مقدمة المركز
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الاَمين محمد المصطفى
وآله الطيبين الطاهرين.
لم يعد الحديث عن الاِيمان حديثاً تكرارياً، ولا خطاباً «رجعياً» كما كان يذاع من
قبل الدعوات المادية وهي في ذروة تصاعدها وفي طور التأسيس لكياناتها
المستقلّة، لم يعد كذلك بعد أن وجدت هذه الدعوات نفسها مضطرة إلى استعارة
الكثير من قيم الاِيمان ومبادئه السامية.. ذلك حين أثبتت لها تجارب الحياة ان دعوتها
المادية إنّما هي «مثالية» من نمط آخر، إذ أنها كانت تريد أن تصنع انساناً غير هذا
الانسان، أو أنها كانت تظنّ ان ما جاءت به الاَديان إنّما هو محض خرافة، فلمّا
عركتها التجارب أدركت بأنّها غارقة في خيال بعيد حين خيل إليها إنّ الاِنسان ما هو
إلاّ كتلة من اللحم والدم والعظام التي يجب أن تعيش في اطار هذه المكونات
ـ ولاَجلها وحسب ـ فمن الطبيعي ان تهزم مثل هذه الاَفكار أمام طبيعة الاِنسان
الثنائية التي لا يمكن الغاء إحدى قطبيها بحال من الاَحوال.. فلم يعد الاِيمان إذن
حديث خرافة انما هو حديث طبيعة الاِنسان وطبيعة الحياة أيضاً.
ومن ناحية أُخرى، عندما ندقق النظر، نجد أن القرآن الكريم حين تحدث عن
الايمان، فقد تحدث عنه في أبعاد متعددة، ولم يجعله حديثاً تأنس به الروح في
يومها من أجل أن تطمئن لغدها، اُنساً صوفياً وحسب.
لقد تحدث القرآن عن الاِيمان كقضية فرد يرجو لقاء ربه والفوز في الحياة
الآخرة: (إنَّ الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحاتِ اُولئكَ هُم خَيرُ البريَّةِ).
(أفَمَن كانَ مُؤمِناً كَمَن كانَ فاسِقاً لا يَستَوونَ)، (كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ
تأمُرُونَ بالمعروفِ وتَنهونَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤمِنُونَ باللهِ).
وتحدّث عنه كقضية مجتمع وأُمّة، لها دورها الاَكبر في تقرير مصيرها الحضاري
ووجودها على الاَرض: (وألَّوِ استَقَامُوا على الطَّريقةِ لاَسقيناهُم مَّآءً غَدَقاً).
(ولو أنَّ أهلَ القُرى آمنُوا واتّقوا لفَتَحنا عَليهِم بَرَكاتٍ مِّنَ السَّمآءِ والاَرضِ ولكن
كذَّبُوا فأخذناهُم بِما كانُوا يَكسِبُونَ).
وتحدث عنه قيماً إنسانية عالية كفيلة بصنع المجتمع الاَمثل: (تِلكَ الدَّارُ
الآخِرةُ نَجعَلُها لِلَّذينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً في الاَرضِ ولا فَسَاداً والعاقِبَةُ لِلمُتَّقينَ).
هذه هي صورة الاِيمان وحقيقته، وهذه هي أبعاده، فليس هو اُنساً صوفياً يحبس
المرء في صومعته، ولا هو مجرّد دعوى تلجُّ بها الاَلسن أيضاً، بل هو الآفاق
الشاسعة التي تتعلق بالفكر والسلوك والنظم والعلائق الاِنسانية بأسرها، وهي آفاق
واسعة جداً يضيق المدلول اللغوي لكلمة (الاِيمان) عن ضبطها وحصرها، فضلاً عن
احتوائها. ولهذا كان الاِيمان سراً في نهضة أُمم وازدهارها، وكان الكفر سرّاً في
انهيارها وضياعها.
إذن، حينما ندرس الاِيمان والكفر، فلسنا ننهمك في مداعبة الروح وتخديرها
بالآمال، ولا تخويفها بالاَهوال، كما قد يتخيل البعض بنظرة تبسيطية سطحية،
وإنّما ندرس في الواقع معادلات الحياة البشرية كلّها، والتي يشكل الفرد والمجتمع
أبرز محاورها.
وإذ يولي مركزنا هذا الموضوع اهتمامه من خلال هذا الاصدار فهو لا يدعي أنه
قد وفى لهذا الموضوع حقّه واستوعب جوانبه وإن ألقى المزيد من النور على
حقائقه الكبرى، لا لاَجل توسيع آفاق المعرفة بهذا الموضوع، أو تثقيف العقول
برصيده الفكري الضخم فحسب، وإنّما لاَجل أن تستحيل تلك المعرفة إلى طاقة
محركة وقوة دافعة تصبغ الواقع الاِنساني في اطار الضمير والشعور بصبغة محاور
الاِيمان النقية الخيرة، وتتمثل في حياة الفرد والمجتمع نظاماً وخلقاً.
والله تعالى هو المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل
مركز الرسالة
المقدِّمة
الحمدُ لله الذي حبَّبَ الاِيمان لعباده، وزيّنَهُ في قلوبهم، وكَرَّهَ إليهم
الكُفر والفُسوقَ والعصيانَ. والصلاة والسلام على منار المؤمنين وقبلتهم
ومبير الكافرين وأعوانهم أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين،
وبعد..
لا يخفى أنَّ الاِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله هو ذروة العقيدة الحقّة
وسنام الدين الاَعلى، مما ينبغي على المسلمين في كل عصر وجيل أن
يكون (الاِيمان) هو المقياس الحقيقي للتفاضل بينهم بعيداً عن جميع
الاعتبارات الاُخرى التي لم يعطها كتاب الله العزيز قيمة ولا وزناً، وهو
ليس شعاراً يرفعه من يشاء، وإنما هو سلوك وأدب وخلق وممارسة
تتجسد في حياة الفرد بالحرص الشديد على بغض كل شر وحب كل خير
وبثه.
وإذا كان كل مولود يولد مؤمناً على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو
ينصرانه أو يمجسانه، فإنّ هذا المبدأ الاستعدادي للاِيمان منذ الوهلة
الاُولى لكلِّ مولود جديد غير كافٍ للوصول إلى الغاية الواضحة التي
رسمها القرآن الكريم للاِيمان ما لم يقترن ذلك الاستعداد بتربية صحيحة
وتوجيه سديد وتعليم متقن، وإلاّ فلا بدَّ من اهتزاز المثل الاِيمانية الرفيعة
التي تؤدي إلى انحسار الاِيمان الحق شيئاً فشيئاً إلى أن ينسحب ظله من
النفوس لا قدّر الله.
ولا أخال أحداً عاقلاً لا يعي ما للاِيمان من دور فعّال في حياة الفرد
والمجتمع، فنظرة واحدة إلى ما أحرزته الاُمم المتقدمة من انتصارات
كبيرة في الاَبعاد المادية كتسخيرها للطبيعة وتحقيقها تقدماً باهراً في
الطب والتصنيع والاتصال، تكفي شاهداً على ما نقول، لاَنَّ هذا التقدّم لم
يؤثّر إيجابياً في حياتها النفسية، فلم تجد الطمأنينة والاَمن النفسي بعد،
ولم تذق طعم السلام إلى اليوم، وتنتاب أفرادها موجة من الشك والقلق
والخوف من المستقبل، تدفعهم إلى الهروب من الحياة أو الانتحار الذي
أصبح ظاهرة ملفتة للنظر في المجتمعات الغربية، لذلك أخذ علماؤها
ومفكروها يدقون أجراس الخطر.
كما لم يؤثّر التقدم المادي المشهود في أبعادها الخُلقية إذ يلاحظ كثرة
وتنوع مظاهر الفساد في أكثر البلدان وتفشي ظاهرة الجريمة والشذوذ
وتعاطي المخدرات على أوسع نطاق. وفوق ذلك لم يحدث تطور في
تصور الاِنسان عن غاية الوجود وأهداف الحياة الاِنسانية.
والمثير في الاَمر بروز مظاهر جديدة للكفر تقف وراءها مؤسسات
عملاقة أخذت تحارب الاِسلام وتحاول النيل من مبادئه والحط من مكانة
ومصداقية رموزه.
وأخذت دائرة الكفر تتسع بظهور جماعات تنتشر في كافة القارات،
وتدعوا ـ علناً ـ لعبادة الشيطان !، وقد أوجدت لهذه الغاية طقوساً خاصة
وأماكن مخصصة، مستفيدة من أحدث وسائل الاتصال لنشر أفكارها
الهدّامة، لذلك وجدنا الحاجة ماسة للحديث عن قضية الاِيمان والكفر،
ونعتقد أنها من القضايا الحيوية الاَولية التي يجب إعطاءها ما تستحقه من
أهمية.
صحيح أنّ هناك من تضيق عدسة الرؤية لديه، ولا يرغب الحديث عن
الاِيمان والكفر، ويرى أنها قضية جانبية هامشية، وأنّ في الدّنيا قضايا
حياتية أهم. ولكن غاب عن هؤلاء أنّها من القضايا المصيرية التي يتوقف
عليها مصير الفرد والمجتمع معاً. خصوصاً وأنّ الاِيمان مصدر خير
للبشرية، وأنّ الكفر مصدر شرٍّ لها عبر تاريخها الطويل، فقد كبّل عقول
الناس بالخرافات والاَساطير وحط من أخلاقهم وحال دون رقيهم، كما
جلب لهم الخصام والتنازع ولم يذوقوا طعم السلام.
ولاَجل بيان ما يلزم بيانه، قسّمنا البحث على فصول أربعة وخاتمة،
آملين أن تسهم في تشخيص معالم الكفر والاِيمان وبيان أثرهما على الفرد
والمجتمع كخطوة مباركة ـ إن شاء الله ـ في دعم فطرة الاِنسان الاولى
وتقويتها وصيانتها والحفاظ عليها من مغبة الانزلاق في مسالك الحياة
المادية مع الاَخذ بيد المؤمنين إلى ما يقوي إيمانهم ويرفعه درجات.
ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق
الفصل الاَول
الاِيمان وعلامات المؤمن
المبحث الاَول: معنى الاِيمان ومسمّاه
أصل الاِيمان: الاذعان إلى الحقِّ على سبيل التصديق له واليقين.
ولكنه صار اسماً لشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1).
واختلفوا في مسمى الاِيمان في العرف الشرعي.
فقد ذهب المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث إلى أنّ الاِيمان
اسم لاَفعال القلوب والجوارح مع الاقرار باللسان. وأنّ الاِيمان يتناول
طاعة الله ومعرفته مع ما جعل الله تعالى عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً في
الكتاب والسُنّة المطهّرة. وأنّ الاخلال بواحد من هذه الاُمور كفرٌ.
وذهب أبو حنيفة والاَشعري إلى أنّ الاِيمان يحصل بالقلب واللسان معاً.
وهناك فريق ثالث يرى أنّ الاِيمان عبارة عن الاعتقاد بالقلب فقط.
وتبلور عنه اتجاه يحصر الاِيمان في نطاق ضيق هو معرفة الله بالقلب حتى
____________
(1) الذريعة إلى مكارم الشريعة، للراغب الاصفهاني: 100 مكتبة الكليات الازهرية ـ مصر
1393 هـ ط1.
أنّ من عرف الله ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقرّ به فهو مؤمن كامل
الاِيمان.
وبالمقابل برز فريق رابع يرى أنّ الاِيمان ـ حصراً ـ هو الاِقرار باللسان
فقط.
وتبلور عنه إتجاه يرى أنّ الاِيمان هو إقرار باللسان ولكن بشرط حصول
المعرفة في القلب (1).
ولكن التدبر في آيات القرآن الكريم يكشف حقيقة أُخرى للاِيمان
بعيدة عن كلِّ ما تقدم، وهي أنّ الاِيمان ليس مجرد العلم بالشيء والجزم
بكونه حقاً، لاَنَّ الذين تبين لهم الهدى لم يردعهم ذلك عن الارتداد على
أدبارهم ولم يمنعهم من الكفر والصد عن سبيل الله ومشاققة الرسول كما
في قوله تعالى: (إنَّ الَّذين ارتَدُّوا على ادبارِهم مِنْ بَعدِ ما تَبينَ لهَمُ الهُدى...
إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وصَدَّوا عَن سَبِيلِ اللهِ وشَاقُّوا الرسُولَ مِن بَعدِ ما تَبيَنَ لهُم
الهُدى) (2) ومنهم من أضله الله على علم (3).
فالعلم إذن لا يكفي وحده في المقام ما لم يكن هناك نوع التزام
بمقتضاه وعقد القلب على مؤداه بحيث تترتب عليه آثاره ولو في الجملة.
ومن هنا يظهر بطلان ما قيل: أنّ الاِيمان هو العمل، وذلك لاَنّ العمل
يجامع النفاق، فالمنافق له عمل، وربما كان ممن ظهر له الحق ظهوراً
____________
(1) التفسير الكبير، للفخر الرازي 1: 23، 25 الجزء الثاني.
(2) سورة محمد 47: 25 و 32.
(3) كما في سورة الجاثية 45: 33 (وأضله الله على علم).
علمياً، ولا إيمان له على أي حال (1).
وفي هذا الخصوص، وردت أحاديث كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام
تعكس التصور الاِيماني الصحيح وفق نظرة شمولية ترى أنّ الاِيمان هو
عقد بالقلب وقول باللِّسان وعمل بالاركان.
سُئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الاِيمان، فقال: «الاِيمان معرفة بالقلب،
وإقرار باللسان، وعمل بالاَركان»(2).
وقال الاِمام الباقر عليه السلام في معرض تفريقه بين الاِسلام والاِيمان:
«الاِيمان إقرار وعمل والاِسلام إقرار بلا عمل» (3).
ويؤكد الاِمام الصادق عليه السلام على قاعدة التلازم بين القول والعمل في
تحقق مفهوم الاِيمان، فيقول: «ليس الاِيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن
الاِيمان ما خلص في القلوب وصدّقته الاَعمال» (4). وعن سلام الجعفي
قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الاِيمان فقال: «الاِيمان أن يطاع الله فلا
يعصى» (5).
ويتضح من خلال تلك الاَحاديث ونظائرها أنّ أهل البيت عليهم السلام قد
رفضوا كون الاِيمان مجرد إقرار باللسان، أو اعتقاد بالقلب، أو بهما معاً؛
لاَنه فهم سطحي قاصر، إذ هكذا إيمان لا روح فيه ولا حياة، ما لم يقترن
____________
(1) تفسير الميزان، للعلاّمة الطباطبائي 18: 259 مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت 1393 هـ ط2.
(2) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 508 | حكم 227.
(3) تحف العقول: 297.
(4) تحف العقول: 370.
(5) اُصول الكافي 2: 33 | 3 كتاب الاِيمان والكفر.
بالطاعة المطلقة لله وتنفيذ ما أمر والنهي عما زجر كل ذلك في دائرة
الوعي والسلوك والعمل.
هذا، وتبلغ دائرة الاِيمان أقصى إتساع لها في جواب الاِمام
الصادق عليه السلام على سؤال عجلان أبي صالح عندما سأله عن حدود الاِيمان،
فقال عليه السلام: «شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله، والاِقرار بما جاء
به من عند الله، وصلاة الخمس، وأداء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحجّ
البيت، وولاية وليّنا، وعداوة عدّونا، والدخول مع الصادقين» (1).
وهكذا نجد أنّ مفهوم الاِيمان في مدرسة أهل البيت عليهم السلام يتجاوز دائرة
الاعتقاد المنسلخ عن السلوك، ويرتكز على رؤية موحدة ومترابطة
تذهب إلى أنّ الاعتقاد القلبي متقدم رتبياً على الاِقرار اللفظي، ولا بدَّ من
أن يتجسد هذا الاعتقاد وذلك الاِقرار إلى سلوك سوي. ثم إنّ كلّ تفكيك
بين الاِيمان وبين العمل يفتح الباب على مصراعيه أمام النفاق والمظاهر
الخادعة والدعاوى الباطلة. وعلى هذا الاَساس قال الاِمام الصادق عليه السلام:
«الكفر إقرارٌ من العبد فلا يُكلف بعد إقراره ببيّنة، والاِيمان دعوى لايجوز
إلا ببيّنة وبينته عمله ونيته» (2).
فالاِمام عليه السلام في هذا الحديث يضع ميزاناً دقيقاً للاِيمان يرتكز في أحد
كفتيه على الباطن الذي تعكسه نية الفرد وانعقاد قلبه على الاِيمان، وفي
الكفة الاُخرى يرتكز على الظاهر الذي يتمثل بعمله وسلوكه السوي الذين
يكونا كمرآة صافية لتلك النية.
____________
(1) اُصول الكافي 2: 18 | 2 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) اُصول الكافي 2: 40 | 8 كتاب الاِيمان والكفر.
ومن هنا يؤكد الاَئمة عليهم السلام على أنّ الاِيمان كل لا يتجزأ، ويرتكز على
ثلاث مقومات: الاعتقاد والاِقرار والعمل.
فعن أبي الصلت الهروي، قال: سألت الرضا عليه السلام عن الاِيمان، فقال عليه السلام:
«الاِيمان عقد بالقلب ولفظ باللسان، وعمل بالجوارح، ولا يكون الاِيمان
إلاّ هكذا» (1).
تأمل جيداً في العبارة الاَخيرة من الحديث «... ولا يكون الاِيمان إلاّ
هكذا» فهي خير شاهد على النظرة الشمولية غير التجزيئية للاِيمان التي
تتبناها مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
ولم تنطلق تلك النظرة من فراغ، أو جرّاء التأثر بالمدارس الكلامية،
وإنما هي ربانية التلقي نبوية التوجيه، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «الاِيمان والعمل
شريكان في قرن، لا يقبل الله تعالى أحدهما إلاّ بصاحبه» (2).
ثم أنّ هذه النظرة الشمولية للاِيمان ـ بمقوماتها الثلاثة ـ تستقي من
منابع قرآنية صافية، يقول العلاّمة الراغب الاصفهاني: «والاِيمان يُستعمل
تارة اسماً للشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام وعلى ذلك:
(إنَّ الَّذينَ آمنُوا والَّذين هادُوا والصّابئينَ) (3) ويُوصف به كلُّ من دخل
في شريعته مُقراً بالله وبنبوَّته، قيل وعلى هذا قال تعالى: (وما يؤمِنُ
أكثرهُمُ باللهِ إلاّ وهُم مُشرِكُونَ) (4) وتارةً يستعمل على سبيل المدح ويُراد
____________
(1) معاني الاخبار: 186 باب الاِيمان والاِسلام.
(2) كنز العمال 1: 95 | 422.
(3) سورة الحج 22: 17.
(4) سورة يوسف 12: 106.
به إذعانُ النَّفس للحقِّ على سبيل التصديق وذلك باجتماع ثلاثة أشياء:
تحقيقٌ بالقلب، وإقرار باللِّسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى
هذا قوله: (والَّذينَ آمنُوا باللهِ ورُسُلهِ أولئكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ) (1).
وإن قال قائل: إنَّ الله سبحانه قال: (والَّذينَ آمنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أولئِكَ أصحابُ الجَنَّةِ) (2) والعطف دليل التغاير، ومعنى هذا أنَّ العمل
ليس جزءاً في مفهوم الاِيمان. قلنا في جوابه: المراد بالاِيمان هنا مجرَّد
التصديق تماماً كقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف: (وما أنت بمؤمنٍ لنا
ولو كُنَّا صادقين) (3)أمّا أكمل الاِيمان فهو أن يعمل حامله بموجب
إيمانه، ويؤثره على ميوله وأهوائه ويتجشم الصعاب من أجله لا لشيء إلاّ
طاعة لاَمر الله (4).
وصفوة القول إنّ الاِيمان برنامج حياة كامل، لا مجرد نية تُعقد بالقلب،
أو كلمة تقال باللِّسان بلا رصيد من العمل الايجابي المثمر.
ونخلص إلى القول بأنّ للايمان مرتبتين، تعني الاُولى منهما: التصديق
بقول «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله» وهذا هو الحد الاَدنى من الايمان،
وهو الايمان بمعناه الاَعم الذي يصدق على كل من دخل في دين الاِسلام
مقراً بالله وبنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
____________
(1) مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الاصفهاني: 26 المكتبة المرتضوية. والآية من سورة الحديد
57: 17.
(2) سورة البقرة 2: 82.
(3) سورة يوسف 12: 17.
(4) في ظلال الصحيفة السجادية، للشيخ محمد جواد مغنية: 181.
فيما يراد بالمرتبة الثانية من الاِيمان ما هو فوق التصديق من الاقرار
باللسان والعمل بالاركان، أي التزام مبادىء الشريعة الاِسلامية
وأحكامها، من أداء الواجبات والعمل بالطاعات وتجنب المنكرات
والشبهات، وهذا هو الايمان الممدوح في القرآن والسُنّة.
وهذه المرتبة الاخيرة من الايمان هي التي ستكون محل الاهتمام في
هذا الكتاب، دون المرتبة الاُولى.
المبحث الثاني: حقيقة الاِيمان
إنَّ حقيقة الاِيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق. لم تدركها
النفوس عن طريق دائرة الحس الضيقة، فليست هي بحقيقة مادية تُدرك
بالحواس المعروفة ولكن هي حقيقة معنوية علوية تدركها القلوب
السليمة، فتأخذ النفوس من أقطارها، وتظهر ثمارها الطيبة نظافة في
الشعور ورفعةً في الاَخلاق وإستقامة في السلوك.
تلك الحقيقة التي تتجسد في نفوس المؤمنين من خلال مظاهر
عديدة، يمكن الاشارة إلى أبرزها اهتداءً بقبس من نور النبوة وحماة
منهجها، وهي:
أولاً: التسليم لله تعالى والرِّضا بقضائه
يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ
لكلِّ شيء حقيقةً وما بلغ عبد حقيقة الاِيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن
ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه» (1).
____________
(1) كنز العمال 1: 25 | 12.
فالمؤمن حقاً هو الواثق بالله تعالى وحكمته المستسلم لقضائه،
والمتقبل لما يجيء به قدر الله في اطمئنان أياً كان.
روى الصدوق رحمه الله بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لقي في بعض أسفاره ركب
فقال: «ما أنتم ؟ قالوا: نحن مؤمنون، قال: فما حقيقة إيمانكم ؟ قالوا:
الرّضا بقضاء الله والتسليم لاَمر الله والتفويض إلى الله تعالى فقال: علماء
حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا
تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون واتّقوا الله الذي إليه ترجعون»(1).
فالرِّضا بقضاء الله والتسليم لاَمره من أعلى مظاهر الاِيمان وهما من
أبرز الخصال التي يتصف بها الاَنبياء، ومن يتمسك بها يرتقي إلى قمة
الهرم الاِيماني ويكون قد حصل على لباب العلم وجوهر الحكمة.
وفي هذا الصدد قيل لاَبي عبدالله عليه السلام بأي شيء يعلم المؤمن أنّه
مؤمن؟ قال عليه السلام: «بالتسليم لله والرِّضا بما ورد عليه من سرور أو
سخط»(2).
ثانياً: الحب في الله والبغض في الله
وهو من أبرز المظاهر العاطفية التي
تعكس حقيقة الاِيمان، فحينما يؤثر الاِنسان ـ على ما يحبه ويهواه ـ
مايحبه الله تعالى ويرضاه، وحينما يكون غضبه لله لا لمصلحته الخاصة،
فلا شك أنّ هذا الشعور العاطفي العالي يكون مصداقاً جلياً على عمق
إيمانه ومصداقيته. ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يجد العبد حقيقة الاِيمان
حتى يغضب لله، ويرضى لله، فإذا فعل ذلك فقد استحق حقيقة
____________
(1) معاني الاخبار، للصدوق: 187 باب معنى الاِسلام والاِيمان.
(2) اُصول الكافي 2: 62 | 12 كتاب الاِيمان والكفر.
الاِيمان»(1).
وعن الاِمام الصادق عليه السلام: «لا يبلغ أحدكم حقيقة الاِيمان حتى يحب أبعد
الخلق منه في الله، ويبغض أقرب الخلق منه في الله» (2).
ثالثاً: التمسك المطلق بالحق
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «إنَّ من حقيقة
الاِيمان أن تؤثر الحقّ وإن ضرّك على الباطل وإن نفعك» (3).
إنَّ ترجيح كفة الحق الضار على كفة الباطل النافع ما هي إلاّ مظهراً من
مظاهر قوة الاِيمان الراسخ في أعماق النفس المؤمنة.
رابعاً: حب أهل البيت عليهم السلام
هو أحد الحقائق الهامة التي تميز الاِيمان
الصادق عن الزائف، عن زر بن حبيش قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام على
المنبر فسمعته يقول: «والذي فلق الحبة وبرء النسمة، أنه لعهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
إلي أنه لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»(4).
وعن جابر بن عبدالله بن حزام الاَنصاري قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ذات يوم جماعة من الاَنصار فقال لنا: «يا معشر الاَنصار بوروا أولادكم
بحب علي بن أبي طالب فمن أحبه فاعلموا أنه لرشدة ومن أبغضه فاعلموا
أنه لغية» (5).
وعن أبي الزبير المكي قال: رأيت جابراً متوكئاً على عصاه وهو يدور
في سكك الاَنصار ومجالسهم وهو يقول: «علي خير البشر فمن أبى فقد
____________
(1) كنز العمال 1: 42 | 99.
(2) تحف العقول: 369.
(3) الخصال، للشيخ الصدوق: 53.
(4) الارشاد، للشيخ المفيد: 25.
(5) الارشاد، للمفيد: 27. وبوروا بمعنى: اختبروا.
كفر، يا معاشر الاَنصار أدبوا أولادكم على حب علي فمن أبى فانظروا في
شأن أُمه» (1).
وأورد الثعلبي في تفسيره ونقله عنه الزمخشري في الكشّاف،
والقرطبي المالكي في الجامع لاَحكام القرآن، والفخر الرازي في التفسير
الكبير قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ألا ومن
مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل
محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل
الاِيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشّره ملك الموت بالجنة ثم
منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزّف إلى الجنة كما تزف
العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره
بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار
ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السُنّة
والجماعة.
ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً على عينيه
آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن
مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة» (2).
فالاِمام علي عليه السلام وأهل بيته رمز الاِيمان وعلامة الطهر وعليه فمن
أحبهم فقد وجد في قلبه حقيقة الاِيمان، فهم مصابيح الدجى وأعلام
____________
(1) أمالي الصدوق: 71.
(2) الكشاف 3: 467. وانظر التفسير الكبير 27: 165 ـ 166. والجامع لاَحكام القرآن 16:
23.
الهدى من أحبهم ذاق طعم الاِيمان قال أبو عبدالله عليه السلام: «إنّه لا يجد عبد
حقيقة الاِيمان حتى يعلم أنّ ما لآخرنا لاَوّلنا» (1).
ولا يكفي الحب المجرّد بل لا بدَّ من الاتّباع وتحمل تبعات هذا
الحب، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إنّا لا نعدُّ الرجل مؤمناً حتى يكون
بجميع أمرنا متّبعاً مريداً» (2). وعن الاِمام الباقر عليه السلام: «لا يبلغ أحدكم
حقيقة الاِيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال: حتى يكون الموت أحبّ إليه
من الحياة، والفقر أحبّ إليه من الغنى، والمرض أحبّ إليه من الصحة.
قلنا: ومن يكون كذا ؟! قال: كلّكم ! ثم قال: أيّما أحبُّ إلى أحدكم يموت
في حبّنا أو يعيش في بغضنا ؟ فقلت: نموت والله في حبّكم ؟ قال: وكذلك
الفقر...» قلتُ: إي والله (3).
فالمقياس النبوي الدقيق لمعرفة حقيقة الاِيمان إذن هو حب أهل
البيت عليهم السلام والتزام طاعتهم، والتبرّي من أعدائهم، وقد عرفنا من خلال
بعض ما مرَّ أنه المقياس السليم الذي يتم به الكشف عن حقيقة الاِيمان
الكامل.
ويمكن تصوير الاِيمان والكفر ـ بدليل ما تقدم ـ بميزان ذي كفتين: كفة
بيضاء نقية تشتمل على حب أهل البيت عليهم السلام؛ وهي كفة الاِيمان الصادق،
واُخرى سوداء مظلمة من بغضهم عليهم السلام؛ وهي ليس إلاّ الكفر والنفاق
والمروق من الدين.
____________
(1) الاختصاص، للشيخ المفيد: 268.
(2) اُصول الكافي 2: 78 | 13 كتاب الاِيمان والكفر.
(3) معاني الاخبار: 189.
خامساً: التدبر والنظرة الواعية
قد تظهر حقيقة إيمان الاِنسان من خلال نظرته الفاحصة الواعية لمن حوله، فحينما يرى الناس منهمكين في
إعمار دنياهم وتخريب دينهم، فيأثرون الفاني على الباقي، يدرك ـ حينئذٍ ـ
أنّ هؤلاء عقلاء في دنياهم حمقاء في دينهم. فهذه النظرة وذلك الاِدراك
يكشفان عن وصول الاِنسان لحقيقة الاِيمان الواعي. ومن هنا قال الرسول
الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم لاَبي ذر الغفاري رحمه الله: «يا أبا ذرّ لا تصيب حقيقة الاِيمان حتى
ترى الناس كلّهم حمقاء في دينهم، عقلاء في دنياهم» (1). وقد ورد عن
الاِمام الصادق عليه السلام ما يشير إلى ذلك بقوله: «لن تكونوا مؤمنين حتى تعدّوا
البلاء نعمة والرَّخاء مصيبة» (2).
ولا تكفي ـ بطبيعة الحال ـ النظرة الواعية في تحقق الاِيمان الكامل بل
لا بدَّ من موقف معاكس ومخالف لما عليه عامة الناس وهو إيثار الباقي
على الفاني والعزوف عن الدنيا الفانية..
لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً حارثة.. فقال له: «كيف أصبحت يا حارثة ؟
فقال: أصبحت يا رسول الله مؤمناً حقاً، قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ لكلِّ إيمان حقيقة،
فما حقيقة إيمانك ؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت ليلي
وأظمأت نهاري فكأني بعرش ربي وقد قرب للحساب وكأني بأهل الجنة
فيها يتراودون، وأهل النار فيها يعذّبون.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت مؤمن نور الله الاِيمان في قلبك، فاثبت ثبتك
____________
(1) مكارم الاَخلاق، للطبرسي: 465.
(2) تحف العقول: 377.
الله» (1).
سادساً: السلوك العبادي السوي
قد تبرز حقيقة الاِيمان في سلوك عبادي سويّ، من خلال العمل بأوامر الله واجتناب نواهيه والنصيحة
لاَهل بيت رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي هذا الصدد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أسبغ
وضوءه وأحسن صلاته وأدى زكاة ماله وخزن لسانه وكفَّ غضبه واستغفر
لذنبه وأدّى النصيحة لاَهل بيت رسوله فقد استكمل حقائق الاِيمان وأبواب
الجنة مفتحة له» (2). وقد تظهر حقيقة إيمان العبد في ضبطه لجوارحه
وخاصة لسانه، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «لا يعرف عبدٌ حقيقة
الاِيمان حتى يخزن من لسانه» (3).
سابعاً: الموقف الاجتماعي
وقد تظهر حقيقة الاِيمان في موقف
إجتماعي مشرّف كأن ينفق المؤمن على ذوي الفاقة على الرغم من ضيق
ذات يده، أو أن ينصف الناس من نفسه فلا يُسيء لهم ولا يظلمهم، أو
يبذل علمه للجاهل منهم. كل موقف من هذا القبيل قد يأخذ بيد المؤمن
إلى مراقي الصعود في درجات الاِيمان، ويشكّل بمفرده حقيقة من
حقائقه الناصعة، يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «ثلاث من الاِيمان: الاِنفاق
من الاِقتار، وبذل السلام للعالم، والانصاف من نفسك» (4).
ثامناً: حالة الخوف والرجاء
قد تتمثل حقيقة الاِيمان في الجانب النفسي عندما يكون المؤمن في حالة نفسية بين الخوف والرجاء عاملاً
____________
(1) تحف العقول: 377.
(2) أمالي الصدوق: 273.
(3) اُصول الكافي 2: 114 | 7 كتاب الاِيمان والكفر.
(4) كنز العمال 1: 44 | 88.
وفق مقتضياتهما. قال أبو عبدالله الصادق عليه السلام: «لا يكون المؤمن مؤمناً
حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما
يخاف ويرجو» (1).
المبحث الثالث: مراتب الاِيمان
إذا كان الاِيمان هو العلم بالشيء مع الالتزام به بحيث تترتب عليه آثاره
العملية، وكان كل من العلم والالتزام مما يزداد وينقص ويشتد ويضعف،
كان الاِيمان المؤلف منهما قابلاً للزيادة والنقيصة والشدة والضعف،
فاختلاف المراتب وتفاوت الدرجات من الضروريات التي ينبغي أن
لايقع فيها اختلاف. هذا ماذهب إليه الاَكثر، وهو الحق. ويدل عليه من
النقل قوله تعالى: (ليزدَادُوا إيماناً مع إيمانِهِم) وغيره من الآيات.
كما ورد في أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام الدالة على أنّ الاِيمان ذو مراتب (2).
كالذي رواه عبدالعزيز القراطيسي قال: قال لي أبو عبدالله عليه السلام:
«ياعبدالعزيز أنّ الاِيمان عشر درجات بمنزلة السلَّم يصعد منه مرقاة بعد
مرقاة فلا يقولنَّ صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيء حتى
ينتهي إلى العاشر» (3).
وكذلك ما ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام أنه قال: «الاِسلام درجة
____________
(1) اُصول الكافي 2: 71.
(2) تفسير الميزان 18: 259. والآية من سورة الفتح 48: 4.
(3) اُصول الكافي 2: 45 | 2 كتاب الاِيمان والكفر باب آخر من درجات الاِيمان.
والاِيمان عن الاِسلام درجة. واليقين على الاِيمان درجة. وما أوتي الناس
أقلَّ من اليقين» (1).
وعن أبي عمرو الزبيدي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: «.. الاِيمان
حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التام المنتهي تمامه، ومنه الناقص
البيّن نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه، قلت: إنَّ الاِيمان ليتم وينقص
ويزيد ؟ قال عليه السلام: نعم.. قلت:.. فمن أين جاءت زيادته ؟ فقال عليه السلام: قول الله
عزَّ وجلَّ: (وإذا ما أُنزلت سُورةٌ فمنهُم من يقُولُ أيُّكُم زادتُهُ هذه إيماناً فأمَّا
الَّذينَ آمنُوا فزادتهُم إيماناً وهُم يستبشرُونَ * وأمّا الَّذينَ في قُلوبِهِم مرضٌ
فَزَادتهُم رجِساً إلى رِجسِهِم) (2). وقال: (نحنُ نقُصُّ عليكَ نبأهُم بالحقِ إنّهُم
فتيةٌ آمنُوا بربّهِم وزدناهُم هُدىً) (3). ولو كان واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان
لم يكن لاَحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه ولاستوى الناس
وبطل التفضيل، ولكن بتمام الاِيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في
الاِيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله وبالنقصان دخل المفرّطون
النار» (4).
ومن كلِّ ما تقدم تبين أنّ الاِيمان له مراتب ودرجات متفاوتة بتفاوت
العلم والمعرفة والعمل الصالح، والناس يختلفون تبعاً لذلك قال تعالى:
(هُم درجاتٌ عندَ اللهِ واللهُ بَصيرٌ بما يَعمَلُونَ) (5).
____________
(1) تحف العقول: 358.
(3) سورة التوبة 9: 124 ـ 125.
(4) سورة الكهف 18: 13.
(5) اُصول الكافي 2: 33، 37 | 1 كتاب الاِيمان والكفر.
(6) سورة آل عمران 3: 163.
وروى الفضيل بن يسار عن الاِمام الرضا عليه السلام قوله: «إنَّ الاِيمان أفضل
من الاِسلام بدرجة، والتقوى أفضل من الاِيمان بدرجةٍ، ولم يُعط بنو آدم
أفضل من اليقين» (1).
ولا شكّ أنّ أكثر الخلق إيماناً بالله تعالى هم الاَنبياء والاَوصياء عليهم السلام،
لاَنهم صفوة الخلق من العباد، ثم يليهم رتبة من خلص لله سراً وعلانية.
ومنهم دون ذلك، يقول الاِمام الصادق عليه السلام: «إنَّ الاِيمان عشر درجات
بمنزلة السلّم، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة.. وكان المقداد في الثانية، وأبو
ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة» (2).
ومنهم من عصفت بهم موجة الشك في أوقات الشدّة والعسر.
ولا بدَّ من التنويه على أنّ الترقي الممدوح هو أن يرتفع المؤشر البياني
للاِيمان؛ لاَنّ كل هبوط فيه إنّما هو نتيجة الشك أو الشبهة مما يكسب
ذلك صاحبه المذمة والملامة ويبعده عن ساحة الحق تعالى.
عن الحسين بن الحكم قال: كتبت إلى العبد الصالح عليه السلام ـ الاِمام
الكاظم ـ أُخبره إنّي شاك وقد قال إبراهيم عليه السلام: (... ربِّ أرِنِي كيفَ تُحيي
الموتى) (3) وإنّي أحبُّ أن تريني شيئاً، فكتب عليه السلام: «إنّ إبراهيم كان مؤمناً وأحبَّ أن يزداد إيماناً وأنت شاك والشاك لا خير فيه...» (4).
____________
(1) تحف العقول: 445.
(2) الخصال، للشيخ الصدوق: 448 / 87 باب العشرة.
(3) سورة البقرة 2: 260.
(4) اصول الكافي 2: 399/ 1 كتاب الايمان والكفر.
عوامل زيادة الاِيمان
هناك عوامل رئيسية تسهم في إيصال الاِنسان إلى أعلى درجات
الاِيمان، يمكن الاِشارة إليها بالنقاط التالية: ـ
أولاً: العلم والمعرفة:
لما كان العلم رأس الفضائل صار أمل المؤمن،
لكونه المرتقى الذي يتجه به صعوداً إلى الدرجات الرفيعة، قال تعالى:
(يَرفَعِ اللهُ الَّذينَ آمنُوا مِنكُم والّذينَ أوتُوا العلمَ دَرجَاتٍ..) (1).
فالعلم هو الذي يكسب صاحبه الشرف والسؤدد، قال أمير
المؤمنين عليه السلام: «.. لا شرف كالعلم» (2)وقال ـ أيضاً ـ موصياً بضرورة اقتران
العلم بالاَدب: «يا مؤمن إنّ هذا العلم والاَدب ثمن نفسك فاجتهد في
تعلّمهما، فما يزيد من علمك وأدبك يزيد من ثمنك وقدرك، فإنَّ بالعلم
تهتدي إلى ربّك، وبالاَدب تحسن خدمة ربّك» (3).
فالاِمام عليه السلام يضع ميزاناً لا يقبل الخطأ وهو كلّما تصاعد المؤشر البياني
للعلم المقترن بالاَدب في نفس المؤمن كلما زيد في قيمته ومكانته أكثر
فأكثر. ومن أجل ذلك كان العلماء أقرب الناس إلى درجة النبوة، بدليل
قول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «أقرب الناس من درجة النبوّة أهل العلم
والجهاد، أما أهل العلم فدّلوا الناس على ما جاءت به الرسل، وأما أهل
الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل» (4).
____________
(1) سورة المجادلة 58: 11.
(2) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 488 | حكم 113.
(3) روضة الواعظين، الفتال النيسابوري 1: 11 في فضل العلم.
(4)المحجة البيضاء، للفيض الكاشاني 1: 14.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من جاء أجله وهو يطلب
العلم لقي الله تعالى ولم يكن بينه وبين النبيين إلاّ درجة النبوة» (1).
وفي القرآن الكريم آيات عدة تشير إلى دور العلم وأهميته في حقل
الاِيمان بالله وكتبه وملائكته ورسله، ومن الآيات الصريحة جداً بهذا
المجال قوله تعالى: (إنّما يَخشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلماءُ) (2)ومن هنا نجد
وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الكثيرة في طلب العلم، وكذلك وصايا أهل
البيت عليهم السلام نكتفي بما قاله أمير المؤمنين عليه السلام: «تعلم العلم فإنَّ تعلمه حسنة
ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة وهو عند
الله لاَهله قربة... يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة...» (3).
ثانياً: العمل الصالح:
وهو العنصر الثاني الذي يقترن بالاِيمان ويسهم في إيصال المؤمن إلى أعلى الدرجات، قال تعالى: (ومَن يأتِهِ مؤمِنَاً قد
عَمِلَ الصَّالِحاتِ فأُولئِكَ لهُمُ الدَّرجاتُ العُلى) (4).
وإذا كان الاِيمان يمنح الشخصية الاِيمانية الرؤية الصحيحة وسلامة
التصور ونقاء الاعتقاد فإنَّ العمل الذي هو شعار المؤمن يفجّر طاقتها
الابداعية، فتنطلق في آفاق أرحب وتحيى حياة طيبة، يقول عزَّ من قائل:
(مَن عَمِلَ صالِحاً من ذَكرٍ أو أُنثى وهوَ مؤمِنٌ فلنُحِيينَّهُ حياةً طيّبةً ولنُجزينَّهُم
أجرَهُم بأحسنِ ما كانُوا يعملُونَ) (5). فالاِسلام لا يريد من المؤمن أن ينعزل
____________
(1) كنز العمال 10: 160 | 28831.
(2) سورة فاطر 25: 28.
(3) روضة الواعظين: 9 في فضل العلم.
(4) سورة طه 20: 75.
(5) سورة النحل 16: 97.
عن الحياة ويكتفي بالاِيمان المجرَّد الذي يقصره البعض وفق نظره القاصر
على الاعتقاد القلبي أو التلفظ اللساني، وإنّما يُريد المؤمن أن يترجم
إيمانه إلى عمل صالح يحقق النقلة الحضارية التي تتطلع إليها الاُمّة
الاِسلامية كأُمّة رائدة.
ومن يتدبر في قوله تعالى: (.. ويَستخلِفَكُم في الاَرضِ فينظُرَ كيف
تَعمَلونَ) (1)، يلاحظ أنه استعمل لفظة «كيف» ولم يقل «كم» تعملون،
لاَن الاَهم هو نوعية العمل وأبعاده الحضارية وليس كميته. فمبيت الاِمام
علي عليه السلام ـ على سبيل المثال ـ ليلة واحدة في فراش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنقذت
الرسول والرسالة، وضربته يوم الخندق كانت تعادل عبادة الثقلين !.
فالاِنسان يرتفع بنوعية العمل الذي ينجزه على صعيد الواقع، ومن هنا
ركّزت مدرسة أهل البيت عليهم السلام على «الثنائي الحضاري» المتمثل بالاِيمان
المقترن بالعمل، وفي هذا الصدد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تكن ممّن
يرجو الآخرة بغير عمل.. يحبُّ الصالحين ولا يعملُ عملهم...» (2).
ومن المعروف أنّ بعض الناس يتّكلون على أحسابهم الرّفيعة في
كسب المكانة الاجتماعية، ولكن الاِمام علياً عليه السلام ركّز على مقياس العمل
وأعطاه الاَولوية في تكامل الاِنسان ورفعته، فقال عليه السلام: «من أبطأ به عمله،
لم يسرع به حسبه» (3).
وكان أئمة أهل البيت عليهم السلام على الرغم من شرف حسبهم، وسمو
____________
(1) سورة الاَعراف 7: 129.
(2) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 497 | حكم 150.
(3) نهج البلاغة، صبحي الصالح | 472 | حكم 23.
مقامهم الاجتماعي، يجهدون أنفسهم في العمل، فعلى سبيل الاستشهاد
أنّ الاِمام عليّاً عليه السلام قد أعتق من كد يده جماعة لا يحصون كثرة، ووقف
أراضي كثيرة وعيناً استخرجها وأحياها بعد موتها (1). وسلك ذات
المسلك ولده من بعده، كانوا يعملون لخدمة الناس فينقلون على
ظهورهم الجراب وفيها الدقيق والاَطعمة إلى المحتاجين والفقراء. وكانوا
يعملون بأيديهم الكريمة في الشمس المحرقة حباً للعمل واحتساباً لله،
حتى عرّضوا أنفسهم في بعض الاحيان لسهام النقد المسمومة وقوارص
الكلام، ومن الشواهد ذات الدلالة ما ورد عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إنَّ
محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أنّ مثل علي بن الحسين عليه السلام يدع
خلفاً لفضل علي بن الحسين عليهما السلام حتى رأيت ابنه محمد بن علي فأردت أن
أعظه فوعظني فقال له أصحابه بأي شيء وعظك ؟ قال: خرجتُ إلى بعض
نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيتُ محمد بن علي عليهما السلام وكان رجلاً بديناً
وهو متكىء على غلامين له أسودين أو موليين له، فقلت في نفسي شيخ
من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدّنيا لاَعظه
فدنوت منه فسلمت عليه فسلم عليَّ بنهر وقد تصبب عرقاً فقلتُ أصلحك الله
شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذا الحال في طلب الدنيا لو
جائك الموت وأنت على هذه الحال قال: فخلى عن الغلامين من يده ثم
تساند وقال لو جائني والله الموت، وأنا في هذه الحال جائني وأنا في طاعة
من طاعات الله أكف بها نفسي عنك وعن الناس وإنّما كنت أخاف الموت لو
جائني وأنا على معصية من معاصي الله فقلت يرحمك الله أردت أن أعظك
____________
(1) الفصول المختارة: 103.
فوعظتني» (1).
ثالثاً: الاِيثار:
وهو خصلة كريمة ترفع الاِنسان إلى أعلى مراتب
الاِيمان، فحينما يرتفع الاِنسان فوق (الاَنا) ويضع مصلحة الآخرين فوق
مصلحته الخاصة، فلا شك أنه قد قطع شوطاً إيمانياً يستحق بموجبه
الدَّرجات الرَّفيعة. وقد مدح تعالى أولئك الذين يخرجون من دائرة (الاَنا)
الضيقة على الرغم من ضيق ذات اليد إلى دائرة أسمى هي دائرة
الاِنسانية، فقال عزَّ من قائل: (.. ويُؤثِرُونَ على أنفُسِهِم ولو كانَ بهِم
خَصاصةٌ..) (2).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أشد الخلق حرصاً على تلك الفضيلة
السامية، حتى ورد في الخبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم ما شبع ثلاثة أيام متوالية حتى فارق
الدنيا، ولو شاء لشبع ولكنه كان يؤثر على نفسه (3).
وبلغ وصيه الاِمام علي عليه السلام القمة في الاِيثار، وقد ثمنت السماء
الموقف التضحوي الفريد الذي قام به عندما بات على فراش رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: «.. فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل إني آخيت بينكما وجعلت
عمر الواحد منكما أطول من عمر الآخر فأيُّكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار
كلاهما الحياة. فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليهما أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب
آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه فيؤثره بالحياة فأنزل
الله تعالى: (ومن النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضاتِ الله والله رؤوف
____________
(1) الارشاد، للشيخ المفيد: 264.
(2) سورة الحشر 59: 9.
(3) تنبيه الخواطر 1: 172.
بالعباد)(1).
فالاِيثار ـ إذن ـ يرفع الاِنسان إلى أعلى الدرجات الاِيمانية كما رفع
الاِمام عليّاً عليه السلام بحيث أنّ ربِّ العزة يفاخر به ملائكته المقربين.
ومن الاِيثار ما يكون معنوياً كإيثار الصدق على الكذب مع توقع الضرر،
وذلك من أجلى علائم الاِيمان، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «الاِيمان أن تؤثر
الصدق حيثُ يضرك على الكذب حيثُ ينفعك» (2).
رابعاً: الخُلق الحسن:
وهو عنوان صحيفة المؤمن (3)، وأن العبد ليبلغ
بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وإنّه لضعيف العبادة
كما يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم (4).
وقد ورد عن الاِمام أبي جعفر عليه السلام: «إنَّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم
خُلقاً» (5). وقال أمير المؤمنين عليه السلام موصياً: «روضوا أنفسكم على الاَخلاق
الحسنة فإنَّ العبد المؤمن يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم»(6).
إذن فالخلق الحسن أحد مقاييس الاِيمان، يصل من خلاله المؤمن إلى
مقامات عالية ويحصل به على أوسمة معنوية رفيعة، فمن حكم ومواعظ
____________
(1) تنبيه الخواطر 1: 173 ـ 174. والآية من سورة البقرة 2: 207.
(2) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 556 | حكم 58.
(3) اُنظر تحف العقول: 200.
(4) المحجة البيضاء 5: 93 كتاب رياضة النفس.
(5) اُصول الكافي 2: 99 | 1 كتاب الاِيمان والكفر.
(6) تحف العقول: 111.
أمير المؤمنين عليه السلام: «... عليكم بمكارم الاخلاق فإنها رفعة، وإيّاكم
والاَخلاق الدّنية فإنها تضع الشريف، وتهدم المجد» (1).
المبحث الرابع: أنواع الاِيمان
يمكن تقسيم الاِيمان بالنظر إلى رسوخه وثباته أو عدمه إلى ثلاثة
أقسام هي: ـ
أولاً: الاِيمان الفطري
كإيمان الاَنبياء والاَوصياء عليهم السلام، الذين
لاتخالجهم الشكوك، ولا يكونون نهباً للوساوس، لاَنّ الله تعالى فطرهم
على الاِيمان به واليقين بما أخبرهم عنه من مكنون غيبه.
يقول الاِمام الصادق عليه السلام: «إنَّ الله جبل النبيين على نبوتهم، فلا يرتدون
أبداً، وجبل الاَوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبداً، وجبل بعض
المؤمنين على الاِيمان فلا يرتدون أبداً، ومنهم من أعير الاِيمان عارية،
فإذا هو دعا وألحَّ في الدعاء مات على الاِيمان» (2).
ثانياً: الاِيمان المستودع
وهو الاِيمان الصوري غير المستقر الذي
سرعان ما تزعزعه عواصف الشبهات ووساوس الشيطان ويُعبر عنه
ـ أيضاً ـ بالاِيمان المعار كأنما يستعير صاحبه الاِيمان ثم يلبسه ولكن
سرعان ما ينزعه ويتخلى عنه، ويذهب بعيداً مع أهوائه ومصالحه. عن
الفضل بن يونس عن أبي الحسن عليه السلام قال: «أكثر من أن تقول: اللّهمَّ
____________
(1) تحف العقول: 215.
(2) اُصول الكافي 2: 419 | 5 كتاب الاِيمان والكفر.
لاتجعلني من المعارين ولا تخرجني من التقصير..» (1). وكان الاَئمة عليهم السلام
يطلبون من شيعتهم الاكثار من هذا الدعاء وذلك أنّ بعض كبار الاَصحاب
قد تعرضت رؤيته للاضطراب بفعل عواصف الشبهات ودواعي
الشهوات، عن جعفر بن مروان قال: إنَّ الزبير اخترط سيفه يوم قبض
النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: لا أغمده حتى أُبايع لعليّ، ثمَّ اخترط سيفه فضارب
عليّاً فكان ممّن أُعير الاِيمان، فمشي في ضوء نوره ثمَّ سلبه الله إيّاه (2).
وفي قوله تعالى: (وهو الَّذي أنشأكُم مِن نفسٍ واحدةٍ فمُستقرٌّ
ومُستودعٌ..) (3)إشارة إلى هذين القسمين من الاِيمان: الثابت والمتزلزل.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «فمن الاِيمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب،
ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم..» (4).
ثالثاً: الاِيمان الكسبي
وهو الاِيمان الفطري الطفيف الذي نمّاه
صاحبه واستزاد رصيده حتى تكامل وسمى إلى مستوى رفيع، وله
درجات ومراتب (5).
ويمكن تنمية هذا النوع من الاِيمان وترصينه حتى يصل إلى مرتبة
الاِيمان المستقر، ولذلك ورد في نصائح أمير المؤمنين عليه السلام لكميل قوله: «
يا كميل إنّه مستقر ومستودع، فاحذر أن تكون من المستودعين، وإنّما
يستحقُّ أن تكون مستقراً إذا لزمت الجادَّة الواضحة التي لا تُخرجك إلى
____________
(1) اُصول الكافي 2: 73 | 4 كتاب الايمان والكفر.
(2) تفسير العياشي 1: 371.
(3) سورة الانعام 6: 98.
(4) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 279 | خطبة 189.
(5) أخلاق أهل البيت عليهم السلام، للسيد مهدي الصدر: 100.
عوجٍ ولا تزيلُك عن منهج» (1).
وتجدر الاِشارة إلى أنّ للاِيمان أربعة أركان يستقر عليها، فمن اتّصف
بها كان إيمانه مستقراً، وحول هذه المسألة قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«الاِيمان له أركان أربعة: التوكل على الله، وتفويض الاَمر إلى الله، والرّضا
بقضاء الله، والتسليم لاَمر الله عزَّ وجل» (2).
كما أنّ للاِيمان أربع دعائم معنوية يرتكز عليها، يقول الاِمام علي عليه السلام:
«إنَّ الاِيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد» (3).
وفوق ذلك للاِيمان عرى وثيقة تأمن من تمسك بها من السقوط في
مهاوي الضلال منها: التقوى والحب في الله والبغض في الله، وتولي أولياء
الله، والتبري من أعداءه، ومن الاَدلة النقلية على ذلك، قول الرسول
الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «أوثق عرى الاِيمان: الولاية في الله، والحب في الله، والبغض
في الله» (4).
وقد وجه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لاصحابه ـ يوماً ـ سؤالاً إستفهامياً: «أي عرى
الاِيمان أوثق ؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، وقال: بعضهم الصلاة، وقال
بعضهم الزكاة.. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لكلِّ ما قلتم فضل وليس به، ولكن
أوثق عرى الاِيمان: الحبُّ في الله، والبغض في الله، وتولي أولياء الله،
____________
(1) تحف العقول: 174.
(2) اُصول الكافي 2: 47 | 2 كتاب الاِيمان والكفر.
(3) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 18: 142.
(4) كنز العمال 15: 890 | 43525.
والتبري من أعداء الله» (1).
وأهل بيت العصمة عليهم السلام من العرى الوثيقة التي تعصم من تمسك بها
عن السقوط في مهاوي الضلال، وكان أمير المؤمنين عليه السلام كثيراً ما كان يردد
هذه الكلمات: «... أنا حبل الله المتين، وأنا عروة الله الوثقى، وكلمته
التقوى...» (2).
لم يكن ذلك منه للتفاخر بل لاِلفات النظر إلى أنّ أهل البيت عليهم السلام هم
العروة الوثقى التي لا إنفصام لها، عن عبدالله بن عباس قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أحبَّ أن يتمسك بالعروة الوثقى التي لا إنفصام لها
فليتمسك بولاية أخي وحبيبي علي بن أبي طالب فإنّه لا يهلك من أحبه
وتولاّه ولا ينجو من أبغضه وعاداه» (3).
المبحث الخامس: علامات المؤمن
العلامات الاَساسية التي يتميز بها المؤمن عن غيره أربعة، وهي:
أولاً: علائم عبادية
العبادة هي التجسيد الحقيقي للاِيمان وتحتل مركز الصدارة في
الكشف عن حقيقة إيمان الاِنسان، فمن آمن بالله تعالى حقاً عليه أن
يتقرب إليه بطقوس عبادية تكشف عن عبوديته، وتعبر عن شكره وحمده
لخالقه، وخير كاشف عن مصداقية الاِيمان هو أداء الاِنسان لما افترضه الله
____________
(1) الاختصاص، للشيخ المفيد: 365.
(2) التوحيد، للشيخ الصدوق: 165 باب معنى جنب الله.
(3) معاني الاَخبار: 368 ـ 369 باب معنى العروة الوثقى.
عليه من صلاة وصيام وحج البيت الحرام وما إلى ذلك من فرائض عبادية.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «.. لا عبادة كأداء الفرائض» (1)، وعن أبي
عبدالله عليه السلام قال: «نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد.. ما تقرب
إليَّ عبدي المؤمن بمثل أداء الفرائض، وإنّه ليتنفل لي حتى أحبّه، فإذا
أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش
بها..» (2).
وهناك علاقة طردية بين الاِيمان والعبادة، كلما أزداد إيمان العبد كلما
أقبل على العبادة أكثر فأكثر، وظهرت عليه علائم التفاعل معها والانفعال
بها. كما هو حال أهل البيت عليهم السلام الذين ضربوا بعبادتهم أروع الاَمثلة،
فكانوا عليهم السلام إذا حضرت الصلاة تقشعر جلودهم وتصفر ألوانهم ويرتعدون
من خوف الله، فعلى سبيل الاستشهاد لا الحصر، ورد عن أبي عبدالله عليه السلام
قال: «كان أبي عليه السلام يقول: كان علي بن الحسين صلوات الله عليهما إذا قام
في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرّك إلاّ ما حرّكه الريح منه» (3).
إنَّ العبادة الصادقة تصنع الاَعاجيب وتمنح المؤمن الكرامة وتزوده
بالبصيرة الصافية، قد تجعله يسبر أغوار نفس غيره فيطلع على ما يدور
فيها، تمعّن في الحكاية التالية التي تكشف عن بعض كرامات الاِمام
موسى الكاظم عليه السلام كما روتها مصادر العامّة: «عن شقيق البلخي قال:
خرجت حاجاً في سنة تسع وأربعين ومئة، فنزلت القادسية، فبينما أنا
أنظر إلى الناس وزينتهم وكثرتهم، نظرت فتى حسن الوجه فوق ثيابه ثوب
____________
(1) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 488 | حكم 113.
(2) المؤمن، للشيخ الثقة الحسين بن سعيد الكوفي: 32 | 61.
(3) فروع الكافي 3: 300.
صوف مشتملاً بشملة وفي رجليه نعلان، وقد جلس منفرداً، فقلت في
نفسي: هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلاً على الناس في طريقهم،
والله لاَمضينَّ إليه ولاَوبخنه، فدنوت منه، فلما رآني مقبلاً قال: «يا شقيق
(اجتَنِبُوا كَثيراً مِنَ الظنِّ إنَّ بعضَ الظنِّ إثمٌ) (1)» وتركني ومضى، فقلتُ
في نفسي: إنَّ هذا لاَمر عظيم قد تكلم على ما في نفسي ونطق باسمي،
ماهذا إلاّ عبد صالح، لاَلحقنه ولاَسألنه أن يحللني، فأسرعت في أثره
فلم ألحقه، وغاب عن عيني، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي وأعضاءه
تضطرب، ودموعه تجري فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه وأستحله،
فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه، فلما رآني مقبلاً قال: «يا شقيق اقرأ
(وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى) (2)» ثم تركني
ومضى، فقلتُ: إنَّ هذا الفتى لمن الاَبدال، قد تكلم على سري مرتين،
فلما نزلنا إلى منى إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي،
فسقطت الركوة من يده إلى البئر وأنا أنظر إليه، فرأيته قد رمق السماء
وسمعته يقول:
أنت ربي إذا ظمئت من الماء * وقوتي إذا أردت الطعاما
اللّهمَّ أنت تعلم يا إلهي وسيدي ما لي سواها، فلا تعدمني إياها»، قال
شقيق..: فو الله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤه، فمدّ يده وأخذ الركوة
وملاَها ماء وتوضأ وصلى أربع ركعات ثم مال إلى كثيب من رمل، فجعل
يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحرّكه ويشرب، فأقبلت إليه وسلمت
____________
(1) سورة الحجرات 49: 12.
(2) سورة طه 20: 82.
عليه، فردَّ عليَّ السلام، فقلت أطعمني من فضل الله ما أنعم الله تعالى به
عليك فقال: «يا شقيق لم تزل نعمة الله تعالى علينا ظاهرة وباطنة، فأحسن
ظنك بربك» ثم ناولني الركوة فشربت منها، فإذا سويق وسكر، فوالله
ماشربت قطّ ألذَّ منه ولا أطيب منه ريحاً، فشبعت ورويت وأقمت أياماً
لا أشتهي طعاماً ولا شراباً، ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة في جنب
قبة الشراب في نصف الليل يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك
حتى ذهب الليل، فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح ثم قام فصلى،
فلما سلم من صلاة الصبح طاف بالبيت أسبوعاً وخرج فتبعته، فإذا له
حاشية وأموال، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس من
حوله يسلمون عليه، فقلت لبعض من رأيته بالقرب منه ؟ من هذا الفتى ؟
فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين.. رضوان الله
عليهم أجمعين، فقلتُ: قد عجبت أن تكون هذه العجائب والشواهد إلاّ
لمثل هذا السيد» (1).
يبقى أن نشير إلى أنّ العبادة لا ينحصر مصداقها في الصلاة والصيام
وماإلى ذلك من الفرائض العبادية، بل توجد لها مصاديق أعلى، تكشف
لنا عن علائم المؤمن كالفكر والذكر، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ: «التفكر
في آلاء الله نعم العبادة» (2)، وعنه أيضاً أنّ: «التفكر في ملكوت السماوات
والاَرض عبادة المخلصين» (3).
____________
(1) روض الرياحين في حكايات الصالحين، عفيف الدين أبي السعادات عبدالله بن أسعد اليافعي
اليمني: 122 | الحكاية 74 مؤسسة عماد الدين، قبرص.
(2) غرر الحكم.
(3) المصدر السابق.
فالاِنسان إذا كان شغله الشاغل التفكر في خلق الله وآلائه فمن الطبيعي
والحال هذه أن يترجم هذا الفكر إلى ذكر يفيض بمعاني الحمد والعرفان،
وهذا من أجلى مظاهر الاِيمان.
يقول علماء النفس: قل لنا فيم تفكر نقل لك من أنت.
ففكر الاِنسان الذي يتجسد في أقواله وينعكس على أعماله يكشف
عن شخصيته ومتبنياته العقيدية.
والاِسلام يعتبر التفكر في أمر الله مؤشراً عظيماً على الاِيمان، يقول
الاِمام الصادق عليه السلام: «ليست العبادة كثرة الصلاة والصوم إنّما العبادة التفكر
في أمر الله عزَّ وجلَّ» (1).
وقد: «سئلت أمّ أبي ذرّ عن عبادة أبي ذر فقالت: كان نهاره أجمع
يتفكر في ناحية عن الناس» (2).
ثانياً: علائم نفسية
يتميز المؤمن عن غيره بعدة علائم نفسية، يمكن الاِشارة إلى أبرزها
بالنقاط التالية:
1 ـ الصلابة والثبات:
فالمؤمن يكون ثابتاً كالطود الشامخ لم تزعزعه
الحوادث ويستسهل كل صعب بقلب مطمئن بقضاء الله وقدره، ويتمسك
بعروة الصبر في مواطن الخطر، وقور لا يخرج عن طوره، شاكراً لربه قانعاً
برزقه، يؤثر راحة الآخرين على راحته كالشجرة العظيمة في الصحراء
____________
(1) اُصول الكافي 2: 55 | 4 باب الاِيمان والكفر.
(2) تنبيه الخواطر 1: 250 | باب التفكر.
المحرقة تُظلل الناس بوارف ظلها، وهي تصطلي حرَّ الهاجرة وأوارها.
روي عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان
خصال: وقورٌ عند الهزائز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما
رزقه الله، لا يظلم الاَعداء، ولا يتحامل للاَصدقاء، بدنه منه في تعب،
والناس منه في راحة» (1).
ولا بدَّ من إلفات النظر إلى أنّ المؤمن وعلى الرغم من صلابته الاِيمانية
فهو يتصف بالمرونة مثل العشب الناعم ينحني أمام النسيم ولكن
لاينكسر للعاصفة، يقول الاِمام الصادق عليه السلام: «المؤمن له قوّة في دين،
وحزم في لين، وإيمان في يقين» (2).
2 ـ إلتزام الحق عند الرّضا والغضب:
المؤمن لا يندفع بغريزته إلى آفاق
تبعده عن ساحة الحق، كما أنه يقاوم بلا هوادة نزعة الغضب الكامنة في
نفسه حتى لا تجره إلى مهاوي الباطل، وفي حالة امتلاكه القوة أو القدرة
يتجنب الظلم والعدوان كأمير المؤمنين عليه السلام الذي كان يرى أن سلب جُلب
شعيرة من نملة ظلم وعصيان لله وابتعاد عن الحق، وفي ذلك يقول:
«والله لو أعطيت الاَقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في
نملة أسلبها جُلب شعيرة ما فعلته..» (3).
وعليه فالمؤمن من يبلغ مرحلة من السموّ الروحي والتهذيب
الوجداني بحيث لا يخرج عن جادة الحق المستقيمة، وفي هذا الاَطار
____________
(1) اُصول الكافي 2: 47 | 1 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) اُصول الكافي 2: 231 | 4 كتاب الاِيمان والكفر.
(3) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 347 | خطبة 224.
ورد عن أبي حمزة قال: سمعت فاطمة بنت الحسين عليه السلام تقول: قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم «ثلاث من كنَّ فيه استكمل خصال الاِيمان، الذي إذا رضي لم
يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحقِّ، وإذا قدر لم
يتعاط ما ليس له» (1).
أنّ القوة الحقيقية هي القوة النفسية التي يصنعها الاِيمان ويرسخها
اليقين، تلك القوة التي يتميز بها المؤمن والتي يتمكن من خلالها من كبح
عواطفه المتأججة عند نشوة الحب وسورة الغضب وسكرة القوة التي
تغري صاحبها بالجموح والغطرسة، فعن الاِمام الصادق عليه السلام، عن أبيه عن
جده عليه السلام قال: «مرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم يرفعون حجراً، فقال: ما هذا ؟
قالوا: نعرف بذلك أشدّنا وأقوانا فقال: ألا أخبركم بأشدّكم وأقواكم ؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله
رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق وإذا قدر
لم يتعاط ما ليس له بحق» (2).
3 ـ البشر وانشراح الصدر: من العلائم الاُخرى للمؤمن أنّ البشر يطفح
على وجهه أما حزنه فيدفنه في أعماق قلبه كما إنّه يمتاز بسعة الصدر
وإنشراحه، قال أمير المؤمنين عليه السلام محدداً أبرز علامات المؤمن:
«المؤمن بشره في وجهه وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذل شيء
نفساً، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل غمه، بعيدٌ همهُ، كثيرٌ صمته،
مشغول وقتُه. شكورٌ صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلَّته، سهلُ الخليقة،
____________
(1) الاختصاص: 233.
(2) معاني الاَخبار: 366.
ليِّن العريكة ! نفسه أصلب من الصلد وهو أذل من العبد» (1). وعن أبي
عبدالله عليه السلام قال: «ما من مؤمن إلاّ وفيه دُعابة، قلتُ: ما الدعابة ؟ قال:
المزاح» (2). فالمؤمن تتألق ملامحه بالبشر والنور وتفيض عيناه بالوداعة
واللطف فيعبر عما يجيش في نفسه من أحاسيس خيرة تجاه الناس عن
طريق المزاح محاولاً إدخال السرور على قلوبهم، على العكس من
المنافق الذي يغلي قلبه غيضاً وحقداً كالمرجل على المؤمنين، فينعكس
ما في داخله على صفحات وجهه فتجده مقطب الجبين تنتابه نوبات من
الهستريا والغضب.
وقد ورد عن الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «المؤمن دعبٌ لعبٌ،
والمنافق قطب غضب» (3).
والملاحظ أنه في الوقت الذي يُعتبر (المزاح) أحد علائم المؤمن
النفسية، نجد أنّ الاِسلام يحث على عدم الاسراف فيه بحيث يصل إلى
حد السخف والسفاهة أو تجافي الحق. وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يمازح
أصحابه وأهل بيته عليهم السلام ويحب إدخال السرور على الجميع، ولكن لا يقول
إلاّ حقاً، ولا يخرج عن طوره، ولا يخل بوقاره وهيبته.
عن الاِمام الصادق عليه السلام: «أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: كثرة المزاح يذهب بماء
الوجه، وكثرة الضحك يمحو الاِيمان..» (4).
____________
(1) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 533 | حكم 333.
(2) معاني الاَخبار: 164.
(3) تحف العقول: 49.
(4) أمالي الصدوق: 223 | 4.
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: «كان بالمدينة رجل بطّال يضحك الناس
منه، فقال: قد أعياني هذا الرجل أن أضحكه يعني علي بن الحسين عليهما السلام
قال: فمرَّ علي عليه السلام وخلفه موليان له فجاء الرجل حتى انتزع ردائه من رقبته
ثم مضى لم يلتفت إليه علي عليه السلام فاتبعوه وأخذوا الرداء منه فجاؤا به
فطرحوه عليه، فقال لهم من هذا، فقالوا له هذا رجل بطّال يضحك أهل
المدينة، فقال عليه السلام: قولوا له إنَّ لله يوماً يخسر فيه المبطلون» (1).
4 ـ قوة الاِرادة: وهي من علامات المؤمن الرئيسية التي يتمكن من
خلالها من كبح شهواته والسيطرة على غرائزه، فالاِنسان بلا إرادة كالسفينة
بلا بوصلة سرعان ما تنحرف عن المسير فالاِرادة هي الخيط المتين الذي
يكبح جموح النفس ويمكّنها من السيطرة على رغباتها. فمن يفتقد الاِرادة
ـ إذن ـ يكون حاله كقارب تمزقت حبال مرساته في بحر هائج مائج !
وهنا يبدو من الضروري بمكان الاِشارة الاجمالية إلى علائم نفسية
أُخرى تميز المؤمن عن غيره قد تنكشف لنا من خلال نظرته الواعية لمن
حوله وما حوله، كما قد تظهر أيضاً في طبيعة صمته وذكره أو سرعة رضاه
وعفوه عمن أساء إليه، كما قد ننتهي إليها من نيته وما يضمره من الخير
للغير، ويجمع هذه الاُمور ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إنَّ المؤمن إذا
نظر إعتبر، وإذا سكت تذكّر، وإذا تكلّم ذكر، وإذا استغنى شكر. وإذا
أصابته شدّة صبر، فهو ربيب الرضى بعيد السخط، يرضي عن الله اليسير،
ولا يسخطه الكثير ولا يبلغ بنّيته إرادته في الخير، ينوي كثيراً في الخير
____________
(1) المصدر السابق: 183 | 6.
ويعمل بطائفةٍ منه ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به» (1).
5 ـ الاستغلال الاَمثل للزمن:
للزمن ـ كما هو معروف ـ قيمة حضارية
كبرى، لذلك نجد المؤمن حريصاً على الزمن الذي هو رأس مال حضاري
كبير، فيقسّم أوقاته بين العبادة الحقة والعمل المثمر واللذَّة المباحة،
لذلك ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «للمؤمن ثلاثُ ساعات: فساعة يُناجي
فيها ربَّهُ، وساعة يَرُمُّ معاشه، وساعة يُخلِّي بين نفسه وبين لذتها فيما يحلُ
ويجمُلُ. وليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلاّ في ثلاث: مرَمَّةٍ لمعاش، أو
خطوةٍ في معادٍ، أو لذَّةٍ في غير مُحرَّمٍ» (2).
إذن فأحد علامات المؤمن الحضارية هي الحرص على الزمن
والاستغلال الاَمثل له.
ثالثاً: علائم أخلاقية
لا يخفى أنّ هناك علاقة وطيدة بين الاِيمان والاَخلاق، كلّما سما
المؤمن في إيمانه كلّما حسنت أخلاقه وعليه فالمؤمن المتسلح بإيمان
عميق نجد أنه يتصف بخلق رفيع. والاَخلاق ـ بدورها ـ هي السور الواقي
الذي يصون المؤمن من التردي في مهاوي الضلال والرَّذيلة. ومما يكشف
لنا عن عمق نظرة الاِمام الصادق عليه السلام أنه يحثّ أصحابه على عدم الانخداع
بالمظاهر العبادية للرجل التي قد لا تكلفه شيئاً وقد تنجم عن الاَلفة
والعادة، ولكن يجب النظر إلى مظاهره الاَخلاقية: كالصدق، والاَمانة،
فمن خلال إلتزامه الدائم بها يظهر إيمانه على حقيقته، يقول عليه السلام:
____________
(1) تحف العقول: 212.
(2) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 545 | حكم 390.
«لاتنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فإنَّ ذلك شيء قد اعتاده فلو
تركه استوحش لذلك ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته» (1).
وقال عليه السلام أيضاً: «المؤمن لا يُخلق على الكذب ولا على الخيانة» (2).
ويذهب أهل البيت عليهم السلام في تعاليمهم الاَخلاقية إلى أقصى حد، فعن
أبي حمزة الثمالي قال: «سمعتُ سيد الساجدين علي بن الحسين عليهما السلام
يقول لشيعته: «عليكم بأداء الاَمانة، فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً لو أنّ
قاتل أبي الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام أئتمنني على السيف الذي
قتله به لاَديته إليه» (3).
ونسج حفيده الاِمام الصادق عليه السلام على هذا المنوال، فقال لاَصحابه:
«اتقوا الله وعليكم بأداء الاَمانة إلى من أئتمنكم فلو أنّ قاتل أمير
المؤمنين عليه السلام أئتمنني على أمانة لاَديتها إليه» (4).
وهناك خصلة أخلاقية تميز المؤمن عن غيره هي خصلة الحياء،
والواقع أنّ الحياء والايمان صفتان متلازمتان يؤدي زوال أحديهما إلى
زوال الاُخرى، وهذا هو ما عبر عنه الاِمام الباقر عليه السلام بقوله: «الحياء
والاِيمان مقرونان في قرن فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه» (5).
وهناك خصال أخلاقية أُخرى كالفهم والرأفة. تشكّل مع الحياء أبرز
____________
(1) اُصول الكافي 2: 105 | 12 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) تحف العقول: 367.
(3) أمالي الصدوق: 204.
(4) المصدر السابق نفسه.
(5) تحف العقول: 297.
علائم المؤمن، قال الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «... وأمّا علامة المؤمن فإنَّه
يرأف ويفهم ويستحي» (1).
أضف إلى ذلك ليس من أخلاق المؤمن أن يحسد الناس على ما آتاهم
الله من فضله، عن أبي عبدالله عليه السلام: «إنَّ المؤمن يغبط ولا يحسد والمنافق
يحسد ولا يغبط» (2) لاَنَّ المؤمن يعلم جيداً أنّ الرزق بيد الله تعالى
يقسمه وفق علمه وحكمته وما صرف عنه قد يكون رحمةً به لانقمة عليه.
كما أنّ من أبرز علائم المؤمنين أنهم لا يسيئون إلى الآخرين حتى
يعتذروا منهم، على عكس المنافقين الذين ديدنهم الاِساءة ثم الاعتذار
قال الاِمام الحسين عليه السلام: «إياك وما تعتذر منه، فإنَّ المؤمن لا يسيء
ولايعتذر، والمنافق كلَّ يوم يُسيء ويعتذر» (3).
رابعاً: علائم إجتماعية
من الاُمور الهامة التي تكشف عن مدى إيمان الفرد شعوره نحو أبناء
جنسه وعلاقته معهم. فالمؤمن الواقعي لا يدفن رأسه في رمال اللامبالاة
بل يتحسس معاناة الناس ويمد يد العون لهم، وقد ورد عن الاِمام
الصادق عليه السلام أنّه قال: «المؤمن حسن المعونة خفيف المؤونة..» (4).
وكان أئمة أهل البيت عليهم السلام نموذجاً فريداً للاِيمان الكامل يقدّمون
العون للفقراء والمعوزين ـ كما أشرنا سابقاً ـ ويحرصون على عدم الكشف
____________
(1) المصدر السابق: 20.
(2) اُصول الكافي 2: 307 | 7 كتاب الاِيمان والكفر.
(3) تحف العقول: 248.
(4) اُصول الكافي 2: 241 | 38 كتاب الاِيمان والكفر.
عن شخصياتهم، توخياً للثواب الجزيل على صدقة السر، وبُعداً عن
الرياء فكانوا في إعانة الملهوف كالبنفسج المختبىء بين لفائف الاَدغال
ينشق الناس طيبه ويحمدون عرفه وإن لم يعرفوا مكانه. وفي الخصال
بسنده عن الباقر عليه السلام: «كان علي بن الحسين عليهما السلام يخرج في الليلة الظلماء
فيحمل الجراب على ظهره وفيه الصرر من الدنانير والدراهم، وربما حمل
على ظهره الطعام أو الحطب حتى يأتي باباً باباً فيقرعه ثم يناول من يخرج
إليه، وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيراً لئلا يعرفه فلما توفى فقدوا ذلك
فعلموا أنه كان علي بن الحسين، ولقد خرج ذات يوم وعليه مطرف خز
فتعرض له سائل فتعلق بالمطرف فمضى وتركه» (1).
من جانب آخر أنّ المؤمن ألف مألوف، يتحبب إلى الناس، ويسعى
لكسب رضاهم، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «المؤمن مألوف ولا خير فيمن
لا يألف ولا يؤلف» (2). فالمؤمن لا يعيش منعزلاً خلف الاَسوار العالية
والابراج العاجية، بل يتفاعل مع الناس ويحرص على مداراتهم والترَّفق
بهم، وقد اعتبر الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّ: «مداراة الناس نصف الاِيمان،
والرفق بهم نصف العيش» (3).
وهناك قرينة اجتماعية قوية تفرز لنا الاِيمان الحقيقي من المزيف وهي
علاقة المؤمن بجيرانه، فمن أحسن إليهم كشف لسان حاله عن عمق
إيمانه. وقد صاغ الاِمام الصادق عليه السلام قاعدة تلازمية لا تقبل الخطأ بين
الاِيمان والاِحسان إلى الجيران، عن أبي حمزة قال: سمعتُ أبا
____________
(1) في رحاب أئمة أهل البيت عليهم السلام، للسيد محسن الاَمين 3: 194.
(2) اُصول الكافي 2: 102 | 17 كتاب الاِيمان والكفر.
(3) المصدر السابق 2: 117 | 5.
عبدالله عليه السلام يقول: «المؤمن من آمن جاره بوائقه، قلتُ: ما بوائقه ؟ قال:
ظلمه وغشمه» (1). وفي كتب السيرة: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتاه رجل من
الاَنصار فقال: إنّي اشتريت داراً من بني فلان، وإنَّ أقرب جيراني منّي
جواراً من لا أرجو خيره ولا آمن شرّه. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً وسلمان
وأبا ذر.. أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنّه «لا إيمان لمن لم يأمن
جاره بوائقه». فنادوا بها ثلاثاً» (2).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع..» (3).
فحسن الجوار ـ إذن ـ من أبرز العلائم الاجتماعية للمؤمن.
____________
(1) وسائل الشيعة 8: 488 كتاب الحج.
(2) المصدر السابق 8: 487.
(3) اُصول الكافي 2: 668 | 14 كتاب العشرة.
   |