو مجموع المعارف الأصلية والخلقية والعملية وسيرته في الحياة - هو سبيل الإخلاص عند الله سبحانه الذي يعتمد ويبتني على الحب، فهو دين الإخلاص، وهو دين الحب. ومن جميع ما تقدم يظهر معنى الآية (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فالمراد والله أعلم: إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم بالبناء على الحب حقيقة، فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب، الذي ممثله الإخلاص والإسلام وهو صراط الله المستقيم الذي يسلك بسالكه إليه تعالى، فإن اتبعتموني في سبيلي وشأنه هذا الشأن. أحبكم الله وهو أعظم البشارة للمحب، وعند ذلك تجدون ما تريدون. وهذه هو الحب الذي يبتغيه محب بحبه (27).

  • ومن خصائصه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن من تقدمه من الأنبياء كانوا يدافعون عن أنفسهم ويردون على أعدائهم كقول نوح عليه السلام: (يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين) (28) وقول هود عليه

    ____________

    (23) سورة يوسف، الآية: 108.

    (24) سورة الجاثية، الآية: 18.

    (25) سورة آل عمران، الآية: 20.

    (26) سورة الأنعام، الآية: 153.

    (27) الميزان: 159 / 3.

    (28) سورة الأعراف، الآية: 61.

    الصفحة 322
    السلام: (يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين) (29) وغير ذلك، أما محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد تولى تعالى تنزيهه عما نسبه إليه أعداؤه والرد عليهم فقال تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) (30) وقال تعالى: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) (31) وقال: (ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى) (32).

  • ومن خصائصه أن كتابه معجز، ومحفوظ، يسره الله تعالى للذكر ليفهمه العامي والخاصي والأفهام البسيطة والمتعمقة كل على مقدار فهمه قال تعالى:

    (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (33) قال المفسرون: والمعنى لقد سهلنا القرآن لأن يتذكر به. فهل من متذكر فيؤمن بالله ويدين بما يدعو إليه الدين الحق. والقرآن لا انحراف فيه في جميع الأحوال. ولا يقبل النسخ والإبطال والتهذيب والتغيير. ووصف القرآن بالحكيم دليل على عدم وجود نقطة ضعف أو لهو الحديث فيه. جميع المعارف الإلهية والحقائق الموجودة فيه تستند إلى حقيقة واحدة هي التوحيد. قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (34) قال المفسرون: أي للملة التي هي أقوم كما قال تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا) (35) وقد وصف الله سبحانه هذه الملة الحنيفة بالقيام كما قال: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) (36) وقال: (فأقم وجهك للدين القيم) (37) وذلك لكون هذا الدين مهيمنا على ما فيه خير دنيا هم وآخرتهم قيما على إصلاح حالهم في معاشهم ومعادهم وليس إلا لكونه موافقا لما

    ____________

    (29) سورة الأعراف، الآية: 67.

    (30) سورة يس، الآية: 69.

    (31) سورة القلم، الآية: 2.

    (32) سورة النجم، الآيتان: 2 - 3.

    (33) سورة القمر، الآية: 22.

    (34) سورة الإسراء، الآية: 9.

    (35) سورة الأنعام، الآية: 161.

    (36) سورة الروم، الآية: 30.

    (37) سورة الروم، الآية: 43.

    الصفحة 323
    تقتضيه الفطرة الإنسانية (38).

    والقرآن الكريم لا يجد الباطل طريقا إليه قال تعالى: (وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون) (39) قال المفسرون: لا ينبغي لهم أن يتنزلوا به. إنهم خلق شرير لا هم لهم إلا الشر والفساد والأخذ بالباطل وتصويره في صورة الحق ليضلوا به عن سبيل الله.

    والقرآن حق لا سبيل للباطل إليه. فلا يناسب جبلتهم الشيطانية أن يلقوه إلى أحد (ما يستطيعون) أي وما يقدرون على التنزل به، لأنه كتاب سماوي تتلقاه الملائكة من رب العزة فينزلونه بأمره في حفظ وحراسة منه تعالى: (إنهم عن السمع لمعزولون) أي أن الشياطين عن سمع الأخبار السماوية والاطلاع على ما يجري في الملأ الأعلى معزولون. حيث يقذفون بالشهب الثاقبة لو تسمعوا (40) والله تعالى تحدى بالقرآن الإنس والجن أن يأتوا بمثله فقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (41) وعندما عجزوا أن يأتوا بمثله تحدى أن يأتوا بعشر سور من مثله قال تعالى: (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات)(42) وعندما عجزوا تحدى أن يأتوا بسورة واحدة قال تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) (43) قال المفسرون: في الآيات ظاهرة في دوام التحدي، وقد انقرضت العرب العرباء أعلام الفصاحة والبلاغة اليوم. فلا ترى أثرا منهم. والقرآن باق على إعجازة متحد بنفسه كما كان (44).

  • ومن خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم أن الله جعل أهل بيته عليهم السلام طرفا أصيلا مع القرآن وأنهم والقرآن لن يفترقا حتى يرد عليه الحوض ففي

    ____________

    (38) الميزان: 47 / 13.

    (39) سورة الشعراء، الآيات 210 - 212.

    (40) الميزان: 328 / 15.

    (41) سورة الإسراء، الآية: 88 (42) سورة هود، الآية: 13.

    (43) سورة البقرة، الآية: 23.

    (44) الميزان: 201 / 13.

    الصفحة 324
    الحديث: (ذ إني تارك فيكم الثقلين أحداهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) (45) وأن الله تعالى طهر أهله بيته الذين ارتبطوا بالقرآن تطهيرا قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (46) كما أجب الله تعالى مودة قرابة رسول الله في قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (47) وسيأتي الحديث عن أهل البيت فيما بعد مفصلا. وخصائص النبي الأعظم عديدة نكتفي بما أوردناه منها.

    3 - من صفاته عليه الصلاة والسلام:

    قال الحسين بن على عليهما السلام قال: سألت خالي هند بن أبي هالة وكان وصافا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأنا أشتهي أن يصف لي منه شيئا لعلي أتعلق به فقال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر أطول من المربوع (48) وأقصر من المشذب (49). عظيم الهامة ". إلى أن قال: " أزهر اللون واسع الجبين. أزج الحواجب سوابغ في غير قرن وبينهما عرق يدره القضب له نور يعلوه يحسبه من يتأمله أشم " إلى أن قال: " إذا مشى كأنما ينحط من صبب. وإذا التفت التفت جمعيا. خافض الطرف. نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء. جل نظره الملاحظة. يبدأ من لقيه بالسلام " وما أوردناه من الصفات يوجد بتمامه في تفاسير أهل الكتاب. ثم قال الحسن فقلت له: صف لي منطقه. فقال: كان صلى الله عليه وآله وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليس له راحة، طويل الصمت لا يتكلم في غير حاجة.. يتكلم بجوامع الكلم فصلا فصلا لا فضول فيه ولا تقصير. دمثا ليس بالجافي ولا بالمهين... " وعن الحسين عليه السلام قال سألت أبي عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " كان يجلس

    ____________

    (45) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني 186 / 1).

    (46) سورة الأحزاب، الآية: 33.

    (47) سورة الشورى، الآية: 23.

    (48) المربوع: الذين بين الطويل والقصير.

    (49) المشذب: الذي لا كثير لحم على بدنه.

    الصفحة 325
    ولا يقوم إلا على ذكر. لا يوطن الأماكن وينهى عن إبطانها (50) إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك. ويعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب أحد من جلسائه أن أجدا أكرم عليه منه. من جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف، من سأله حاجة لم يرجع إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه خلقه فصار لهم أبا، وكانوا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة. لا ترفع فيه الأصوات. ولا يؤمن فيه الحرم (51). ولا تثنى فلتاته (52) متعادلين، متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. قال الحسين عليه السلام فقلت: كيف كانت سيرته صلى الله عليه وآله وسلم في جلسائه؟ فقال:

    كان صلى الله عليه وآله وسلم دائم البشر (53). سهل الحلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب (54) ولا فحاش ولا عياب، ولا مداح، يتغافل عمالا يشتهي فلا يؤيس منه ولا يخيب منه مؤمنيه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره. ولا يطلب عثراته ولا عوراته. ولا يتكلم إلا فيما رجى ثوابه. وإذا تكلم أطرق جلساؤه كان على رؤوسهم الطير. فإذا سكت تكلموا. ولا يتنازعون عنده الحديث. من تكلم انصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أوليتهم (55)، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه. حتى إن كان أصحابه يستجلبونهم (56). ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ (57). ولا يقطع على أحد (*)

    ____________

    (50) أي لا يعين لنفسه مجلسا خاصا بين الجلساء حذرا من القصور.

    (51) أي لا تعاب عنده حرمات الناس.

    (52) أي إذا وقعت فيه عثرة من أحد جلسائه بينها لهم ليحذروا من الوقوع فيها ثانيا.

    (53) البشر: بشاشة الوجه.

    (54) الصخاب: الشديد الصياح.

    (55) أي كانوا يتكلمون عنده الواحد بعد الآخر بالتناوب من غير أن يداخل أحدهم كلام الآخر.

    (56) أي يريدون جلبهم عنه وتخليصه منهم.

    (57) أي في مقابل نعمة أنعمها على أحدهم وهو الشكر الممدوح.


    الصفحة 326
    كلامه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام (58).

    قال الحسين: فسألت أبي عن سكوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: كان سكوته على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكير.

    فأما التقدير، ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس. وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى وجمع له الحلم والصبر. فكان لا يغضبه شئ ولا يستفزه. وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه. واجتهاده الرأي في صلاح أمته. القيام فيما جمع له خير الدنيا والآخرة (59) وما أوردناه ما هو إلا بعض من صفات النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الذي وصفه الله بأنه على خلق عظيم. وصاحب هذه الخلق العظيم هو الذي قدر الله تعالى أن تكون هداية البشرية على يديه بما أنه خاتم الأنبياء والرسل. فهو صلى الله عليه وآله وسلم الذي يشير إلى قوافل الضلال والإنحراف بمصباح الهدى كي يخرجهم من الظلمات إلى النور، فمن استجاب فقد فاز، ومن أمسك بذيول آباء الضلال والانحراف فقد هلك والله غني عن العالمين.

    ثانيا: الدعوة إلى الهدى:

    1 - معسكرات الانحراف:

    لم يكن طريق الدعوة بالطريق السهل. فالانحراف كان شاسعا وعميقا، وعلى امتداد ليلة ظهرت له مخالب وأنياب تدافع عن الأهواء والشذوذ، فأهل مكة كانوا قد أقسموا قبل إرسال الرسول إليهم، لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من تلك الأمم التي كذبوا رسلهم، وعندما جاءهم الرسول النبي الأمي الذي لم يعهدوا فيه إلا كل خلصة كريمة، نسوا ما كانوا قد أقسموا به من قبل وغاصوا في مستنقعات الأوحال على دروب الانحراف. ومن داخل الأوحال قذفوا أتباع الهدى بجميع ما يستقيم مع ثقافة الانحراف. يقول تعالى عن خط الصد في مكة: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما

    ____________

    (58) حتى يجوز: أي يتعدى عن الحق فيقطعه حينئذ بنهي أو قيام.

    (59) الميزان: 306 / 6 وما بعدها.

    الصفحة 327
    زادهم إلا نفورا) (60) قال المفسرون: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يكونوا أهدى من إحدى الأمم التي جاءهم نذير. فلما جاءهم تباعدوا عنه وهربوا! فهذا الخط من خطوط الصد وضع في طريق الدعوة العديد من العراقيل دفاعا عن أهوائه وطريق آبائه. نفورهم واستكبارهم لا يقودهم إلا إلى السنة الجارية في الأمم الماضية، وهي العذاب الإلهي، ولن تجد لسنة الله تبديلا، والله تعالى يبعث الرسل لإقامة الحجة، ولكن لا يكون للناس على الله حجة. وحط الصد في مكة لبس الحجة كاملة وهو يقف على خنادق الإنحراف والشذوذ. يقول تعالى:

    (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها) (61).

    فالذي يسمك بحجر ويقف على خندق من خنادق الصد أقيمت عليه الحجة بالدعوة، ولا يبالي الله به في أي واد هلك، ولم يكن حال أهل الكتاب بأحسن من حال كفار قريش، فلقد شاركوهم خطوط الصد ولكن كل حسب طريقته.

    وأهل الكتاب كانوا يستفتحون ويستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فلما بعثه الله كفروا به وحسدوه قال تعالى: " ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " (62) وأهل الكتاب تصدروا خطوط الصد بعد هجرة الرسول إلى المدينة ولذا كانت آيات القرآن التي نزلت على رسول الله في المدينة لتكشف كيدهم أكثر مما نزل عليه في مكة. وباختصار لقد وقف في وجه الدعوة جميع أبناء الشذوذ والإنحراف الذين استقامت أهواؤهم مع أهواء الظالمين في الأمم الماضية من عهد نوح عليه السلام، ولقد قدمت الدعوة الإسلامية إلى هؤلاء الدواء الشافي من كل داء لنخرجهم من الظلمات إلى النور فمنهم من آمن ومنهم من كفر.

    ____________

    (60) سورة فاطر، آية: 42.

    (61) سورة الأنعام، الآيات: 155 - 157.

    (62) سورة البقرة، الآية: 89.

    الصفحة 328

    2 - الداعي إلى الله:

    أمام معسكرات الشذوذ وخيام الإنحراف تلى رسول الله صلى عليه وآله وسلم آيات القرآن الكريم في مكة ومن هذه الآيات قوله تعالى: " قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين * وأمرت لأن أكون أول المسلمين * قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم " (63) قال المفسرون: أنا كأحدكم مأمور بعبادته مخلصا له الدين، ولا ذاك فحسب، بل مأمور بأن أكون أول المسلمين لما ينزل إلي من الوحي، فأسلم له أولا ثم أبلغه لغيري، فأنا أخاف ربي وأعبده بإخلاص آمنتم به أو كفرتم (64). عقب ذلك قال: " فاعبدوا ما شئتم " وهذا أمر تهديدي. بمعنى أن عبادتهم لن تنفعهم، لأنهم مصيبهم وبال إعراضهم عن عبادة الله، حيث يخسرون أنفسهم بإيرادها بالكفر مورد الهلكة، كما يخسرون أهلم بحملهم على الكفر والشرك، وهذا هو الخسران الحقيقي لأنه لا زوال له ولا انقطاع. وأمام معسكرات الشذوذ وخيام الانحراف تلى الرسول الأعظم: " إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وأمرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلوا هذا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين " (65) قال المفسرون: الدعوة تبشير وإنذار. ولا يرجع إليه صلى الله عليه وآله وسلم من أمرها شيئا. وإنما الأمر إلى الله. ومعنى الآيات قل: " إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة " - مكة المشرفة - التي حرمها الله ولم يشكر أهلها هذه النعمة. نعمد تحريم بلدهم. بل عبدوا الأصنام! ولكي لا يتوهم كفار مكة أن الله يملك مكة.. فيكون حاله حال سائر الأصنام. جعلوا لكل منها جزء من أجزاء العالم كالسماء والأرض وبلدة كذا وقوم كذا وأسرة كذا قال: (وله كل شئ) إشارة إلى سعة ملكه تعالى وقوله:

    (وأمرت أن أكون من المسلمين) أي من الذين أسلموا له فيما أراد ولا يريد إلا ما يهدى إليه الخلقة وتهتف به الفطرة وهو الدين الحنيف الفطري الذي هو ملة إبراهيم.

    ____________

    (63) سورة الزمر، الآيات: 11 - 13.

    (64) الميزان: 237 / 11.

    (65) سورة النمل، الآيات: 90 - 92.

     


    الصفحة 329
    وقوله: (وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإننا يهتدي لنفسه) أي أمرت أن أقرأ القرآن عليكم. فمن اهتدى بهذا القرآن فالذي ينتفع به هو نفسه، ولا يعود نفعه إلي. ومن لم يهتد به بالإعراض عن ذكر ربه. وهو الضلال. فعليه ضلاله ووبال كفره لا علي. لأني لست إلا نذرا مأمورا بذلك ولست عليه بوكيل والله هو الوكيل عليه (66). وأمام معسكر الإنحراف تلى الرسول الأعظم قول الله تعالى:

    " وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير " (67) قال المفسرون، أي آمنت بالكتب السماوية التي نزلها الله على رسله. وأمرت أن أعدل بينكم أي أسوي بينكم. فلا أقدم قويا على ضعيف ولا غني على فقير ولا كبير على صغير ولا أفضل أبيض على أسود ولا عربي على عجمي ولا هاشميا أو قرشيا على غيره، فالدعوة متوجهة إلى الجميع والناس قبال الشرع الإلهي سواء.

    فقوله: (آمنت بما أنزل الله من كتاب) تسوية بين الكتب المنزلة من حيث الإيمان بها وقوله: (وأمرت لأعدل بينكم) تسوية بين الناس من حيث الدعوة وما جاء به الشرع وقوله: (الله ربنا وربكم) يشير إلى أن رب الكل هو الله الواحد تعالى وفليس لهم أرباب كثيرون حتى يلحق كل بربه ويتفاضلوا بالأرباب، بل الله هو رب الجميع، وهم جميعا عباده المملوكون له المدبرون بأمره وقوله: (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) يشير إلى أن الأعمال وإن اختلفت من حيث كونها حسنة أو سيئة ومن حيث الجزاء. ثوابا أو عقابا إلا أنها لا تتعدى عاملها. فلكل امرئ ما عمل. فلا ينتفع أحد بعمل آخر. ولا يتضرر بعمل غيره وقوله: (لا حجة بيننا وبينكم) أي لا خصومة بيننا وبينكم بتفاوت الدرجات.

    لأن ربنا واحد. ونحن لأننا جميعا عباده ولكل نفس ما عملت، فلا حجة في البين. أي لا خصومة حتى نتخذ لها حجة (68).

    هذا هو شرع النبي الأعظم الذي أذاع معسكر الإنحراف على الغوغاء والرعاع على امتداد الزمان أنه بدأ بالسيف وكان القهر عنوانه، هذا هو محمد

    ____________

    (66) الميزان: 404 / 15.

    (67) سورة الشورى، الآية: 15.

    (68) الميزان: 34 / 18.

    الصفحة 330
    صلى الله عليه وآله وسلم الذي صد عن سبيله رموز الانحراف والشذوذ الذين توغلوا في عالم الطمس والقردية واستمع إليهم القردة والخنازير في كل مكان.

    لقد جاء ليقول: " أمرت " ولم يرفع سيفا إلا بأمر وذلك بعد أن خرج عليه أصحاب المخالب والأنياب يريدون إطفاء نور الله. ولكن أبي الله إلا أن يتم نوره. لقد أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبيله في مكة في قوله تعالى:

    " قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شئ " (69) قال المفسرون: أمره الله أن يخبرهم بأن ربه الذي يدعو إليه. هداه بهداية إلهية إلى صراط مستقيم وسبيل واضح قيم. لا تخلف فيه ولا اختلاف.

    دينا قائما على مصالح الدنيا والآخرة أحسن القيام، لكونه مبنيا على الفطرة ملة إبراهيم حنيفا. مائلا عن التطرف بالشرك إلى اعتدال التوحيد وما كان من المشركين. وأمره تعالى أن يخبرهم بأنه عامل بما هداه الله إليه. كما أنه مأمور بذلك. ليكون أبعد من التهمة عندهم وأقرب إلى تلقيهم بالقبول. فإن من أمارة الصدق أن يعمل الإنسان بما يندب إليه ويطابق فعله قوله. فقال له سبحانه قل:

    إنني جعلت صلاتي ومطلق عبادتي ومحياي بجميع ما له من الشؤون الراجعة إلي من أعمال وأوصاف وأفعال وتروك. ومماتي بجميع ما يعود إلي من أموره وهي الجهات التي ترجع منه الحياة. جعلتها كلها لله رب العالمين. من غير أن أشرك به فيها أحدا. فأنا عبد في جميع شؤوني: في حياتي ومماتي لله وحده وجهت وجهي إليه. لا أقصد شيئا ولا أتركه إلا له. ولا أسير في مسير حياتي ولا أرد مماتي إلا له. فإنه رب العالمين. يملك لكل ويدبر أمرهم. وقد أمرت بهذا النحو من العبودية. وأنا أول المسلمين به فيما أراده من العبودية التامة في كل باب وجهة (70).

    فهل في سبيل رسول الله إكراه كما أشاعت جماهير الطمس على طريق القهقري؟ " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله

    ____________

    (69) سورة الأنعام، الآيات: 161 - 164.

    (70) الميزان: 394 / 7.

    الصفحة 331
    فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون " (71) " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا " (72).

    3 - هدم انحراف بلادة الفكر والوجدان:

    طالب النبي صلى الله عليه وآله وسلم معسكر الانحراف بالنظر في الكون.

    ليعلموا أن النظام القائم في الكون يدل على توحيد الله تعالى. فالتدبير السائد على جميع أنحائه متواصل. وجميع أجزائه مسخرة لنظام واحد. تلى عليه الصلاة والسلام عليهم في مكة قوله تعالى: " قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون * كذلك الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون * كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون * قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون * قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " (73) قال المفسرون: قل لهم يا محمد من يرزقكم من السماء بالأمطار والثلوج ونحوه. ومن الأرض بإنباتها نباتا وتربيتها الحيوان ومنها يرتزق الإنسان. وبركة هذه النعم الإلهية يبقى النوع الإنساني. أمن يملك السمع والأبصار منكم فتتم بهما فائدة رزقكم حيث ترزقون بتشخيصهما من طيبات الرزق. فهو تعالى متصرفا في الحواس الإنسانية التي بها ينتظم للإنسان أنواع التمتع من الأرزاق المختلفة التي أذن الله تعالى أن يتمتع بها. فالإنسان إنما يشخص ويميز ما يريده. مما لا يريده بأعمال السمع والبصر واللمس والذوق والشم فيتحرك نحو ما يريده. ويتوقف أو يفر مما يكرهه بها. فالحواس هي التي تتم بها فائدة الرزق الإلهي. وإنما خص الله السمع والبصر من بينها بالذكر لظهور آثارهما في الأعمال الحيوية أكثر من غيرها. والله تعالى هو الذي يملكهما ويتصرف فيهما

    ____________

    (71) (سورة الأنفال، الآيتان: 22 - 23.

    (72) سورة الفرقان، الآية: 44.

    (73) سورة يونس، الآيات: 31 - 35.

    الصفحة 332
    بالإعطاء والمنع والزيادة والنقيصة. ولولا نعم الله هذه ما وفقتم وفنيتم عن آخركم. (ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) من يخرج من الأمور غير المفيدة في باب. أمور مفيدة في ذلك الباب بالكينونة والتوالد.

    كخلق الإنسان الحي والحيوان الحي والنبات الحي من التراب الميت وبالعكس. وكخروج الإنسان العاق الصالح من الإنسان الذي لا عقل له ولا صلاح وبالعكس وخروج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. ومن يدبر الأمر في جميع خلقه؟ (فسيقولون الله) اعترافا بأنه الذي ينتهي إليه جميع هذه التدبيرات في الإنسان وغيره ولأن الوثنيين يعتقدون ذلك. أمر الله نبيه أن يوبخهم أولا على ترك تقوى الله بعبادة غيره مع ظهور الحجة. ثم يستنتج لهم من الحجة وجوب توحيده تعالى فقال: (فقل أفلا تتقون) ثم قال: (فذلكم الله ربكم الحق) وقد وصف الله بالحق ليكون توضيحا لمفاد الحجة وتوطئة وتمهيدا لقوله بعده: (فماذا بعد الحق الضلال) لأنه إذا كانت ربوبيته تعالى حقه. فإن الهدى في اتباعه وعبادته. لأن الهدى مع الحق لا غير. وعلى هذا فلا يبقى عند غيره. الذي هو الباطل إلا الضلال. ثم تمم الآية بقوله: (فأنى تصرفون) أي إلى متى تصرفون عن الحق الذي معه الهدى إلى الضلال الذي مع الباطل.

    وقوله بعد ذلك: (كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون) الإشارة بقوله: (كذلك) إلى ما تحصل من الآية السابقة. أن المشركين صرفوا عن الحق. وفسقوا عنه فوقعوا في الضلال. إذ ليس بعد الحق إلا الضلال. ومعنى قوله: (كذلك حقت كلمة ربك) أن الكلمة الإلهية والقضاء الحتمي الذي قضى به في الفاسقين - وهو أنهم لا يؤمنون - هكذا حقت وثبتت في الخارج وأخذت مصداقها وهو أنهم صرفوا عن الحق فوقعوا في الضلال. أي إنا لم نقض عدم هدى الفاسقين وعدم إيمانهم ظلما ولا جزافا.

    وإنما قضينا ذلك. لأنهم صرفوا عن الحق وفسقوا فوقعوا في الضلال ولا واسطة بينهما.

    ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول: (قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده) لأن الذي بيده كل شئ ثم يعيده يستحق أن يعبده الناس. اتقاء من يوم لقائه. ليأمن من أليم عذابه. وينال عظيم ثوابه يوم القيامة. والله تعالى له ذلك

    الصفحة 333
    (فأنى تؤفكون) أي إلى متى تصرفون عن الحق (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق) وتوضيح ذلك.. أن من المرتكز في الفطرة الإنسانية. وبه يحكم عقله. إن من الواجب على الإنسان أن يتبع الحق.

    والهادي إلى الحق واجب اتباعه لما عنده من الحق. ومن الحق. ومن الواجب ترجيحه على من لا يهدي إليه. أو يهدي إلى غيره. لأن اتباع الهادي إلى الحق اتباع لنفس الحق الذي معه وجوب اتباعه ضروري. وقد اعتمد في الحجة على هذه المقدمة الضرورية. فافتتح بسؤالهم عن شركائكم. هل فيهم شركاءهم. هل فيهم من يهدي إلى الحق؟ ومن الواضح أن لا جواب للمشركين في ذلك. لأن شركاءهم سواء أكانوا جمادا غير ذي حياة كالأوثان والأصنام. أم كانوا من الأحياء كالملائكة وأرباب الأنواع والجن والطواغيت من فرعون ونمرود وغيرهما. لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. وإذا لم يكن للمشركين جواب في ذلك. أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب بإثباتها لله فقال: (قل الله يهدي للحق) فإن الله سبحانه هو الذي يهدي كل شئ إلى مقاصده التكوينية والأمور التي يحتاج إليها في بقائه كما في قوله: " ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " (74) وقوله: " الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى " (75) وهو الذي يهدي الإنسان إلى سعادة الحياة ويدعوه إلى الجنة والمغفرة بإذنه. بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع. وأمرهم ببث الدعوة الحقة الدينية بين الناس.. وإذ تحقق أنه ليس من شركائهم من يهدي إلى الحق. وأن الله سبحانه يهدي إلى سألهم بقوله: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا يهدى) أن يقضوا في الترجيح بين أتباعه تعالى وأتباع شركائهم. وهو تعالى يهدي إلى الحق وهم لا يهدون ولا يهتدون إلا بغيرهم. ومن المعلوم أن الرجحان لمن يهدي على من لا يهدى أي لا تباعه تعالى على أتباعهم. والمشركون يحكمون بالعكس.

    ولذلك لامهم ووبخهم بقوله: " فما لكم كيف تحكمون " (76).

    ____________

    (74) سورة طه، الآية: 50.

    (75) سورة الأعلى، الآيتان: 2 - 3.

    (76) الميزان 57 / 10.

    الصفحة 334
    إن هذا من مواجهات الإسلام مع أعدائه. فالدعوة الإسلامية تشق طريقها على أساس التوحيد الخالص. ومنذ أن بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام لا يرى غير الله من يملك أي شئ. فالله وحده له ملك السماوات والأرض وما بينهما. وهو سبحانه المدبر لجميع خلقه. وهو الغني بذاته وعلى الإطلاق وغيره فقير. وهو الواحد القهار الذي لا يماثله شئ في وجوده وهو العزيز الذي لا يغلبه شئ وغير ذليل. النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلى على أسماع بني الإنسان في مكة آيات الله التي تدعو إلى النظر في الكون كي تضاء منطقة الفكر والوجدان لديهم ويفروا من حياة الظلام ولا يتمسكوا بقيود الضلال لأن تمسكهم يدرجهم في القوم الفاسقين الذين حقت عليهم كلمة الله. فهل دعوة الإسلام لإيقاظ الفكر ونجاة بني الإنسان جريمة؟ إن جماهير الطمس والقهقري اعتبروها جريمة. وويل للظالمين من عذاب يوم عظيم.

    4 - هدم الانحراف السلفي:

    لقد وضع معسكر الانحراف قاعدة اتباع الآباء " قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا " (77) وعلى هذه القاعدة شقوا طريقهم وقالوا: " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون " (78) وعندما جاءتهم رسل الله قالوا: " تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا " (79) وباختصار كان طريق السلف الضال من أخطر الطرق على الفطرة. فتحت راياته تهود الفطرة أو تنصرها أو يتم توثينها بصورة من الصور. ومعسكر الانحراف استغل هذه القاعدة حتى في ارتكابه للفواحش يقول تعالى: " وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون " (80) وعلى أرضية آباء الضلال أقام معسكر الانحراف خيامه وقام فقهاء كل خيمة بالالتفاف حول عجل من العجول لا يعرفون لهم طريقا إلا به. إذا قلت قال الله. قالوا وماذا عن العجل وإذا قلت هذا سبيل رسول الله قالوا: وأين موضع العجل في هذا السبيل؟

    ____________

    (77) سورة لقمان، الآية: 21.

    (78) سورة الزخرف، الآية: 22.

    (79) سورة إبراهيم، الآية: 10.

    (80) سورة الأعراف، الآية: 28.

    الصفحة 335
    والرسالة الخاتمة قامت بتحطيم العجول بالحجة التي توقظ الفطرة وتغذي الفكر.

    لقد أخبرهم القرآن في أكثر من موضع بأنهم كانوا وآباؤهم في ضلال مبين.

    وأخبرهم أن آباء هم وأبناءهم لا يدرون أيهم أقرب لهم نفعا (81). وأن الإيمان الصادق بالله واليوم الآخر لا يجامع موادة أهل المحادة والمعاندة من الكفار ولو قارن أي سبب من أسباب المودة كالأبوة والبنوة والأخوة وسائر أقسام القرابة - فبين الإيمان وموادة أهل المحاداة تضاد لا يجتمعان لذلك (82).

    ولكن الحلف السلفي ظل متمسكا بمنطق آبائه الذي لا يخدم إلا مخططات الشيطان من أجل هدم الإنسان. وكما أن تمسكهم بأعلام الآباء يخدم الشيطان. إلا أنه في الوقت ذاته يحقق لهم السير في الحياة وفقا لأهوائهم التي تستقيم مع معطيات كل عصر. فهم يعربدون لتغذية أهواءهم الحاضرة تحت مظلة سنة الآباء الماضية. وفي صدر الرسالة المحمدية حاول الإنحراف السلفي أن يحاصر الرسالة بأدوات حاضرهم لحساب ماضيهم. فبدأوا بالتشكيك في الرسالة تارة والدخول من باب القضاء والقدر تارة أخرى.

    ويخبر الله تعالى بأن فصائل الإنحراف قد قالوا: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبد من دونه من شئ نحن. لا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ) ثم صرف الله الخطاب عنهم لسقوط فهمهم وقال لنبيه: (كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين * ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (83) قال المفسرون: فكأنهم يقولون: لو كانت الرسالة حقة. وكان كما جاء به الرسل من النهي عن عبادة الأصنام والأوثان والنهي عن تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة وغيرها. نواهي لله سبحانه. كان الله سبحانه شاء أن لا نعبد شيئا غيره. وأن لا نحرم من دونه شيئا.

    ولو شاء الله سبحانه أن لا نعبد غيره ولا نحرم شيئا. لم نعبد ولم نحرم. لاستحالة

    ____________

    (81) سورة النساء، الآية: 11.

    (82) سورة المجادلة، الآية: 22.

    (83) سورة النحل، الآيتان: 35 - 36.

    الصفحة 336
    تخلف مراده عن إرادته. لكنا نعبد غيره ونحرم أشياء فليس يشاء شيئا من ذلك فلا نهي ولا أمر منه تعالى. ولا شريعة ولا رسالة من قبله.

    هذا تقرير حجتهم على ما يعطيه السياق ومغزى مرادهم. أن عبادتهم لغير الله وتحريمهم لما حرموه. وبالجملة عامة أعمالهم. لم تتعلق بها مشيئة من الله بنهي ولو تعلقت لم يعملوها ضرورة. وقوله تعالى: (كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. يأمره أن يبلغ رسالته بلاغا مبينا. ولا يعتني بما لفقوه من الحجة فإنها داحضة والحجة التامة عليهم بالبلاغ. فقوله: (كذلك فعل الذين من قبلهم) أي على هذا الطريق الذي سلكه هؤلاء. سلك الذين من قبلهم. فعبدوا غير الله وحرموا ما لم يحرم الله. ثم إذا جاءتهم رسلهم ينهونهم عن ذلك قالوا: (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا..) وقوله: (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) أي بلغهم الرسالة بلاغا مبينا تتم به الحجة عليهم. فإنما وظيفة الرسل البلاغ المبين. وليس من وظيفتهم أن يلجئوا الناس إلى ما يدعونهم إليه وينهونهم عنه. ولا أن يحملوا معهم إرادة الله الموجبة التي لا تتخلف عن المراد. ولا أمره الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون. حتى يحولوا بذلك الكفر إلى الإيمان. ويضطروا العاصي على الطاعة.

    فإنما الرسول بشر مثلهم. الرسالة التي بعث بها إنذار وتبشير. وهي مجموعة قوانين اجتماعية. أوحاها إليه الله. فيها صلاح الناس في دنيا هم وآخرتهم. صورتها صورة الأوامر والنواهي المولوية. وحقيقتها الإنذار والتبشير قال تعالى: " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك " (84) فهذا ما أمر به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغهم. وقد أمر به نوحا ومن بعده من الرسل عليهم السلام أن يبلغوه أممهم (85) ولقد بعث الله تعالى في كل أمة رس. ل. وما كانت حقيقة بعث الرسول إلا أن يدعوهم إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت ومن الدليل على ذلك آثار الأمم الماضية الظالمة التي

    ____________

    (84) سورة الأنعام، الآية: 50.

    (85) الميزان: 241 / 12.

    الصفحة 337
    تحكي عن نزول العذاب عليهم وفسروا في الأرض فانظروا كيف عاقبة المكذبين حتى يتبين لكم أن الدعوة النبوية التي هي إنذار حق إن الرسالة ليست كما تزعمون (86).

    إن أصحاب العقول الفارغة يستمعون إلى نداء النبي وهو يبلغ عن ربه ومطالبته لهم بأن يجتنبوا عبادة العجول مع أشكالها فيقولون لو كان النهي صحيحا ما شاء الله أن نعبد غيرها. فإن قلت لقد شاء الله وأرسل لكم رسولا ليزيل من عقولكم بصمات سلفكم الضال ومعه المعجزة التي تثبت رسالته إليكم. هرولوا إلى مظلات السلف وقالوا كما قال الذين من قبلهم إن هذا إلا خلق الأولين وما سمعنا بهذا من قبل يكفينا ما دونه فقهاء الآباء وإنا على آثارهم مقتدون. هكذا لا يسمع الصم الدعاء. وإذا كان هذا الفريق قد حاول الالتفات حول الرسالة. فإن الفريق الأقذر منه هو الذي حاول الدخول من باب القضاء والقدر يقول تعالى: " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ وكذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون * قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " (87) إنه فريق فقهاء الجدل الذي ينام في حاضره تحت مظلة سلفه الضال. ولكي يخدم سنة آبائه القومية. يفتح لأهوائه العنان، قال ببساطة:

    هب أننا مشركون. ألم يشأ الله لنا ذلك لماذا نلام على الشرك. قال المفسرون:

    وهي حجة داحضة باطلة. فالذين من قبلهم قالوا بهذا ولو كان قولهم صحيحا ما أذاقهم الله بأسه ودمر عليهم. (قل هل عند كم من علم) أي بأن ما تفعلوه هو بأمر الله (فتخرجوه لنا) أي فتظهره لنا (إن أنتم إلا تخرصون) والخيال. والمراد بالظن هنا. الإعتقاد الفاسد. (وإن أنتم إلا تخرصون) تكذبون على الله فيما ادعيتموه (88) وقال صاحب الميزان: الآية تذكر احتجاجهم بهذه الحجة. ثم ترد عليهم بأنهم جاهلون بها. وإنما يركنون فيها إلى الظن

    ____________

    (86) الميزان: 245 / 12.

    (87) سورة الأنعام، الآيتان: 148 - 149.

    (88) ابن كثير: 186 /.


    الصفحة 338
    والتخمين. فإنهم احتجوا بها لإثبات أن شركهم وتحريمهم ما رزقهم الله.

    بإمضاء من الله سبحانه. لا بأس في ذلك.

    فحجتهم: أن الله لو شاء منا خلاف ما نحن عليه من الشرك والتحريم.

    لكنا مضطرين على ترك الشرك والتحريم. فإذا لم يشأ كان ذلك إذنا في الشرك والتحريم فلا بأس بهذا الشرك والتحريم. كانت هذه حجتهم. وهذه الحجة لا تنتج هذه النتيجة. إنما تنتج أن الله سبحانه إذ لم يشأ منهم ذلك. لم يوقعهم موقع الاضطرار والإجبار وفهم مختارون في الشرك والكف عنه. والتحريم وتركه. فله تعالى أن يدعوهم إلى الإيمان به ورفض الافتراض. فلله الحجة البالغة ولا حجة لهم في ذلك. إلا اتباع الظن والتخمين.

    وقوله تعالى: (قل فلله الحجة البلغة فلو شاء لهداكم أجمعين) كأن الفاء الأولى لتفريع مضمون الجملة على ما تقدم من قولهم: (لو شاء الله ما أشر كنا) إلخ والفاء الثانية للتعليل. فيكون الكلام من قبيل قلب الحجة على الخصم بعد بيان مقتضاها. والمعنى: أن نتيجة الحجة قد التبست عليكم بجهلكم واتباعكم الظن وخرصكم في المعارف الإلهية فحجتكم تدل على أن لا حجة لكم في دعوته إياكم إلى رفض الشرك. وترك الافتراء عليه. وأن الحجة إنما هي لله عليكم. فإنه لو شاء لهداكم أجمعين. أجبركم على الإيمان وترك الشرك والتحريم. وإذا لم يجبركم على ذلك. وأبقاكم على الاختيار. فله أن يدعوكم إلى ترك الشرك والتحريم. وبعبارة أخرى: يتفرغ على حجتكم. أن الحجة عليكم. لأنه لو شاء لأجبر على الإيمان. فهداكم أجمعين. ولم يفعل بل جعلكم مختارين. يجوز بذلك دعوتكم إلى ما دعاكم إليه (89).

    وهكذا أخرج فقهاء الإنحراف كل ما في جعبتهم لمواجهة الدعوة الإسلامية في مكة. أرادوا أن يحاصروا الدعوة فزجوا باسم الله في عمليات الصد عن سبيل الله. ولكن حجج الله كانت لهم بالمرصاد. وقلد دخل من باب القضاء والقدر العديد من حملة المعاول التي تهدم الفطرة. وكم مارس فقهاء الانحراف من عمليات التمييع التي نسجت في النهاية شباك التغييب حول الفطرة الأمر الذي أدى

    ____________

    (89) الميزان: 317 / 7.

    الصفحة 339
    بمعظم القافلة البشرية أن تسير بلا هدف. يقترفون كل منكر تحت لافتة لقد أمر الله بهذا ويحرفون كل نص ويقولون لقد شاء الله ذلك ولو شاء غير ذلك ما حرفنا وما تأولنا وما سرنا وراء من ترفضون. إن القول بالجبر لم يقل الإسلام به. لأنه لو قال به لما أقام حجته على العقلاء الذين يقولون أن الخير يجب أن يؤثر والحسن يجب أن يفعل والقبيح يجب أن يجتنب عنه. ويقولون بأنه لا بد من جزاء ومجازاة الإحسان بالإحسان والإساءة. ومن أحكامهم أن الأمر والنهي وكل حكم تشريعي لا يتوجه إلا إلى المختار دون المضطر والمجبر على الفعل. فلو أنه سبحانه أجبر على الطاعات أو المعاصي. لم يكن جزاء المطيع بالجنة والعاصي بالنار إلا جزافا في مورد المطيع. وظلما في مورد العاصي والجزاف والظلم قبيحان عند العقلاء. ولا حجة في قبيح.

    ولكن الإسلام جاء بما تستقيم عليه الفطرة لتغمر الحجة جميع العقلاء والأغبياء وقد قال تعالى: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " (90) ويقول: " ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة " (91) يقول صاحب الميزان (92): إن التشريع ليس مبنيا على أساس الجبر في الأفعال. فالتكاليف مجعولة على وفق مصالح العباد في معاشهم أولا. وهي متوجهة إلى العباد من حيث أنهم مختارون في الفعل والترك ثانيا. والمكلفون إنما يثابون أو يعاقبون بما كسبت أيديهم من خير وشر اختيارا. كما أن ما ينسبه القرآن إلى الله تعالى من الإضلال والخدعة والمكر والإمداد في الطغيان وتسليط الشيطان وتوليته على الإنسان وتقييض القرين ونظائر ذلك جميعها منسوب إليه تعالى على ما يلائم ساحة قدسه ونزاهته تعالى عن ألوان النقص والقبح والمنكر. فإن جميع هذه المعاني راجعة في النهاية إلى الاضلال وشعبه وأنواعه. ليس كل إضلال حتى إضلال البدوي وعلى سبيل الإغفال المنسوب إليه ولا لائق بجنابه تعالى. بل الثابت له الإضلال مجازاة وخذلانا لمن يستقبل بسوء اختياره ذلك كما قال

    ____________

    (90) سورة النساء، الآية: 165.

    (91) سورة الأنفال، الآية: 42.

    (92) الميزان: 95 / 1.

    الصفحة 340
    تعالى: " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين " (93):

    " فلما زاغوا أراغ الله قلوبهم " (94) وقال: " كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب " (95).

    إن معسكر الانحراف دخل من الباب الذي ترفضه الفطرة متاجرين بخلق أفعال العباد كي يحافظوا على شذوذ القديم ويعبرون به إلى المستقبل كي يزدحم طريق الطمس. وقيما سئل أبو الحسن عليه السلام عن أفعال العباد، أهي مخلوقة لله تعالى؟ فقال: لو كان خالقا لها لما تبرأ منها. وقد قال سبحانه: " إن الله برئ من المشركين " ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم. وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم (96) وقيل لأبي عبد الله هل فوض الله الأمر إلى العباد؟ قال: الله أكرم من أن يفوض إليهم. قيل: أأجبر الله العباد على أفعالهم؟ قال: الله أعدل من أن يجبر عبدا على فعل ثم يعذبه عليه (97) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله. ومن زعم أن أخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه " (98) وروي عن الرضا (ع) أنه قال: " إن الله عز وجل لم يطع بإكراه. ولم يعص بغلبة. ولم يهمل العباد في ملكه. هو المالك لما ملكهم. والقادر على ما أقدرهم عليه.

    فإن أمر العباد بطاعته. لم يكن الله منها صادا. ولا منها مانعا. وإن ائتمروا بمعصية فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل. وإن لم يحل فعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ثم قال عليه السلام: من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه " (99).

    وكما تاجر فقهاء الانحراف بقضية الإجبار تاجروا أيضا بلافتة الحسنة والسيئة. وحاولوا وضع رداء التمييع عليها كي تواصل القافلة مسيرها في ظلمة

    ____________

    (93) سورة البقرة، الآية: 26.

    (94) سورة الصف، الآية: 5.

    (95) سورة غافر، الآية: 34.

    (96) الميزان: 101 / 1.

    (97) الميزان: 103 / 1.

    (98) الميزان: 103 / 1.

    (99) الميزان: 99 / 1.

    الصفحة 341
    الليل إلى الدجال. وهم يظنون أن الحسنات والسيئات تلقى عليهم من السماء ليصيب الله بها من يشاء ولا دخل لهم فيما يقترفوه من سيئات. لقد جاء الإسلام ليصحح هذه المفاهيم ليهلك من هلك عن بينة. مبينا أن لكل شئ غاية فمثلا الحياة النباتية لشجرة ما تؤدي إلى إثمارها ثمرة كذا. فهذه الثمرة هي غاية وجودها - فإذا كان هذا هو حال النبات. فما بالك بالإنسان. إن الإنسان له هدف وغاية وعلى امتداد طريقه يصيب الحسنات والسيئات، والحسنات هي الأمور التي يستحسنها الإنسان بالطبع. كالعافية والنعمة والأمن. وكل ذلك من الله.

    والسيئات هي الأمور التي تسوء الإنسان كالمرض والذلة والمسكنة والفتنة. وكل ذلك يعود إلى الإنسان إليه سبحانه. يقول تعالى: " ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم " (100) لا ينافي ذلك رجوع جميع الحسنات والسيئات بنظر كلي آخر إليه تعالى. كما قال سبحانه: " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا * ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " (101) وقال في الميزان: وإياك أن تظن أن الله سبحانه حين أوحى هذه الآية إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم نسي الحقيقة الباهرة التي أبانها بقوله: " الله خالق كل شئ (102) وقوله: " الذي أحسن كل شئ خلقه " (103) فعد سبحانه كل شئ مخلوقا حسنا في نفسه. وقد قال جل شأنه: (وما كان ربك نسيا) (104) وقال: " لا يضل ربي ولا نسي " (105) فمعنى قوله (ما أصابك من حسنة) (الآية) أن ما أصابك من حسنة - وكل ما أصابك حسنة - فمن الله. وما أصابك من سيئة فهي سيئة بالنسبة إليك حيث لا يلائم ما تقصده وتشتهيه وإن كانت في نفسها حسنة فإنما جرتها إليك نفسك باختيار ها السيئ. واستدعتها كذلك من

    ____________

    (100) سورة الأنفال، الآية: 53.

    (101) سورة النساء، الآيتان: 78 - 79.

    (102) سورة الزمر، الآية: 62.

    (103) سورة السجدة، الآية: 7.

    (104) سورة مريم، الآية: 64.

    (105) سورة طه، الآية: 52.

    الصفحة 342
    الله. فالله أجل من أن يبدأك بشر وضر. والآية وإن كانت خصت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخطاب. لكن المعنى عام للجميع. وبعبارة أخرى. هذه الآية والآيتين الأخريين (ذلك بأن الله لم يك مغيرا) " الآية " (وما أصابكم من مصيبة) " الآية " متكفلة الخطاب الإجتماعي لتلفها للخطاب الفردي.

    فإن للمجتمع الإنساني كينونة إنسانية وإرادة واختيارا غير ما للفرد من ذلك، فالمجتمع ذو كينونة يستهلك فيها الماضون والغابرون من أفراده. ويؤاخذ متأخر وهم بسيئات المتقدمين. وليس يصح ذلك في الفرد بحسب حكمه في نفسه أبدا. فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصيب في غزوة أحد في وجهه وثناياه. وأصيب المسلمون بما أصيبوا. هو صلى الله عليه وآله وسلم نبي معصوم إن أسند ما أصيب به إلى مجتمعه وقد خالفوا أمر الله ورسوله. كان ذلك مصيبة سيئة صابته بما كسبت أيدي مجتمعه وهو فيهم كموسى عليه السلام فقد أصاب بني إسرائيل عذاب التيه في الصحراء بما كسبت أيديهم كان موسى عليه السلام فيهم - وإن أسند إلى شخصه الشريف كان ذلك محنة إلهية أصابته في سبيل الله. وفي طريق دعوته الطاهرة إلى الله على بصيرة. فإنما هي نعمة رافعة الدرجات. وكذا كل ما ما أصاب قوما من السيئات إنما تستند إلى أعمالهم على ما يراه القرآن ولا يرى إلا الحق. وأن ما أصابهم من الحسنات فمن الله سبحانه...

    والله تعالى يذكر في آياته، أن شيئا من خلقه لا يقدر على شئ مما يقصده من الغاية. ولا يهتدي إلى خير إلا بإقدار الله وهدايته قال تعالى: " الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " (106) وقال تعالى: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكي منكم من أحد أبدا " (107) ويتبين بهاتين الآيتين وما تقدم من معنى آخر.

    لكون الحسنات لله عز اسمه. وهو أن الإنسان لا يملك حسنة إلا بتمليك من الله وإيصال منه. فالحسنات كلها لله والسيئات للإنسان. وبه يظهر معنى قوله تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فلله سبحانه الحسنات بما أن كل حسن مخلوق له. والخلق والحسن لا ينفكان. وله

    ____________

    (106) سورة طه، الآية: 50.

    (107) سورة النور، الآية: 21.

    الصفحة 343
    الحسنات بما أنها خيرات. بيده الخير لا يملكه غيره إلا بتمليكه. ولا ينسب إليه شئ من السيئات من حيث إنها سيئة غير مخلوقة وشأنه الخلق. وإنما السيئة فقدان الإنسان مثلا رحمة من لدنه تعالى أمسك عنها بما قدمت أيدي الناس (108) وهكذا أطاح الإسلام بالحجة الشيطانية التي أراد بها فقهاء الشيطان أن يتخذوا منها سندا شرعيا لإضلال أكثر الناس والسير بهم في طريق القهقري الذي يحمل أعلام الغايات الشيطانية.

    ثانيا: هدم الأهواء الشيطانية:

    بعد أن طرح فقهاء الشيطان فكر اللافكر وعلم اللاعلم من داخل باب القضاء والقدر والحسنة والسيئة. حاصروا الفطرة بعلوم الأهواء التي تتميز بأنها لا غاية لها ولا هدف إلا الصب في نهاية المطاف داخل الوعاء الشيطاني. والإسلام في مكة بعد أن قام بتصحيح النظر في الكون ودل الإنسان على الطريق المستقيم مبينا له أنه ليس حصاة ملقاة على قارعة الطريق تحركها الأقدام والرياح حيث تريد. خاطب رسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الإنسان في أعماقه. كي يأخذ الإنسان بأسباب النجاة ويحطم الأصنام الراسخة في نفسه. لقد أخبرهم بأن اتباع الأهواء فيه تحقير منهم للكون وإذا كان الأقدمون قد حقروا وانتقصوا من الإنسان. فإن أبناءهم قاموا بتوسيع رقعة التحقير لتشمل الكون كله وذلك لأن اتباعهم للهوى يقتضي بأن يأتيهم الله بتشريع يلائم الأهواء وفي هذا مفسدة للتدبير السائد في الكون قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل آتيناهم بذكر هم فهم عن ذكر هم معرضون " (109) قال المفسرون: إن الإنسان حقيقة كونية مرتبطة في وجودها بالكون العام. وله في نوعيته غاية هي سعادته. وقد خط له طريق إلى سعادته وكماله ينالها بطي الطريق المنصوب إليها نطير غيره من الأنواع الموجودة.

    وقد جهزه الكون العام وخلقته الخاصة به من القوي والآلات بما يناسب سعادته والطريق المنصوب إليها. وهي الإعتقاد والعمل اللذان ينتهيان به إلى سعادته.

    ____________

    (108) الميزان: 15 / 5.

    (109) سورة المؤمنون، الآية: 71.

    الصفحة 344
    فالطريق التي تنتهي بالإنسان إلى سعادته. أعني الإعتقادات والأعمال الخاصة المتوسطة بينه وبين سعادته. وهي التي تسمي بالدين وسنة الحياة. فتعينه حسب اقتضاء النظام العام الكوني والنظام الخاص الإنساني الذي نسميه الفطرة وتابعه لذلك. وهذا هو الذي يشير إليه تعالى بقوله: " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها " (110) فسنة الحياة التي تنتهي بسالكها إلى السعادة الإنسانية طريقة متعينة يقتضيها النظام بالحق. وتكشف عنها تجهيزات وجوده بالحق. وهذا الحق هو القوانين الثابتة غير المتغيرة التي تحكم في النظام الكوني الذي أحد أجزائه النظام الإنساني. وتدبره وتسوقه إلى غاياته وهو الذي قضى به الله سبحانه فكان حتما مقضيا. فلو اتبع الحق أهواءهم. فاقتضى لهم من الشرع ما تجازف به أهواؤهم. لم يكن ذلك إلا بتغير أجزاء الكون عما هي عليه وتبدل العلل والأسباب غيرها. وتغير الروابط المنتظمة إلى روابط جزافية مختلة متدافعة توافق مقتضياتها ومجازفات أهوائهم. وفي ذلك فساد السماوات والأرض ومن فيهن في أنفسها والتدبير الجاري فيها. لأن كينونتها وتدبيرها مختلطان غير متمايزين. والخلق والأمر متصلان غير منفصلين (111) بين لهم أن أهل الأهواء يطالبون بتشريع ينسجم مع ما يهوونه من الإعتقاد والعمل وما يريدوه من الفحشاء والمنكر والفساد. وبما أن الهوى لا يقف عند حد ولا يستقر على قرار. فإنهم يريدون مع كل جيل كونا جديدا ينسجم مع حركتهم. وهذا خبر فطرة الوجود.

    ولكن طابور الأهواء في معسكر الانحراف وقف على حطام حججه التي حطمها الإسلام له. أمسك بذيول آبائه ليكمل مسيرة الانحراف حتى نهايتها. وبعد قيام الحجة عليه أوصى تعالى إلى رسوله: " ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين " (112) قال المفسرون: أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم باتباع ما يوحي إليه من الدين وأن لا يتبع أهواء الجاهلين المخالفة للدين الحق. ويظهر من الآية. أن كل حكم عملي لم يستند

    ____________

    (110) سورة الروم، الآية: 3.

    (111) الميزان: 47 / 15.

    (112) سورة الجاثية، الآيتان: 18 - 19.

    الصفحة 345
    إلى الوحي الإلهي ولم ينته إليه فهو هوى من أهواء الجاهلين غير منتسب إلى العلم. قوله: (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) أي أن لك إلى الله سبحانه حوائج ضرورية لا يرفعها إلا هو. والذريعة إلى ذلك اتباع دينه لا غير. فلا يغني عنك هؤلاء الذين اتبعت أهواءهم شيئا من الأشياء إليها الحاجة أو لا يغني شيئا من الإغناء. قوله: (إن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين) المراد بالظالمين المتبعون لأهوائهم المبتدعة وبالمتقين المتبعين لدين الله. والمعنى:

    إن الله ولي الذين يتبعون دينه لأنهم متقون والله وليهم. والذين يتبعون أهواء الجهلة. ليس هو تعالى وليا لهم. بل بعضهم أولياء بعض لأنهم ظالمون.

    حتى يكونوا أولياء لك لا يغنون عنك من الله شيئا. وتسمية المتبعين لغير دين الله بالظالمين هو الموافق (113) لما يستفاد من قوله تعالى: (أن لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وبالآخرة هم كافرون (114).

    فأهل الأهواء بجميع أنواعها وألوانها يربطهم جميعا رباط واحد. ويسرون في اتجاه واحد يحدده طريق الطمس الذي يسير القردة عليه أدلة لمن خلفهم.

    وهم ما سلكوا هذا الطريق إلا بعد أن رفضوا الطريق الحق. قال تعالى لرسوله:

    " أرأيت من تخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا * أم تحسب أن أكثر هم يسمعون أو يعقلون إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا " (115) قال المفسرون: المراد باتخاذ الهوى إلها: طاعته واتباعه من دون الله. وقد أكثر الله سبحانه في كتابه ذم اتباع الهوى. وعد طاعة الشئ عبادة له في قوله: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدون " (116) وقوله: (أفأنت تكون عليه وكيلا) أي لست أنت وكيلا عليه قائما على نفسه وبأموره حتى تهديه إلى سبيل الرشد. فليس في مقدرتك ذلك. وقد أضله

    ____________

    (113) الميزان: 167 / 18.

    (114) سورة الأعراف، الآيتان: 44 - 45.

    (115) سورة الفرقان، الآيتان: 43 - 44.

    (116) سورة يس، الآيتان: 60 - 61.

    الصفحة 346
    الله وقطع عنه أسباب الهداية وفي معناه قوله تعالى: " إنك لا تهدي من أحبت " (117) وقوله: " وما أنت بمسمع من في القبور " (118) والآية كالإكمال للتفصيل الذي في قوله: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه مجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله " (119).

    ثم يقول الله تعالى لرسوله: بل أتظن أن أكثرهم لهم استعداد لسماع الحق ليتبعه. أو استعداد عقل الحق ليتبعه فترجوا اهتداءهم فتبالغ في دعوتهم (إن هم إلا كالأنعام) أي أن أكثرهم لا يسمعون ولا يعقلون. أي أنهم ليسوا إلا كالأنعام والبهائم في أنها لا تعقل ولا تسمع إلا اللفظ دون المعنى (بل أضل سبيلا) أي من الأنعام. وذلك أن الأنعام لا تقتحم على ما يضر ها. وهؤلاء يرجحون ما يضرهم على ما ينفعهم. وأيضا الأنعام إن ضلت عن سبيل الحق. فإنها لم تجهز في خلقتها بما يهديها إليه. وهؤلاء مجهزون وقد ضلوا (120).

    إن طابور الأهواء لم يبنوا شركهم على التعقل. بل اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم. لقد ظلموا أنفسهم أولا فأدى بهم هذا الظلم إلى ركوب طريق الضلال. يقول تعالى: " بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله " (121) قال المفسرون: كان مقتضى الظاهر أن يقال: بل اتبع الذين أشركوا. ولكنه قال: (بل اتبع الذين ظلموا) فوصفهم بالظلم ليتعلل به ما سيصفهم بالضلال بعد ذلك في قوله: (فمن يهدي من أضل الله) فالظلم يستتبع الإضلال الإلهي. قال تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين * ويفعل الله ما يشاء) * (122).

    إن الرسالة الخاتمة كانت رحمة من الله للعالمين. لقد قامت بتعرية طريق السلف الذي التقط المنهج الشيطاني. في أول الطريق. وقام بتعرية حججهم

    ____________

    (117) سورة القصص، الآية: 56.

    (118) سورة فاطر، الآية: 22.

    (119) سورة الجاثية، الآية: 23.

    (120) الميزان: 224 / 15.

    (121) سورة الروم، الآية: 29.

    (122) الميزان: 177 / 16.

    الصفحة 347
    الواهية التي صاغوا لتحفظ لهم سنتهم القومية وترتع فيها أهواؤهم. وتعرية الإسلام لطريق الانحراف الهدف منه إقامة حجة الصراط المستقيم. ولم يكن الهدف في يوم من الأيام إكراه الناس على الإيمان. كما ادعى طابور الانحراف . الشذوذ على امتداد تاريخه. قال تعالى لرسوله: " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " (123) قال المفسرون: والمعنى في الآيات: لا تأسف عليهم. واتل ما يوحى إليك واصبر نفسك مع المؤمنين الفقراء وقل للكفار: الحق من ربكم. ولا تزد على ذلك. فمن شاء منهم أن يؤمن فليؤمن ومن شاء منهم أن يكفر فليكفر. فليس ينفعنا إيمانهم ولا يضرنا كفرهم. بل ما في ذلك من نفع أو ضرب وثواب أو تبعه عذاب عائد إليهم أنفسهم فليختاروا ما شاؤوا فقد اعتدنا للظالمين النار وللصالحين جنات تجري من تحتها الأنهار (124) وقال تعالى: " إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم " (125) قال المفسرون: أي إن تكفروا بالله فلم توحدوه. فإنه غني عنكم لذاته لا ينتفع بإيمانكم وطاعتكم ولا يتضرر بكفركم ومعصيتكم. فالنفع والضرر إنما يتحققان في مجال الإمكان والحاجة. وأما الواجب الغني بذاته فلا يتصور في حقه انتفاع ولا تضرر وقوله: (ولا يرضى لعباده الكفر) دفع لما ربما يمكن أن يتوهم من قوله: (فإن الله غني عنكم) إنه إذا لم يتضرر بكفر ولم ينتفع بإيمان. فلا موجب له أن يريد منا الإيمان والشكر فدفعه بأن تعلق العناية الإلهية بكم يقتضي أن لا يرضى بكفركم وأنتم عباده. والمراد بالكفر كفر النعمة الذي هو ترك الشكر بقرينة مقابلة قوله: (وإن تشكروا يرضه لكم) والمحصل: أنكم عباد مملوكون لله سبحانه منغمرون في نعمه ورابطة المولوية والعبودية. وهي نسبة المالكية والمملوكية. لا تلائمه أن يكفر العبد بنعمة سيده فينسى ولاية مولاه ويتخذ لنفسه أولياء من دونه ويعصي المولى ويطيع عدوه وهو عبد عليه طابع العبودية لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا (126).

    ____________

    (123) سورة الكهف، الآية: 29.

    (124) الميزان: 304 / 13.

    (125) سورة الزمر، الآية الآية: 7.

    (126) الميزان: 239 / 17.

    الصفحة 348
    إن الإسلام عندما قام بتحطيم السلف الوثني وحججه كان يفسح الطريق أمام الإنسانية كي تتبين خطاها وتأخذ بأسباب الهدى. بعد أن أوحى الشيطان إلى أوليائه كي يفتحوا أبواب الفتن ويدخلوا من باب رافعين رايات القضاء والقدر والحسنة والسيئة تارة وحرية الإنسان الشخصية تارة أخرى. وأولياء الشيطان اعتبروا أن هذه أقرب الطريق للدخول بأكثر الناس تحت ظلال الظلام الشيطانية من أجل تتفيذ المخطط الشيطاني الذي حمله الشيطان على عاتقه منذ أن رفض السجود لآدم. وبينما كان فقهاء الشيطان وتلاميذه يسيرون نحو غاياتهم. كانت سهامهم توجه إلى صدر الإسلام فيتهمونه تارة بأنه دين جامد لم يقدم دليلا على أنه من عند الله وتارة أخرى على أنه دين يصادر الحرية ولا هم له إلا السلب والنهب!

    وإذا كنا هنا لم نقدم سوى بعض من الآيات المكية فقط. فإننا نقول لمعسكر الانحراف. هل في حجج الإسلام سلب ونهب وإكراه؟ هل وجدتم جمود؟ هل علم معسكر الانحراف نظام أعطى خصومه الحرية الكاملة الإبداء آرائهم وصححها بما يخدم إنسانيتهم أكثر من الإسلام؟ إن الإسلام جاء ليتكلم هو لن يتكلم إلا إذا تكلم الطرف الآخر. وبعد أن يقول الإسلام كلمته يذر الظالمين يخوضوا ويلعبوا حتى يأتيهم اليوم الذي يوعدون. فهل في هذا إكراه وإجبار؟ فإذا كانت الإجابة بلا.. فلماذا قلتم وتقولون وستقولون عن الإسلام بأنه دين للجمود والدماء؟ إن القول الذي تقولون به من ثقافة طريق الطمس والإسلام أسمي من أن ينظر في ثقافة قردية الطمس فهؤلاء لهم يوم حدده الله. وفيه يكون عذاب الاستئصال. ونحن وإياكم في انتظاره. إن الزيت السلفي بدأ في الجفاف على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. والذين تاجروا بالأديان أصبحت تجارتهم راكدة. إن الجفاف الأكبر قادم. معه ستقطع حبال الأهواء التي يتدلى فيها أبناء الانحراف. وسيسقطون بينما تكون قوافل الهدى التي على الصراط المستقيم ترتل كتاب ربها بآياته التي قرأها رسولهم أول مرة. والله ولي المتقين.

    5 - لبنات المجتمع الصالح:

    لقد أيقظ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الفكر عند من أراد العودة إلى الله. وجعل قلوبهم عامرة بذكر الله ولم الدعوة مقتصرة على ضرب الانحراف