|

الفصل الثاني
الكفر وعلامات الكافر
المبحث الاَول: معنى الكفر
حدد الاِمام الصادق عليه السلام معنى الكفر أفضل تحديد، بقوله: «كلّ
معصية عُصي الله بها بجهة الجحد والاِنكار والاستخفاف والتهاون في كلِّ
ما دقّ وجلّ وفاعله كافر ومعناه معنى كُفر، من أيّ ملّةٍ كان ومن أيّ فرقة
كان بعد أن تكون منه معصية بهذه الصفات فهو كافر...» (1).
ويرسم لنا الاِمام الباقر عليه السلام قاعدة عامة في مسألة الاِيمان والكفر هي: «
كلّ شيء يجرّه الاِقرار والتسليم فهو الاِيمان، وكلّ شيء يجرّه الاِنكار
والجحود فهو الكفر» (2).
موجبات الكفر
ومن يستقرأ موجبات الكفر في أحاديث أهل البيت عليهم السلام يجد أنها
تتمحور ـ أساساً ـ حول الفقرات التالية:
أولاً: الشك في الله تعالى ورسوله:
يقول الاِمام الصادق عليه السلام: «من شكَّ
____________
(1) تحف العقول: 330. وأيضاً الوسائل 1: 24 ـ 25.
(2) اُصول الكافي 2: 387 | 15 كتاب الاِيمان والكفر.
في الله وفي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر» (1).
وعن منصور بن حازم قال: قلتُ لاَبي عبدالله عليه السلام من شك في رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كافر» (2).
ثانياً: ترك العمل بالفرائض الواجبة أو جحدها:
وحول هذه الفقرة يقول الاِمام الصادق عليه السلام: «.. إنَّ الله عزَّ وجل فرض فرائض موجبات على
العباد فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها وجحدها كان كافراً»(3)
وعن جابر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «بين الاِيمان والكفر ترك الصلاة» (4).
ثالثاً: الانحراف العقائدي:
وقد يتمثل في تشبيه الله بخلقه وإطلاق صفات المخلوقين عليه، يقول الاِمام الرضا عليه السلام: «من وصف الله بوجه
كالوجوه فقد كفر» (5).
ومن مظاهر الانحراف الاُخرى الموجبة للكفر القول بالجبر والتفويض،
فقد ورد عن الاِمام الرضا عليه السلام إنَّ: «.. القائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض
مشرك» (6). كما ورد عنه عليه السلام أنّ القول بالتناسخ موجب ـ أيضاً ـ للكفر،
قال: «من قال بالتناسخ فهو كافر بالله العظيم مكذّب بالجنة والنار» (7).
____________
(1) اُصول الكافي 2: 386 | 10 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) المصدر السابق 2: 387 | 11 كتاب الاِيمان والكفر.
(3) المصدر السابق 2: 383 | 1 كتاب الاِيمان والكفر.
(4) كنز العمال 7: 279 | 18869.
(5) وسائل الشيعة 18: 557.
(6) وسائل الشيعة 18: 557 باب جملة ما يثبت به الكفر والارتداد.
(7) المصدر السابق.
رابعاً: إدعاء الاِمامة:
فقد جاء عن الصادق عليه السلام أنّه قال: «من ادّعى
الاِمامة وليس من أهلها فهو كافر» (1).
خامساً: بغض أهل البيت عليهم السلام: وهو من الموارد التي تؤدي إلى الكفر،
قال الاِمام الباقر عليه السلام لزيد الشحام: «يا زيد حُبنا إيمان وبغضنا كفر» (2).
وعن عبدالله بن مسعود قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من زعم أنه
آمن بي وبما جئت به وهو يبغض عليّاً عليه السلام فهو كاذب ليس بمؤمن» (3). وقد
تقدم ما يدل عليه في حب أهل البيت عليهم السلام أيضاً.
المبحث الثاني: وجوه الكفر وحدوده
ما أكثر وجوه الكفر وألوانه وما أكثر الطرق المؤدية إليه، بعضها واضح
جلي وبعضها غامض خفي، يسير عليها الاِنسان ولا يعلم أنه صائر إلى
الهاوية.
وقد كشف لنا الاِمام الصادق عليه السلام بما امتاز به من نظرة قرآنية عميقة،
عن وجوه الكفر في القرآن، عن أبي عمرو الزبيدي، عن أبي عبدالله عليه السلام
قال: قلتُ له أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله عزَّ وجلَّ قال عليه السلام:
«الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه فمنها: كفر الجحود، والجحود على
وجهين، والكفر بترك ما أمر الله، وكفر البراءة، وكفر النعم. فأما كفر
الجحود فهو الجحود بالربوبية وهو قول من يقول: لا ربّ ولا جنّة ولا نار
____________
(1) وسائل الشيعة 18: 560.
(2) المصدر السابق 18: 561.
(3) المناقب للخوارزمي: 35.
وهو قول صنفين من الزّنادقة يقال لهم: الدّهرية وهم الذين يقولون:
(..وما يُهلِكُنا إلاّ الدَّهرُ) (1)وهو دين وضعوه لاَنفسهم بالاستحسان على
غير تثبت منهم ولا تحقيق لشيء مما يقولون.. وقال: (إنَّ الَّذينَ كفرُوا
سواءٌ عليهم ءأنذَرتَهُم أم لم تُنذِرهُم لا يُؤمِنُونَ) (2). يعني بتوحيد الله تعالى
فهذا أحد وجوه الكفر.
وأما الوجه الآخر من الجحود على معرفة وهو أن يجحد الجاحد وهو
يعلم أنّه حقّ قد استقر عنده وقد قال الله عزَّ وجلَّ: (وجَحَدُوا بِها واستَيقَنتها
أنفُسهم ظُلماً وعُلُّواً..) (3)وقال الله عزَّ وجل: (.. وكانُوا مِن قَبلُ يَستَفتِحُونَ
على الَّذينَ كفروا فلمّا جاءَهُم ما عَرفُوا كَفروا بِهِ فَلعَنةُ اللهِ على الكافِرينَ) (4)
فهذا تفسير وجهي الجحود.
والوجه الثالث من الكفر كفر النعم وذلك قوله تعالى يحكي قول
سلمان عليه السلام: (.. هذا مِن فَضل ربي ليبلُوني ءأشكُرُ أم أكفُرُ ومن شَكَرَ فإنّما يَشكُرُ
لِنَفسهِ ومن كَفَر فإنَّ ربي غنيٌّ كريمٌ) (5). وقال: (لئن شَكَرتُم لاَزِيدنّكُم ولئن
كَفرتُم إنَّ عذابي لشديدٌ) (6).
وقال: (فاذكرُوني أذكُركُم واشكروا لي ولا تكفُرون) (7).
____________
(1) سورة الجاثية 45: 24.
(2) سورة البقرة 2: 6.
(3) سورة النمل 27: 14.
(4) سورة البقرة 2: 89.
(5) سورة النمل 27: 40.
(6) سورة إبراهيم 14: 7.
(7) سورة البقرة 2: 152.
والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عزَّ وجلَّ به وهو قول الله عزَّ وجلَّ:
(وإذ أخذنَا مِيثاقَكُم لا تَسفِكُونَ دِمَاءَكُم ولا تُخرِجُونَ أنفُسَكُم مِن ديارِكُم ثمَّ
أقرَرتُم وأنتُم تَشهدُونَ * ثمَّ أنتُم هؤلآءِ تقتُلُونَ أنفُسَكُم وتُخرِجُونَ فريقاً مِنكُم من
دِيارِهِم تظاهرُون عَليهِم بالاِثمِ والعُدوانِ وإن يَأتُوكُم أُسارى تُفادُوهم وهُوَ مُحرَّمٌ
عَليكُم إخراجُهُم أفَتُؤمِنُونَ بَبعضِ الكِتابِ وتَكفُرونَ بِبعضٍ فما جَزآءُ مَن يَفعَلُ
ذَلِكَ مِنكُم..) فكفّرهم بترك ما أمر الله عزَّ وجلَّ به ونسبهم إلى الاِيمان ولم
يقبله منهم ولم ينفعهم عنده فقال: (فَما جَزاءُ من يَفعَلُ ذَلِكَ مِنكُم إلاّ خِزيٌ في
الحَياةِ الدُّنيا ويومَ القيامةِ يُردُّونَ إلى أشدِّ العذابِ وما اللهُ بغافلٍ عَما
تَعمَلُونَ)(1).
والوجه الخامس من الكفر كفر البراءة وذلك قوله عزَّ وجلَّ يحكي قول
إبراهيم عليه السلام: (.. كَفرَنا بِكُم وبَدا بَيننَا وبَينَكُم العَداوَةُ والبَغضَآءُ أبَداً حتّى
تُؤمِنُوا باللهِ وحدَهُ..) (2). يعني تبرأنا منكم، وقال يذكر إبليس وتبرئته من
أوليائه من الاِنس يوم القيامة: (.. إنّي كَفَرتُ بِما أشرَكتُمُونِ مِن قَبلُ) (3).
وقال: (.. إنَّما اتَّخذتُم مِن دُونِ اللهِ أوثَاناً مودَّة بَينَكُم في الحَياةِ الدُّنيا ثُمَّ يَومَ
القِيَامةِ يَكفرُ بَعضُكُم ببعضٍ ويَلعنُ بَعضُكُم بَعضاً..) (4)يعني يتبرّء بعضكم
من بعض» (5).
ومن الكفر العظيم ما يتصل بإنكار الاَنبياء أو تكذيبهم فيما ينقلون عن
____________
(1) سورة البقرة 2: 84 ـ 85.
(2) سورة الممتحنة 60: 4.
(3) سورة إبراهيم 14: 22.
(4) سورة العنكبوت 29: 25.
(5) اُصول الكافي 2: 389، 391 | 1 كتاب الاِيمان والكفر.
الله تعالى مما وصل إلينا بطريق التواتر، أو التفريق بينهم، أو الاِيمان
ببعض الاَنبياء والكفر ببعض، قال تعالى: (إنَّ الَّذينَ يكفُرُونَ باللهِ ورُسلِهِ
ويُريدُونَ أن يُفرّقوا بَينَ اللهِ ورسُلِهِ ويقُولُونَ نؤمِنُ بِبعضٍ ونكفُر بِبعض.. أولئكَ
هُمُ الكافِرُونَ حَقاً) (1).
ويدخل في زمرة الكافرين أهل الاَديان الاُخرى الذين يُنكرون نبوة
محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعموم رسالته وأنه خاتم النبيين، فالقرآن يقول عن اليهود
الذين عرفوا أنّ نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق في عصره ثم أنكروها إستكباراً
وعناداً: (فَلمَّا جآءهُم ما عَرفُوا كَفَرُوا بِهِ فلعنَةُ اللهِ على الكَافِرينَ) (2).
ويدخل ـ أيضاً ـ في زمرة الكافرين الذين أنكروا كون القرآن الكريم من
عند الله تعالى: (قُل أرَيتُم إن كانَ مِن عِندِ اللهِ ثُمَّ كَفرتُم بِهِ..) (3).
ولا بدَّ من التنويه على أنّ الكفر ليس ذاتياً في الاِنسان بل هو عارض
يضعف ويقوى، فإذا قوى حجب الاِيمان وستره ولكن لا ينفيه ولا يبطله
بدليل أنّ من يكفر قد يعود بالتوبة أو بالهداية من الله إلى الاِيمان بعد
الكفر(4) قبل أن يموت، فإذا مات فحكمه أنّه كافر. ومن الشواهد الدالة
على ازدياد الكفر ما ورد عن محمد بن مسلم قال: قلتُ لاَبي عبدالله عليه السلام:
(عُتُلٍّ بعدَ ذلكَ زنيمٍ) (5)قال: «العُتُلُّ العظيم الكفر، والزنيم المستهتر
____________
(1) سورة النساء 4: 150 ـ 151.
(2) سورة البقرة 2: 89.
(3) سورة فصلت 41: 52.
(4) ولا بدَّ أن نميز هنا بين من كفر بعد الاِيمان ومن كان كافراً أصلاً للفرق بين الحالتين وحكمهما،
وتفصيل ذلك تجده في كتب الفقه بعنوان حكم المرتد.
(5) سورة القلم 68: 13.
بكفره» (1).
من جانب آخر نجد نمطاً من الناس قد أسرُّوا الكفر ولكن أظهروا
الاِيمان نفاقاً، فهم كالحرباء التي تتأقلم مع الظروف وتتمحور حول
المصالح الذاتية، وكنموذج من أولئك المنافقين في تاريخنا الاِسلامي
ممن انطلى نفاقهم وكفرهم على شريحة واسعة من المسلمين لتسترهم
بظاهر الاِسلام: معاوية بن أبي سفيان وحزبه.
ولا نقول ذلك اجتهاداً منّا بل لتواتر التصريح به، عن أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام فقد حلف بأغلظ الاَيمان لاَصحابه الذين صفهم في
صفين، على نفاق وزيف إيمان أعدائهم بل وكفرهم، قائلاً: «.. فو الذي
فلق الحبَّة، وبرأ النسمة، ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسرُّوا الكفر، فلما
وجدوا أعواناً عليه أظهروه» (2). فهذا نموذج من الناس يعيش حالة
الفصام بين الظاهر والباطن، فيظهر الاِيمان ويبطن الكفر وهو ـ بلا شك ولا
شبهة ـ من أخطر حالات الكفر ضرراً على الاِسلام.
إنَّ الاِسلام ركّز على التلازم بين الظاهر والباطن، ومثل هذه الرؤية
تتوضح خطوطها فيما ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام: عن الهيثم التميمي قال:
قال أبو عبدالله عليه السلام: «يا هيثم التميمي إنَّ قوماً آمنوا بالظاهر وكفروا
بالباطن فلم ينفعهم شيء، وجاء قوم من بعدهم آمنوا بالباطن وكفروا
بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئاً، ولا إيمان بظاهر إلاّ بباطن ولا بباطن إلاّ
____________
(1) معاني الاَخبار: 149.
(2) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 374 | كتاب 16.
بظاهر» (1).
وبطبيعة الحال يُحمل قوله عليه السلام: «.. وجاء قوم من بعدهم آمنوا بالباطن
وكفروا بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئاً» على عدم القيام بلوازم الاِيمان من
عبادات ومعاملات، بتعبير آخر يراد منه «كفر الطاعة» المتمثل بعدم أداء
الواجبات وعدم الابتعاد عن المحرمات. وإلاّ فهناك شواهد قرآنية قوية
على إيمان من كفر ظاهراً تقيةً من الكفار، يقول تعالى: (مَن كَفرَ باللهِ مِنْ
بَعدِ إيمانِهِ إلاّ مَن أُكرِهَ وقلبُهُ مُطمئنٌ بالاِيمانِ..) (2).
ولا خلاف أنها نزلت في عمّار بن ياسر وجماعته إذ أكرههم مشركوا
قريش على كلمة الكفر فاستجاب بعضهم وأبى بعض ونزل القرآن بعذر
من استجاب وقلبه مطمئن بالاِيمان.
وإنسجاماً مع هذه النظرة القرآنية الاَرحب، دفع آل البيت عليهم السلام شبهة
كفر أبي طالب عليه السلام، تلك الشبهة التي أثارها معاوية وتمسك بها فيما بعد
خلفه وأنصاره، وفي هذا الصدد قال الاِمام الصادق عليه السلام: «إنَّ مثل أبي
طالب مثل أصحاب الكهف، أسرّوا الاِيمان، وأظهروا الشرك فأتاهم الله
أجرهم مرّتين» (3).
هذا، وقد أُلّفت في إيمان أبي طالب عليه السلام عشرات الكتب.
____________
(1) بصائر الدرجات: 536.
(2) سورة النحل 16: 106.
(3) معاني الاَخبار: 285 ـ 286.
المبحث الثالث: منازل الكُفر
للكفر منازل ودرجات، فمن الكفار من يسد منافذ العقل والبصيرة التي
منحها الله تعالى له، ويتمسك بقوة بمتبنياته العقيدية الباطلة كما هو حال
الاِنسان الجاهلي الذي تمسك بالاصنام التي صنعها بيده من الحجر أو
التمر ! كما تمسك بظنونه بقوى الجن والسحر، وشبَّ على شهواته لاهياً
عما يصير إليه، قال تعالى: (.. والَّذينَ كَفرُوا يَتَمتَّعُونَ ويأكُلُونَ كَما تأكُلُ
الاَنعامُ والنَّارُ مثوىً لهُم) (1). ومن الكفار من يؤمن بالله تعالى ولكن
يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويلبسون الحق بالباطل ويبادرون الكفر بما
جاء به خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم كحال بني إسرائيل الذين بلغت قلوبهم درجة
التحجر، لذلك خاطبهم تعالى مستنكراً: (.. أفَكُلّما جَآءَكُم رسُولٌ بِمَا
لاتَهوى أنفُسُكُم استَكبرَتُم فَفَريقاً كذَّبتُم وفَرِيقاً تَقتُلُونَ * وقَالُوا قُلُوبُنا غُلفُ بل
لَعَنَهُمُ اللهُ بكُفرِهِم فقلِيلاً ما يُؤمِنُونَ) (2).
وهناك فريق من المسلمين قد يتسافل فيصل إلى أقرب المنازل من
الكفر وإن لم يسمَّ كافراً، وذلك في الحالات التالية:
أولاً: التعصب للبدع
وذلك عندما يبتدع شيئاً مخالفاً لقواعد الشرع
ومتبنياته، فيتعصب لما إبتدعه ويعتبره من المسلمات التي لا تقبل نقاشاً
ولا جدلاً، ومن الشواهد الدالة على هذا النمط، ما ورد عن الحلبي قال:
قلتُ لاَبي عبدالله عليه السلام ما أدنى ما يكون به العبد كافراً ؟ قال: «أن يبتدع به
____________
(1) سورة محمد 47: 12.
(2) سورة البقرة 2: 87 ـ 88.
شيئاً فيتولى عليه ويتبرأ ممّن خالفه» (1).
ومن خطورة التعصب للبدع أنه يجرّ صاحبه إلى الكذب على الشرع
الحنيف وذلك بأن يتخبط تخبطاً عشوائياً فيقلب الحقائق الشرعية
الواضحة فيعتبر المنهي عنه مأموراً به ! ويتخذ موقفاً معادياً لمن يخالفه،
ويكشف لنا الاِمام علي عليه السلام عن هذا النمط من الانحراف عن جادّة
الصواب بقوله: «... أدنى ما يكون به العبد كافراً من زعم أنَّ شيئاً نهى الله
عنه أنّ الله أمر به ونصبه ديناً يتولى عليه ويزعم أنّه يعبد الذي أمره به وإنّما
يعبد الشيطان» (2). كما ورد عن الاِمام الرّضا عليه السلام: «من شبّه الله بخلقه فهو
مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر» (3).
ثانياً: الخروج عن قواعد الاَخلاق
لا يمكن التفريق بين الاِيمان
والاخلاق، وعليه فكل من فقد الخلق الحسن لا بدَّ وأن يقترب من الكفر
وإن نطق الشهادتين، فمن يتصف بالكذب والخيانة وخلف الوعد، ويقوم
بهتك حرمات الناس، وإحصاء عثراتهم فسوف يتسافل إلى أسفل
السافلين، وتكون منزلته أدنى منازل الكفر وإن لم يكن كافراً وفي هذا
الاطار ورد عن الاِمام الباقر عليه السلام: «إنَّ أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن
يؤاخي الرّجل الرّجل على الدّين فيحصي عليه زلاتّه ليعيّره بها يوماً
ما»(4).
____________
(1) معاني الاخبار: 393
(2) اصول الكافي 2: 414 ـ 415 / 1 كتاب الايمان والكفر.
(3) وسائل الشيعة 18: 557 باب جملة ما يثبت به الكفر والارتداد.
(4) اصول الكافي 2: 355 / 6 كتاب الكفر والايمان.
المبحث الرابع: اُصول الكفر وعلامات الكافر
أولاً: اُصول الكفر
إذا تتبعنا اُصول الكفر وأركانه في مصادرنا المعرفية، فسنجد أنه يتمثل
في ثلاثة خصال تشكّل ثالوث الكفر وهي: الاستكبار، والحرص،
والحسد.
أما الاستكبار فقد أدى إلى امتناع ابليس (لعنه الله) من السجود
لآدم عليه السلام وعصى ـ بذلك ـ الاَمر الاِلهي، بعد أن «اعترته الحمية، وغلبت
عليه الشقوة وتعزَّز بخلقة النار، واستهون خلق الصّلصال، فأعطاه الله النّظرة
استحقاقاً للسُّخطة واستتماماً للبليَّة وإنجازاً للعدة...» (1).
أما الحرص فهو السبب المباشر في تكالب الناس في كلِّ عصر وجيل
على حطام الدنيا ومتاعها القليل، وهو من أخس الرذائل المؤدية إلى
كفران النعم والشك بعد اليقين والوهن بعد العزيمة والوجل بعد الجذل،
وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الحرص وضرورة الابتعاد عنه لما فيه من
نتائج وخيمة في دنيا الفرد وآخرته.
فعن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من علامات
الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الدنيا،
والاصرار على الذنب» (2).
كما أنّ هناك أحاديث كثيرة تبيّن دعائم الكفر التي تتكىء على اُصوله
____________
(1) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 42 | خطبة 1.
(2) اُصول الكافي 2: 290 | 6 باب اُصول الكفر واركانه من كتاب الاِيمان والكفر.
أو تتظافر معها وكلّها ترجع إلى أمراض نفسية خطيرة تبعد الاِنسان عن
دائرة الاِيمان.
ثانياً: علامات الكافر
لقد رسم القرآن لنا بدِّقة علامات الكافر، ويمكن التطرق إليها ضمن
الفقرات التالية:
1 ـ الجهل:
وهو أصل كلّ شر ومنبع كل رذيلة، والكافر جاهل لاترجى هدايته
بالحجة والبرهان ولا بالموعظة والنصيحة.. (إنَّ الَّذينَ كفرُوا سَوآءٌ عَليهم
ءأنذرتَهُم أم لم تُنذرهُم لا يُؤمِنُونَ) (1). فالجهل هو السبب الرئيسي وراء
الكفر قال: أمير المؤمنين عليه السلام: «لو أنَّ العباد حين جهلوا وقفوا، لم يكفروا
ولم يضلّوا» (2).
ولاَنَّ الكفار قد تبلّدت عقولهم، فهم يعيشون حالة الخواء من الداخل
كجذوع نخل خاوية لا روح فيها ولا ثمر لذلك أمر نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم
بالاعراض عنهم بقوله تعالى: (خُذِ العَفوَ وأمُر بالعُرفِ وأعرِض عن
الجَاهِلينَ) (3).
2 ـ موالاة الطاغوت:
سواءاً أكان معنى الطاغوت الشيطان أو الدّنيا الدنية أو الحاكم الجبار
____________
(1) سورة البقرة 2: 6.
(2) غرر الحكم.
(3) سورة الاَعراف 7: 199.
حسب اختلاف المفسرين، فإنّ الطاغوت ما تكون موالاته والاقتداء به
والاعتماد عليه سبباً للخروج عن الحق. قال تعالى: (.. والَّذينَ كفرُوا
أوليآؤهُم الطَاغُوتُ يُخرِجُونَهُم مِنّ النُّورِ إلى الظُلماتِ) (1). ولا يتوقف الاَمر
عند حد الموالاة المجرّدة بل أنّ الكافر يذهب بعيداً في موالاته للطاغوت
إلى حد القتال في سبيله والتضحية بالنفس والنفيس قال تعالى:
(..والَّذينَ كفرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطَّاغُوتِ..) (2).
3 ـ الافراط في الشهوات والملذات:
ومن علامات الكافر التي تميزه عن المؤمن، إفراطه في شهواته
وملذاته، لاهم له غيرها حتى كأنه لم يخلق إلاّ لاجلها، وقد وصفهم
القرآن الكريم بهذا، قال تعالى: (.. والَّذينَ كَفرُوا يَتَمتعُونَ ويأكُلُونَ كَما تأكُلُ
الاَنعامُ والنَّارُ مثوىً لهُم) (3)، بينما نجد المؤمن يعتبر تلك الاُمور وسيلة
إلى هدف أعلى لاَنّها لم تكن غاية بحد ذاتها ومن هنا قال أمير
المؤمنين عليه السلام: «.. فما خُلقتُ ليشغلني أكلُ الطَّيباتِ كالبهيمة المربُوطة،
همُّها علفُها، أو المُرسلةِ شُغلُها تقمُّمها، تكترشُ من أعلافها، وتلهو عمَّا
يُرادُ بها..» (4)، وقال عليه السلام: «همّ الكافر لدنياه، وسعيه لعاجله، وغايته
شهوته» (5).
____________
(1) سورة البقرة 2: 257.
(2) سورة النساء 4: 76.
(3) سورة محمد 47: 12.
(4) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 418 | كتاب 45.
(5) غرر الحكم.
4 ـ الخيانة والمكر والخداع والكذب:
ومن العلامات البارزة في حياة الكفّار الخيانة والمكر والخداع
والكذب، إذ لا رادع لهم عن ذلك لاَنّهم فقدوا لذة الاِيمان ودوره في
محاسبة النفس، وقد شخّص الاِمام علي عليه السلام بدقة علامات الكافر بقوله: «
الكافر خبٌّ لئيم، خؤون مغرور بجهله..» (1). والخبّ هو: «الخدّاع ومعناه
الذي يفسد الناس بالخداع ويمكر ويحتال في الاَمر، يقال فلان (خبّ
ضبّ) إذا كان فاسداً مفسداً مراوغاً» (2).
وأما الكذب فهو من أخصّ علامات الكافرين، قال تعالى: (بل الَّذينَ
كفروا يُكذّبُونَ) (3). وقال أيضاً: (إنَّما يَفتَري الكَذِبَ الَّذينَ لا يؤمِنُونَ
بآياتِ اللهِ وأُولئكَ همُ الكاذِبُونَ) (4)فمما يميز المؤمن عن الكافر هو أنّ
الاَخير يكذب ويخون الاَمانة وبذلك لا يمكن الثقة بأقواله ومعاملاته، قال
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إياكم والكذب فإنَّ الكذب مجانب للاِيمان» (5). وقال
أيضاً: «كلُّ خلَّةٍ يُطبع عليها المؤمن إلاّ الخيانة والكذب» (6). وقد ورد عن
الحسن بن محبوب قال: قلتُ لاَبي عبدالله عليه السلام: يكون المؤمن بخيلاً ؟
قال: «نعم، قلتُ: فيكون كذّاباً ؟ قال: لا ولا خائناً، ثم قال: يُجبل
____________
(1) غرر الحكم.
(2) مجمع البحرين، للشيخ الطريحي 2: 48.
(3) سورة الانشقاق 84: 22.
(4) سورة النحل 16: 105.
(5) كنز العمال 3: 620 | خ 8206.
(6) المصدر السابق: خ 8211.
المؤمن على كلِّ طبيعة إلاّ الخيانة» (1).
ولا بدَّ من التنويه على أنّ المؤمن قد يكذب ولكن بداعي الصلاح أما
الكافر فيكذب بداعي الفساد وشتان ما بين الداعيين، وقد أحب الله
تعالى الكذب في الصلاح، جاء في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للاِمام علي عليه السلام: «..
يا علي إنَّ الله عزَّ وجلَّ أحبَّ الكذب في الصلاح وأبغض الصدق في الفساد
» (2). وقال له أيضاً: «يا علي: ثلاث يحسن فيهنَّ الكذب: المكيدة في
الحرب، وعِدتك زوجتك، والاصلاح بين الناس..» (3). فالكافر إذن
يتصف بالكذب، وهو عندما يواجهه المؤمن بالبرهان الذي يكشف عن
زيف دعواه، تستبد به الحيرة ويتملكه الاضطراب فيتهم المؤمن بالكذب
! ومن الشواهد القرآنية على هذا المنحى المنحرف، موقف أهل مدين
من دعوة شعيب وما سبقه من الرسل فقد: (كذَّبَ أصحابُ الاَيكةِ
المُرسَلِينَ * إذ قَال لهُم شُعيبٌ ألا تَتقُونَ * إنّي لكُم رسُولٌ أمينٌ.. قالوا إنَّما أنتَ
مِنَ المُسحَّرِينَ * وما أنتَ إلاّ بشرٌ مِثلُنا وإن نَّظُنكَ لَمِنَ الكَاذِبينَ) (4).
ومن الشواهد القرآنية الاُخرى الدالة على تكذيب الكاذب للمؤمن
ماقصّه الله تعالى من كذب زليخا امرأة العزيز على يوسف عليه السلام عندما
راودته عن نفسه وعرضت عليه مفاتنها، ولما استعصم قذفته كذباً وزوراً،
ولكن يوسف دفع التهمة عن ساحته، وقيّض الله تعالى له حكماً من أهلها
____________
(1) الاختصاص: 231.
(2) مكارم الاخلاق، للطبرسي: 433.
(3) المصدر السابق: 437.
(4) سورة الشعراء 26: 176 ـ 186.
فقطع النزاع كما حكاه القرآن الكريم: (.. إنَّ كانَ قميصهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَت
وهُوَ مِنَ الكاذِبينَ * وإن كانَ قميصُهُ قُدَّ مِن دُبُر فَكَذَبَت وهُوَ مِن الصَّادِقينَ *
فلمَّا رءا قَميصَهُ قُدَّ مِن دُبُر قَالَ إنَّهُ مِن كيدكُنَّ إنَّ كَيدَكُنَّ عظيمٌ) (1). فقد
استخدمت هذه المرأة ضد يوسف عليه السلام سلاح الكذب والافتراء ولكن الله
صرف عنه السوء والفحشاء.
ولا شكَّ أنّ الاَنبياء عليهم السلام منزّهون عن القبائح كلّها ورأسها الكذب.
5 ـ السخرية والاستهزاء بالآخرين:
ولما كان الكافر جاهلاً يعجز ـ عادة ـ عن الرد على أهل الاِيمان
بالحجة والبرهان، يعبر عن عجزه هذا بالاستهزاء بهم والسخرية منهم،
يقول تعالى: (زُيّنَ للَّذينَ كَفرُوا الحَياةُ الدُّنيا ويَسخَرونَ مِنَ الَّذين
آمنُوا..)(2). وهذه أحد علامات الكفّار في كلِّ زمان ومكان، يسخرون
من المصلحين ويتهمونهم بالجهل والتخلف وعدم المسايرة لروح العصر !
فعلى سبيل المثال، لما أمر الله نوحاً أن يصنع السفينة، كان تحوله من
داعٍ إلى الله إلى نجّار سبباً في تعجب الكفّار فجعلوا من هذا الاَمر مادةً
للسخرية والتندّر عليه.. (ويَصنَعُ الفُلكَ وكُلَّما مرَّ عَليهِ ملاٌَ مِّن قَومِهِ سَخِرُوا
مِنهُ قال إن تَسخَرُوا مِنَّا فإنّا نَسخَرُ مِنكُم كَما تَسخَرُونَ) (3).
وكان أهل مدين لا يؤمنون بالله ويعبدون سواه وكانوا من أسوأ الناس
معاملة ينقصون الكيل والميزان إذا باعوا، فبعث الله فيهم رجلاً منهم وهو
____________
(1) سورة يوسف 12: 26 ـ 28.
(2) سورة البقرة 2: 212.
(3) سورة هود 11: 38.
رسوله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده، ونهاهم عن تعاطي هذه
الافعال القبيحة وأمرهم بالعدل وحذرهم من عاقبة الظلم، ولكن القوم
أصروا على باطلهم وقابلوه بالاستهزاء والتهكم (قالوا يا شُعيب أصلواتُكَ
تأمرُكَ أن نَّترك ما يعبدُ ءآباؤنا أو أن نَّفعل في أموالنا ما نشاءُ..) (1).
وهذه النفسية المعقدة سببت لهم ضياع فرص الهداية إلى الاَبد إذ كلّما
سمعوا كلاماً فسروه تفسيراً سلبياً واستهزؤا به.
ويصف لنا تعالى حالة التذبذب والنفاق التي يعيشها هؤلاء بقوله
الكريم: (وإذا لَقُوا الَّذينَ آمنُوا قَالُوا آمَنّا وإذا خَلَوا إلى شَياطِينِهِم قَالُوا إنّا
مَعكُم إنَّما نَحنُ مُستهزِؤنَ) (2).
6 ـ الغرور والاستكبار:
إنَّ من عادة الكفّار الاغترار بقدرتهم وقوتهم مع المكابرة عن قبول
الحق، سادرين في غيهم، لاهين في غفلتهم، متناسين أو ناسين سخط
الله القوي عليهم حتى لكأنهم يظنون أنّ قوتهم لا تضمحل وسطوتهم لا
تزول، وقد سخر القرآن الكريم من ذلك التعجرف والغرور وسفّه أحلام
هؤلاء الجهلاء قائلاً: (أمّن هذا الَّذي هُوَ جُندٌ لَكُم يَنصُرُكُم مِن دونِ الرحمنِ
إن الكافِرُونَ إلاّ في غُرُورٍ) (3). ولهذا، نراهم عندما يحاول المؤمنون أن
يبرهنوا لهم عن قصور هذه الرؤية، وأنّ معادلات القوة ليست ثابتة،
تأخذهم العزّة بالاِثم، فيتجهون للعناد والشقاق، قال تعالى: (بَلِ الَّذينَ
____________
(1) سورة هود 11: 87.
(2) سورة البقرة 2: 14.
(3) سورة الملك 67: 20.
كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ) (1).
ومن الاَمثال الرائعة التي ضربها القرآن الكريم في هذا المجال قصة
صاحب الجنتين، الذي كان كافراً غنياً قد أبطرته النعمة، فأخذ يحاور
صاحبه المؤمن الفقير مفتخراً عليه بأمواله وكثرة أعوانه. وما سرده الله من
تحاورهما يصوّر للاِنسان بأجلى بيان كيف ينفخ الشيطان في اُنوف
أصحاب المال ويطغيهم حتى يلقيهم في مهاوي الهلكة. وكيف يعلو
الاِيمان بنفس صاحبه.. ويجعل له حسن العاقبة في الدارين (2).
قال تعالى: (واضرِب لهُم مَثلاً رَّجُلَينِ جَعلنا لاَحدِهِما جنَّتينِ مِن أعنابٍ
وحَففنَاهُما بنخلٍ وجعلنَا بَينَهُما زَرعَاً * كِلتَا الجَنتَينِ ءاتت اُكلَها ولم تَظلِم مِنهُ
شَيئاً وفجَّرنا خِلالهُما نَهراً * وكانَ لَهُ ثَمرٌ فقالَ لِصاحبِهِ وهُوَ يَحاورهُ أنا أكثرُ مِنكَ
مالاً وأعزُّ نفراً * ودَخلَ جنَّتهُ وَهُوَ ظَالمٌ لِنفسِه قالَ ما أظنُ أن تَبيدَ هذهِ أبداً*
ومآ أظُنُّ السّاعةَ قآئمةً ولئِن رُّددتُ إلى رَبّي لاَجدَنَّ خَيراً مِنها مُنقلباً * قالَ لَهُ
صاحبُهُ وَهُوَ يُحاورُهُ أكفرتَ بالَّذي خَلقكَ من تُرابٍ ثُمَّ من نُّطفةٍ ثُمَّ سوَّاكَ
رجُلاً* لكنّا هُوَ اللهُ ربّي ولا أُشرِكُ بِربّي أحَداً... وأُحِيطَ بثمرهِ فأصبَحَ يُقلّبُ
كفَّيهِ على مآ أنفقَ فِيهَا وهِي خَاويةٌ على عُروشِهَا ويقُولُ ياليتَني لم أُشرك بِربي
أحَداً * ولم تَكُن لَّهُ فِئةٌ يَنصُرُونهُ مِن دونِ اللهِ وما كانَ مُنتَصِراً..) (3).
____________
(1) سورة ص 38: 2.
(2) الامثال في القرآن، للدكتور محمود بن الشريف: 105 دار مكتبة الهلال ـ بيروت ط5.
(3) سورة الكهف 18: 32 ـ 43.
الفصل الثالث
ما يخرج عن الاِيمان
المؤمن هو الذي يسير بخطى ثابتة على درب الاِيمان الواضح المعالم
ولكن قد يتعرض لعواصف هوجاء من الاَهواء والشبهات فتخرجه عن
جادّة الصواب، وتسقطه من قمة جبل الاِيمان إلى وادي الكفر السحيق،
وعندئذٍ يصبح فقيراً من الناحية المعنوية بعد أن كان غنياً بإيمانه، سأل
زيد بن صوحان العبدي أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: «.. فأيُّ فقر أشدّ ؟»
قال عليه السلام: «الكفر بعد الاِيمان» (1).
وسقوط الاِنسان في حضيض الكفر بعد الايمان إنّما يتم على مراحل
وخطوات، لا سيّما وأنّ الشيطان يتّبع مع الاِنسان سياسة: الخطوة خطوة !
لذلك حذر تعالى المؤمنين من إتّباع خطواته قائلاً: (يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا
لاتتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيطانِ..) (2)، وقال أيضاً: (يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا ادخُلُوا
في السّلمِ كافةً ولا تتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيطانِ إنَّهُ لكُم عَدوٌّ مّبينٌ) (3).
____________
(1) معاني الاخبار: 198.
(2) سورة النور 24: 21.
(3) سورة البقرة 2: 208.
فشغل الشيطان الشاغل هو إضلال الاِنسان بشتى الحيل والسبل
ولايتمكن من إيقاع الطلاق فجأة بين الاِنسان والاِيمان لذلك يسعى
للوصول إلى هدفه التضليلي على مراحل.
والله تعالى يبغض ذلك الاِنسان الذي يلقي بزمام أمره إلى عدوه
الشيطان حيثُ السقوط التدريجي والهلاك، ويؤيده الاَثر الوارد عن
سلمان الفارسي قدس سره أنه قال: «إذا أراد الله عزَّ وجل هلاك عبد نزع منه
الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلاّ خائناً مخوناً فإذا كان خائناً مخوناً
نزعت منه الاَمانة، فإذا نزعت منه الاَمانة لم تلقه إلاّ فظّاً غليظاً، فإذا كان
فظاً غليظاً نزعت منه ربقة الاِيمان، فإذا نزعت منه ربقة الاِيمان لم تلقه إلاّ
شيطاناً ملعوناً» (1).
المبحث الاَول: عوامل زوال الاِيمان
هناك مجموعة من العوامل تسهم في إخراج الاِنسان عن طريق
الاِيمان السوّي، يمكن الاِشارة إلى أبرزها بالنقاط الآتية:
أولاً: عدم معرفة الاَئمة
لمّا كان الاَئمة عليهم السلام هم السبيل إلى الله تعالى،
والمسلك إلى رضوانه وحججه على عباده لذا وجبت معرفتهم ومحبتهم،
ويؤيد ذلك ما في آية المودة والحديث المتواتر: «من مات ولم يعرف
إمام زمانه مات ميتةً جاهلية» (2)ومن هنا قال الاِمام الباقر أو الصادق عليهما السلام:
____________
(1) اُصول الكافي 2: 291 | 10 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) صحيح البخاري 5: 13 باب الفتن، وصحيح مسلم 6: 21 ـ 22 | 1849.
واُصول الكافي 1: 303 | 5، وكمال الدين 2: 412 ـ 413 | 10 و 11 و 12 و 15 باب
الاِمامة والتبصرة على اختلافٍ في اللفظ ولا بدَّ أن يكون المراد في جميع الاَلفاظ هو مادلّ
عليه اللفظ المذكور أعلاه.
«لا يكون العبد مؤمناً حتى يعرف الله ورسوله والاَئمة كلّهم وإمام زمانه
ويرد إليه ويسلم له» (1). وقال الاِمام الباقر عليه السلام في بيان قوله تعالى: (كَمَنْ
مَثَلُهُ في الظُّلماتِ ليسَ بِخَارجٍ مِنها) «الذي لا يعرف الاِمام»(2).
فالمؤمن الكامل في إيمانه يجب أن يعرف إمام زمانه وبدون هذه
المعرفة الواجبة عليه يصبح ضالاً كالحمل الضائع الذي يسير بلا راع نحو
المجهول، عن سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قلتُ له
ما أدنى ما يكون به الرجل ضالاً ؟ قال عليه السلام: «أن لا يعرف من أمر الله بطاعته
، وفرض ولايته، وجعله حُجَّته في أرضه، وشاهده على خلقه. قلتُ: فمن
هم يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام: الّذين قرنهم الله بنفسه وبنبيّه فقال: (يا
أيُّها الّذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأُولي الاَمر منكم..)» قال:
فقبّلت رأسه وقلتُ: أوضحت لي وفرّجت عنّي وأذهبت كلَّ شيء كان
في قلبي (3).
فكلّ إنكار للاَئمة عليهم السلام ـ إذن ـ يجرّ إلى هاوية الكفر كما أنّ إدعاء الاِمامة
بغير وجه حق يعتبر من الموارد التي تورد صاحبها الكفر، عن الفضيل،
عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «من ادّعى الاِمامة وليس من أهلها فهو كافر» (4)
ثانياً: الغلو
وهو من العوامل الاَساسية التي تسهم في خروج الاِنسان
____________
(1) اُصول الكافي 1: 180 | 2.
(2) المصدر السابق 1: 185 | 13.
(3) معاني الاَخبار: 394. والآية من سورة النساء 4: 59.
(4) ثواب الاَعمال: 255.
عن حضيرة الاِيمان، عن سعيد بن جبير قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«ماغلا أحد من القدرية إلاّ خرج عن الاِيمان» (1). وعن بريد العجليّ،
قال: قلتُ لاَبي عبدالله عليه السلام ما أدنى ما يصير به العبد كافراً ؟ قال: فأخذ
حصاة من الاَرض، فقال عليه السلام: «أن يقول لهذه الحصاة إنّها نواة ويبرء ممّن
خالفه على ذلك ويدين الله بالبراءة ممّن قال بغير قوله، فهذا ناصب قد
أشرك بالله وكفر من حيث لا يعلم» (2).
ثالثاً: العصبية
الاِيمان يعني إلتزام الحق ولا يجتمع مع العصبية التي
ضمن ما تعنيه من إيثار مصالح القرابة والقوم على قواعد الحق والعدالة
عند التعارض بينهما وعليه فمن تعصّب فقد انقلب على عقبيه عن
الاِيمان وصُنّف مع أعراب الجاهلية، قال الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «من كان
في قلبه حبّة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب
الجاهلية»(3)، كما جاء عن الاِمام الصادق عليه السلام: «من تعصّب أو تُعصّب له
فقد خلع ربقة الاِيمان من عنقه» (4).
هذا، وللعصبية معنىً آخر غير مذموم وغير مخرج عن الاِيمان كأن
يحب الاِنسان قومه بحيث لا يؤدي ذلك إلى الظلم والعدوان، وقد وضع
الاِمام زين العابدين عليه السلام المقياس الصحيح للتفريق، فقال عليه السلام: «العصبية
التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرّجل شرار قومه خيراً من خيار قوم
آخرين وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن
____________
(1) ثواب الاَعمال وعقاب الاعمال، للصدوق: 254.
(2) معاني الاخبار: 393.
(3) اُصول الكافي 2: 308 | 3 كتاب الاِيمان والكفر.
(4) المصدر السابق: 307 | 1.
يعين قومه على الظلم» (1).
رابعاً: ضرب القرآن بعضه ببعض
المعروف أنّ البعض يتلاعب
بمعاني القرآن حسب أهواءه ومصالحه فيضرب بعضه ببعض ليثبت
حجته ويسكت خصمه تجنياً على الحق والحقيقة، وتشويهاً لمعاني
ومفاهيم القرآن الصافية، وهذا هو عين الجحود والكفر بالله تعالى، عن
القاسم بن سليمان عن أبي عبدالله عليه السلام: «ما ضرب رجل القرآن بعضه
ببعض إلاّ كفر»، وسألت محمد بن الحسن رحمه الله عن معنى هذا الحديث
فقال: هو أن تجيب الرجل في تفسير آية بتفسير آية اُخرى (2)، بمعنى
التمويه على الآخرين بلا دليل أو برهان.
خامساً: الطمع
وهو أحد العوامل النفسية التي تسهم في إخراج
الاِنسان من بوتقة الاِيمان، قيل لاَمير المؤمنين عليه السلام: «ما ثبات الاِيمان ؟»
قال عليه السلام: «الورع، قيل: فما زواله ؟ قال: الطمع» (3).
المبحث الثاني: مرتكب الكبيرة
بعد أن استعرضنا أبرز العوامل التي تخرج الاِنسان من سكة الاِيمان،
نجد من المناسب التطرق إلى مسألة مرتكب الكبيرة فقد اختلف أهل
القبلة فيمن أقرَّ بالشهادتين، وأتى بالذنوب الكبيرة كالقتل وشرب الخمر
وما إلى ذلك. هل هو كافر مخلد في النار، أو أنه مؤمن فاسق يعاقب على
____________
(1) اُصول الكافي 2: 308 | 1 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) معاني الاَخبار: 190.
(3) الاختصاص: 31.
الذنب بما يستحق، ثم يدخل الجنة ؟ ذهب الخوارج إلى كفر مرتكب
الكبيرة، وقال الاِمامية والاَشاعرة وأكثر الاصحاب والتابعين إلى إنّه مؤمن
اتّصف بالفسق، وأحدث المعتزلة قولاً ثالثاً وأثبتوا المنزلة بين المنزلتين،
أي لا هو بالكافر، ولا بالمؤمن. وقد أورد الشيخ المفيد في هذا الصدد
شاهداً قرآنياً على أنّ كبائر الذنوب لا تخرج عن الاِيمان وذلك انّه
لاخلاف أنّ ما صنعه أخوة يوسف عليه السلام بأخيهم من إلقائه في غيابة الجب
وبيعه بالثمن البخس وكذبهم على الذئب وما أوصلوه إلى قلب أبيهم نبي
الله يعقوب من الحزن كان كبيراً من الذنوب. وقد قصّ الله قصتهم وأخبر
عن سؤالهم أباهم الاستغفار عن توبتهم وندمهم فإن كان الحسد لا يخرج
عن الاِيمان، فالكبير من الذنوب أيضاً لا يخرج عن الاَديان (1).
واستدل العلاّمة الحلي في شرح التجريد على صحة القول بأنّ مرتكب
الكبيرة مؤمن فاسق لا يخلد في النار، استدل: «بأنّه لو خلد في النار للزم
أن يكون من عبدَ الله مدة عمره ثم عصى آخر عمره معصية واحدة، مع
بقائه على إيمانه، لزم أن يكون هذا مخلداً في النار، تماماً كمن أشرك بالله
مدة عمره، وذلك محال لقبحه عند العقلاء» (2).
وليس من شك أنّ سيئة واحدة لا تحبط جميع الحسنات، بل العكس
هو الصحيح، لقوله تعالى: (... إنَّ الحسناتِ يُذهبن السيئات..) (3).
والباحث المتجرّد عن الهوى والغرض، يلاحظ أنّ رأي أهل البيت عليهم السلام
____________
(1) الفصول المختارة من العيون والمحاسن: 11 منشورات مكتبة الداوري 1396 هـ ط4.
(2) اُنظر التفسير الكاشف، للشيخ محمد جواد مغنية 1: 139.
(3) سورة هود 11: 114.
حول هذه المسألة الحساسة أكثر صوابية وينسجم مع روح الاِسلام
السمحة، ويتلائم مع رحمة الله الواسعة. فالاِنسان ضعيف بطبعه
ومعرَّض للخطأ، لذلك فتح الله تعالى أمامه باب التوبة على مصراعيه،
عن أبي عبدالله عليه السلام: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب كما
يفرح أحدكم بضالته إذا وجدها» (1).
وعليه فآل البيت عليهم السلام لا يؤيسون الناس من رحمة الله ويدخلونهم في
دائرة الكفر بمجرّد إرتكاب الذنب وإن كان كبيراً، فهناك ربّ رؤوف
يتصف بالرحمة والمغفرة أقسم أن لا يُبقي أحداً في النار من الموحدين.
وتزداد هذه الرؤية وضوحاً وإشراقاً من الاَمل، بما ورد عن أبي
عبدالله عليه السلام: «مامن مؤمن يقارف في يومه وليلته أربعين كبيرة، فيقول:
وهو نادم، استغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم بديع السماوات
والاَرض ذي الجلال والاكرام وأسئله أن يصلي على محمد وآل محمد وأن
يتوب عليَّ إلاّ غفرها الله عزَّ وجلَّ له» (2).
وعنه عليه السلام: «.. قد يكون العبد مسلماً قبل أن يكون مؤمناً ولا يكون
مؤمناً حتى يكون مسلماً، فالاِسلام قبل الاِيمان وهو يشارك الاِيمان، فإذا
أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى
الله عزَّ وجلَّ عنها كان خارجاً من الاِيمان، ساقطاً عنه اسم الاِيمان وثابتاً
عليه اسم الاِسلام، فإن تاب واستغفر عاد إلى دار الاِيمان ولا يخرجه إلى
الكفر إلاّ بالجحود والاستحلال أن يقول للحلال هذا حرام وللحرام هذا
____________
(1) اُصول الكافي 2: 436 | 13 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) المصدر السابق: 438 | 7.
حلال ودان بذلك، فعندها يكون خارجاً من الاِسلام والاِيمان داخلاً في
الكفر، وكان بمنزلة من دخل الحرم ثمَّ دخل الكعبة وأحدث في الكعبة
حدثاً فأُخرج عن الكعبة وعن الحرم فضربت عنقه وصار إلى النار» (1).
نعم الذي يحرم من مغفرة الله هو الذي لم تعرف له توبة قط بعد كفره
ومات على جحوده وإنكاره للحق تبارك وتعالى، وكذلك من كفر بعد
إيمانه وتاب ولكن توبته لم تكن توبة نصوحة إذ سرعان ما أعاد إلى
حضيض الكفر وازداد كفراً قال تعالى: (إنَّ الَّذين آمنُوا ثُمَّ كفروا ثُمَّ آمنُوا ثُمَّ
كفروا ثُمَّ ازدادُوا كُفراً لم يكنِ اللهُ ليغفر لهُم ولا ليهديهُم سبيلاً) (2).
____________
(1) اُصول الكافي 2: 27 ـ 28 | 1 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) سورة النساء 4: 137.
الفصل الرابع
أثر الاِيمان والكفر على الفرد والمجتمع
إنَّ الاِيمان بالله تعالى هو منبع الفضائل، كما أنّ الكفر به هو مصدر
الرذائل كلّها. فبينما كان الفرد مدَّنساً بالشرك، وعبداً لاَهوائه ولاَصنامه
الموهومة وللقوى الاِجتماعية المتنفذة، أصبح ببركة الاِيمان مطهراً من
الشرك وسيداً على نفسه ووجد طريقاً للخلاص من جاهليته في الاعتقاد
والسلوك. وبينما كان المجتمع الجاهلي ممزقاً وفاقداً للعدالة غدا بفضل
عقيدة التوحيد قوياً موحداً يرتكز على قواعد الحق والعدل.
ومن الشواهد التي تعكس لنا النَّقلة الحضارية الكبرى التي أحدثها
الاِيمان على صعيد الفرد والمجتمع ما قاله جعفر بن أبي طالب قدس سره
للنجاشي ملك الحبشة لمّا سأله الاَخير عن سبب هجرتهم ومفارقتهم دين
قومهم، فأجابه قائلاً: «أيُّها الملك، كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الاَصنام،
ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الاَرحام، ونسيء الجوار، ويأكل
القويُّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا نعرف
نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع
ماكنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاَوثان، وأمرنا بصدق
الحديث، وأداء الاَمانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن
المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم،
وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً..» (1).
وبذلك كشف له عن التحوّل الحضاري الذي أحدثه الاِسلام في فترة
وجيزة. لما له من تأثير كبير على حياة الفرد والمجتمع كما سيتضح في
المبحث الآتي:
المبحث الاَول: أثر الاِيمان والكفر على الفرد
كان الاِسلام نقطة البدء في ميلاد إنسان جديد، يعشق القيم والحكمة،
ويتطلع إلى آفاق العلم والمعرفة، ويمتاز بسكينة النفس والسلوك المثالي
وعمق الحس الاِنساني.
إنَّ هذا التحوّل لم ينطلق من فراغ، ولم يحدث على سبيل الصدفة،
وإنّما حصل نتيجة مباشرة لمعطيات الاِيمان الحضارية، التي يمكن
الاِشارة إلى أبرزها عبر آثاره المتعددة بالنقاط الآتية:
أولاً: أثره العلمي
فتح الاِسلام بنوره النوافذ المغلقة أمام عقل الاِنسان الجاهلي الذي لم
يكن له سابق عهد بأبسط العلوم والمعارف التي جاء بها الاِسلام العظيم،
ووجه تفكير ذلك الاِنسان الوجهة الصحيحة إذ دفعه إلى تعقّل ما في هذا
الكون الفسيح من قوى وأسرار وطلب منه التأمل في أقطار السموات
____________
(1) السيرة النبوية، لابن هشام 1: 349 دار الفكر ـ القاهرة.
والاَرض لغايات كثيرة أهمها معرفة الحق تعالى والبرهان على وجوده
الشريف من خلال ما يشعره الاِنسان وما يراه، وكذلك ليكتشف من خلال
هذا التأمل القوانين الرائعة التي تحكم هذا العالم بمنتهى الدقة، مما
ساعد هذا على ميلاد حركة علمية ومعرفية استفاد منها العلماء الالهيون،
وعلماء الطبيعة منذ فجر الاِسلام إلى يومنا هذا، ولم تقتصر آثار الاِيمان
بدين الاِسلام على تلك المعطيات العلمية، بل هناك الكثير منها والتي
لازالت منبعاً ثرّاً لعلماء الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ والفلسفة
والكلام زيادة على ما في دستور الاِسلام القرآن العظيم من نظم ودساتير
وسياسات هي في منتهى الدقة والاِحكام.
وبالجملة فإنّ الحضارة الاِسلامية التي دانت لها أوربا قروناً عديدة إنّما
نشأت بفعل الاِيمان بهذا الدين وما أوجبه من السعي المتواصل نحو
المعرفة والتي ترجمها في أحداثه التاريخية الاُولى بضرورة القضاء على
الاُمّية ـ كما في فداء أسرى بدر ـ بصفتها وباء الاُمم ومعول هدمها، ومن
هنا جاء الحث على أهل العلم أن يعلّموا الناس ما يجهلون، وفي ذلك
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلّموا حتى
أخذ على أهل العلم أن يُعلّموا» (1).
كما حثَّ الاِسلام مريديه على الاستزادة من العلم النافع الذي يقرّب
الانسان من الله تعالى، يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أُتي عليَّ يوم
لاأزداد فيه علماً يقرّبني إلى الله تعالى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك
____________
(1) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 559 | حكم 478.
اليوم» (1).
وقد حدد وصيه الاِمام علي عليه السلام المعطيات الاِيجابية للعلم ودوره
المهم في تقدم الاِنسان وسعادته، عندما قال: «اكتسبوا العلم يكسبكم
الحياة» (2).
لقد أولى الدين للعلم أهمية بالغة وجعل له تقدماً رتبياً حتى على
العبادة، يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على
أدناكم..» (3)… وروى أبو حمزة عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: «عالم يُنتفع
بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد» (4).
وهذه النصوص تعطينا صورة صادقة على توجيه الاِسلام للفرد نحو
ميادين العلم والمعرفة، وذلك لاَنَّ المعرفة بصيرة، والبصيرة قوة.
ثانياً: أثره العملي
ويظهر هذا الاَثر واضحاً على أخلاق المؤمن وسلوكه، فبينما يتّبع
الكافر سلوكاً إنتهازياً لا يؤمن بنظافة الوسيلة ولا شرف الغاية، ويضع
مصالحه الآنية في سلّم الاَولوية، غاضاً النظر عن القيم والاَخلاق، نجد
بالمقابل الاِنسان المتسلح بالاِيمان يسلك سلوكاً مثالياً يرتكز على
الثوابت الاَخلاقية وقواعد السلوك السوّي، والملاحظ أنّه كلما كمل إيمان
الفرد كلّما حسنت أخلاقه وتكاملت فضيلته، وفي الحديث الشريف:
____________
(1) كنز العمال 10: 136 | خ 28687.
(2) غرر الحكم.
(3) كنز العمال 10: 145 | خ 28740.
(4) اُصول الكافي 1: 33 | 8 كتاب فضل العلم.
«.. وأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً..» (1). ونظراً لوجود هذه
العلاقة بين الاِيمان والاَخلاق نجد التوجهات الاَخلاقية تحتل حيزاً كبيراً
من التعاليم الدينية.
لذلك نجد أنّ الافراد الذين يعيشون في مجتمعات بعيدة عن نور
الاِيمان تغلب عليهم سمة الانحطاط الخلقي، ذلك لاَنَّ الحياء فرع
الاِيمان، بل في التعبير النبوي «الحياء والايمان في قرن واحد، فإذا سلب
أحدهما تبعه الآخر» (2).
أضف إلى ذلك أنّ الاِيمان يوجه الفرد نحو العمل والكسب الحلال،
ويحذّره من التكاسل والاتّكال على الآخرين، فمن وصايا الاِمام
الصادق عليه السلام لشيعته خاصة وللمسلمين عامّة: «لا تكسلوا في طلب
معايشكم، فإنَّ آباءنا قد كانوا يركضون فيها ويطلبونها» (3).
وقد ترجم هذا الاِمام العظيم وصيته الذّهبية هذه إلى سلوك مثالي،
فعن الفضيل بن أبي قرّة قال: دخلنا على أبي عبدالله عليه السلام وهو يعمل في
حائط له فقلنا: جعلنا الله فداك، دعنا نعمل لك، أو تعمله الغلمان ؟! قال:
«لا، دعوني فإنّي أشتهي أن يراني الله عزَّ وجلّ أعمل بيدي وأطلب الحلال
في أذى نفسي» (4).
وقد جسّد لنا بسلوكه المثالي مبدأ القدوة الحسنة، الذي هو أحد
____________
(1) كنز العمال 1: 38 | ح 77.
(2) كنز العمال 1: 120 | ح 5766.
(3) من لا يحضره الفقيه 3: 95 دار صعب ـ بيروت 1981 م.
(4) من لا يحضره الفقيه 3: 99.
الاَساليب التربوية التي يتّبعها أهل البيت عليهم السلام، ذلك لاَنَّ «القدوة الحسنة
والمثال الفعلي ـ أي التأثير دون إقناع منطقي ـ تقوم بدور كبير في تكوين
الاتّجاهات. فالاَفعال أعلى صوتاً من الاَقوال، وإيحاء السلوك أقوى من
إيحاء الاَلفاظ» (1).
مما تقدم ظهر لنا أنّ الاِيمان يدفع الفرد نحو السلوك المثالي الذي
يتجسد في الاَخلاق الحسنة والعمل الصالح.
ثالثاً: أثره النفسي
عندما يذكر المؤمن ربّه ويتصل بالقوة العظمى الاِلهية، يتبدد خوفه
ويتغلب على ضعفه ويطمئن قلبه، قال تعالى: (الَّذينَ آمنُوا وتَطمئنُّ
قلُوبُهُم بذكرِ اللهِ ألا بذكرِ اللهِ تَطمَئنُّ القُلُوبُ) (2)، وقال أيضاً: (الَّذينَ آمنُوا
ولم يَلبِسُوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أولئك لهُمُ الاَمنُ وهُم مُهتدُونَ) (3).
فالاِيمان يضفي على النفس طمأنينة عند هبوب عواصف الاَحداث،
ويرفع الاِنسان فوق مستوى الخوف، وفي تاريخ أهل البيت عليهم السلام شواهد
جمّة على ذلك، فهذا قنبر مولى أمير المؤمنين عليه السلام وكان يحبُّ الاِمام
عليّاً عليه السلام حباً شديداً، فإذا خرج الاِمام علي عليه السلام خرج على أثره بالسيف،
فرآه ذات ليلة فقال: «يا قنبر ! ما لك ؟ قال: جئتُ لاَمشي خلفك، فإنَّ
النّاس كما تراهم يا أمير المؤمنين ! فخفتُ عليك، قال عليه السلام: ويحك أمن
____________
(1) اُصول علم النفس، دكتور أحمد عزت راجح: 120 المكتب المصري الحديث ـ الاسكندرية
1970 م ط8.
(2) سورة الرعد 13: 28.
(3) سورة الانعام 6: 82.
أهل السماء تحرسني، أم من أهل الاَرض ؟! قال: لا، بل من أهل الاَرض،
قال عليه السلام: إنَّ أهل الاَرض لا يستطيعون لي شيئاً إلاّ بإذن الله عزَّ وجلَّ من
السّماء فارجع» فرجع (1).
وقال يعلى بن مرّة: (كان عليّ يخرج بالليل إلى المسجد يصلّي تطوّعاً،
فجئنا نحرسه، فلمّا فرغ أتانا فقال: «ما يجلسكم ؟ قلنا: نحرسك، فقال:
أمن أهل السماء تحرسون، أم من أهل الاَرض ؟ قلنا: بل من أهل الاَرض،
قال: إنَّه لا يكون في الاَرض شيء حتى يُقضى في السماء، وليس من أحد
إلاّ وقد وكّل به ملكان يدفعان عنه ويكلآنه حتى يجيء قدره، فإذا جاء قدره
خلّيا بينه وبين قدره، وإنَّ عليَّ من الله جُنّة حصينة فإذا جاء أجلي كشف
عنّي... وأنّه لا يجد طعم الاِيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما
أخطأه لم يكن ليصيبه») (2).
فالاِيمان يبعث نحو التسليم بقضاء الله وقدره وبذلك يبعد عن النفس
شبح الخوف وهاجس القلق، وهو عنصر هام في معالجة أمراض النفس،
وقد اعترف بذلك كثير من علماء النفس المتخصصين منهم الدكتور:
إرنست ادولف، استاذ مساعد بجامعة سانت جونس الامريكية، عندما
سُئل عن الاَسباب الرئيسية للاَمراض العصبية ؟ فأجاب: (إنَّ من الاَسباب
الرئيسية لهذه الاَمراض الشعور بالاِثم أو الخطيئة والحقد والخوف والقلق
والكبت والتردد والشك والغيرة والاِثرة والسأم، ومما يؤسف له أنّ كثيراً
ممن يشتغلون بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب
____________
(1) توحيد الصدوق: 338.
(2) كنز العمال 1: 347 | خ 1564.
النفسي الذي يسببه المرض، ولكنهم يفشلون في معالجة هذه
الاضطرابات، لاَنهم لا يلجأون في علاجها إلى بث الاِيمان بالله في نفوس
هؤلاء المرضى) (1).
والملاحظ أنّ أهم ما يعتمد عليه العلاج النفسي هو مساعدة الفرد
على الاعتراف بخطاياه، وذلك أنّ الاعتراف يعيد إلى النفس المضطربة
اتزانها وطمأنينتها. وقد أقرَّ القرآن من حيث المبدأ بفكرة الاعتراف هذه،
ولكن حوّل وجهته من اعتراف الاِنسان المعروف أمام أبناء جنسه إلى
الاعتراف أمام ربّه وخالقه، فينفس الاِنسان ـ بذلك ـ عن الاحتقان
والشعور بالاثم الذي يحسّه في قرارة نفسه، عندما يقف ـ مثلاً ـ بالصلاة
بين يدي ربّه رافعاً يده في قنوته قائلاً: (.. ربَّنا ظَلمنَا أنفُسَنا وإن لم تَغفر لنا
وتَرحَمنَا لنكُوننَّ مِنَ الخَاسِرينَ) (2).
وقد نقل لنا القرآن الكريم إعترافات عديدة من هذا القبيل ومن ضمنها
بعض أنبيائه ورسله كموسى عليه السلام عندما قتل رجلاً ولم يتعمد ذلك قال:
(رَبِّ إنّي ظلمتُ نَفسي فاغفِر لي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الغفُورُ الرحِيمُ) (3).
ثم إنّ شعور الاِنسان بأنّه ليس وحيداً وأنّ الله تعالى معه على الدوام،
يضفي عليه هذا الشعور نوعاً من الاطمئنان والثقة ويُبعد عنه أشباح
الخوف والقلق والوحدة والشعور بالكآبة لذلك يُطمْئن الله تعالى الناس:
(.. وهو معكم أين ما كنتُم واللهُ بما تعملون بصير) (4).
____________
(1) الخطايا في الاِسلام، لعفيف عبدالفتاح طبارة: 22 ـ 23 دار العلم للملايين ـ بيروت ط1.
(2) سورة الاعراف 7: 23.
(3) سورة القصص 28: 16.
(4) سورة الحديد 57: 4.
فالاِيمان ـ إذن ـ أشبه بمانعة الصواعق تفرّغ كل ما في الاِنسان من
شحنات القلق والخوف والاضطراب، فتمنحه الصحة النفسية والجسدية
معاً. وقد أثبت علم النفس أنّ: «الاِنسان حين يغشاه انفعال كالخوف أو
الحزن أو الغضب، فإنّ هذه التأثيرات الوجدانية والانفعالية تصحبها
تغيرات أو اضطرابات جسمية وفسيولوجية قد تكون بالغة الخطورة إن
أزمن الانفعال. فقد اتّضح أنّ القلق المزمن الموصول قد يؤدي إلى ظهور
قرحة في المعدة أو الاثني عشر، وأنّ الكراهة المكظومة لمدة طويلة قد
تؤدي إلى ارتفاع في ضغط الدم..» (1).
أضف إلى ذلك أنّ الاِيمان يؤدي إلى الاَُنس والراحة النفسية فيبدد
بذلك الشعور بالعزلة ومن خطبةٍ لاَمير المؤمنين عليه السلام قال فيها: «اللَّهمَّ إنَّك
آنسُ الآنسين لاَوليائك... إن أوحشتهم الغُربةُ آنسهُم ذكرُكَ، وإن صُبَّت
عليهم المصائب لجؤوا إلى الاستجارة بك، علماً بأنَّ أزمّة الاُمور
بيدك..»(2).
رابعاً: أثره في تكوين شخصية المؤمن
الاِيمان يشكّل محطة إنطلاق أمام الاِنسان إلى ذرى المجد والرفعة
لكونه يزوده بالقيم والمثل، ويساعده على ضبط نفسه وجوارحه ويجعله
يقبض بإحكام على الدَّفة الموجهة لمساره، فيسير بخطى ثابتة حتى يبلغ
قمة الرُّقي والرِّفعة: «قيل للقمان عليه السلام: ألست عبد آل فلان ؟ قال: بلى،
قيل: فما بلغ بك ما نرى ؟ قال: صدق الحديث، وأداء الاَمانة، وترك
____________
(1) اُصول علم النفس، للدكتور أحمد عزت راجح: 12.
(2) نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح: 349 | خطبة 227.
ما لا يعنيني، وغض بصري، وكف لساني، وعفة طعمتي، فمن نقص
عن هذا فهو دوني، ومن زاد عليه فهو فوقي، ومن عمله فهو مثلي» (1).
ثم أنّ الاِيمان يوفر للفرد العزّة والمكانة والكرامة، قال تعالى: (وللهِ
العزَّةُ ولِرسُولِهِ وللمُؤمِنينَ ولكنَّ المُنافِقينَ لا يَعلَمُونَ) (2).
فالمؤمن عزيز مكرّم، لم يدع للذل إليه سبيلاً، فقد ورد عن الاِمام
الصادق عليه السلام: «إنَّ الله فوّض إلى المؤمن أمره كلّه، ولم يفوّض إليه أن يكون
ذليلاً» (3).
والاِيمان يجعل للفرد مهابة ينظر الناس إليه بعين الاِعظام والاِكبار،
وقد قيل للاِمام الحسن بن علي عليهما السلام: فيك عظمة ! فقال عليه السلام: «بل فيَّ عزَّة
قال الله: (وللهِ العزَّةُ ولِرسُولِهِ وللمُؤمِنينَ)..» (4).
فالاِيمان يُحدث إنعطافاً حاداً في مسير الاِنسان يُخرجه من ذل
المعصية إلى عزِّ الطاعة، ومن خلال هذا التحور الكبير يحصل على
معطيات لا تقدر بثمن، قال الاِمام الصادق عليه السلام: «ما نقل الله عزَّ وجلَّ عبداً
من ذلِّ المعاصي إلى عزِّ التقوى إلاّ أغناه من غير مال، وأعزّه من غير
عشيرة، وآنسه من غير بشر» (5).
فالعبودية لله تعالى هي مبعث العزّة والكرامة ومصدر الفخر والرفعة.
____________
(1) تنبيه الخواطر، للاَمير ورّام 2: 230.
(2) سورة المنافقون 63: 8.
(3) التهذيب، للطوسي 6: 179. وبحار الانوار 100: 93.
(4) تحف العقول: 234.
(5) اُصول الكافي 2: 76 | 8.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا شرف أعلى من الاِسلام ولا عزّ أعزّ من
التقوى» (1).
ومن مناجاته عليه السلام: «إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي
فخراً أن تكون لي ربّاً» (2).
وهكذا نجد الاِيمان يزيد في مكانة الاِنسان المؤمن، ويرفع من رصيده
المعنوي مما ينعكس ذلك على قوة شخصيته ورفعتها، وهناك آثار كثيرة
أُخرى للاِيمان يمكن الاِشارة إليها بنحو الاِجمال وتحت عنوان:
خامساً: آثار اُخرى للاِيمان
1 ـ ضبط النفس واللسان:
الاِيمان يمد النفس بقوة ضبط ذاتية تتمكن من خلالها من كتمان المصائب والهموم والاَمراض وأعمال الخير خوفاً
من الرياء، وقد إمتدح تعالى أولئك الذين يسيطرون على أنفسهم
فيكظمون غيظهم: (.. والكاظمين الغيظ..) (3).
الاِيمان يؤثر تأثيراً بالغاً في ضبط لسان المؤمن، فلا يقول شيئاً بسخط
الله عزَّ وجلَّ لاَنه يعيش حالة تدبّر الاَقوال والافعال بخلاف الكافر، وفي
الحديث الشريف: «إنَّ لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلّم بشيء
تدبّره بقلبه ثم أمضاه بلسانه، وإنَّ لسان المنافق أمام قلبه فإذا همَّ بشيء
أمضاه بلسانه ولم يتدبّره بقلبه» (4).
____________
(1) نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح: 540 | حكم 371.
(2) الخصال، للصدوق: 420 | باب التسعة.
(3) سورة آل عمران 3: 134.
(4) المحجة البيضاء 5: 195.
2 ـ الصمود والشجاعة:
الاِيمان يمدّ المؤمن بشحنات عالية من الصمود والشجاعة في مواطن الجهاد في سبيل الله، فيمكّنه من التغلّب
على نفسه التي تميل إلى الدّعة والراحة وتحب العافية. ولقد انتصر
المسلمون يوم بدر بفضل إيمانهم على الرغم من قلّة عددهم وعدَّتهم.
قال المستشرق المعاصر: جاك ريزلر صاحب كتاب: يقظة الاِسلام،
وكتاب: الحضارة العربية، الذي طبع في فرنسا سنة 1962 م: (بظهور
الدين الاِسلامي بدأت مراحل الحضارة العربية، ويُعزى نجاح قيام هذه
الحضارة وانتشارها إلى عدة أسباب: أهمها إرتفاع الروح المعنوية لدى
المسلمين بفضل الدين الجديد، الاَمر الذي أكسبهم جرأة جعلتهم
يستهينون بالموت في سبيل الله) (1).
3 ـ النظرة الواعية:
ومن آثار الاِيمان العجيبة أنّه يجعل المؤمن ذا نظرة
واعية لجميع ما حوله، ولا يغتر بمغريات الدنيا بأسرها فيقنع بالقليل
منها، ولا يبطره الغنى فيقنع بالقليل منها، ولا يبطره الغنى. قال أمير
المؤمنين عليه السلام: «..إنَّما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار، ويقتات منها
ببطن الاضطرار، ويسمع فيها بإذن المقت والابغاض» (2).
وعن سويد بن غفلة، قال: «دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بعدما بُويع
بالخلافة وهو جالس على حصير وليس في البيت غيره، فقلت:
ياأميرالمؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئاً ممّا يحتاج
إليه البيت ؟ فقال: «يابن غفلة إنَّ اللبيب لا يتأثث في دار النقلة، ولنا دار
____________
(1) التفسير الكاشف، للشيخ مغنية 6: 265 دار العلم للملايين ـ بيروت 1981 م ط2.
(2) نهج البلاغة، صبحي الصالح: 539 | 367 حكم.
أمن قد نقلنا إليها خير متاعنا، وإنّا عن قليل إليها صائرون»» (1).
المبحث الثاني: أثر الاِيمان والكفر على المجتمع
يعتبر الاِيمان عنصراً أساسياً من عناصر التماسك الاجتماعي فهو
يدفع أفراد المجتمع نحو التعاون والتفاهم ويبعدهم عن التنازع
والتخاصم.
ويمكن تلمّس آثار الاِيمان والكفر على المجتمع بالنقاط الآتية:
أولاً: الاخاء والاحترام والنصيحة
يمثل الاِيمان نقطة إنطلاق كبرى في العلاقات البشرية فهو ينقل الناس
من حالة العداء والبغضاء إلى حالة الود والاخاء، قال تعالى: (إنَّما
المُؤمِنُونَ إخوةٌ فأصلِحُوا بين أخَويكُم..) (2).
وقد ذكّر تعالى المؤمنين بنعمة الاخاء التي قلبت حياتهم الاجتماعية
رأساً على عقب ونقلتهم من حالة الكفر والعداء إلى حالة الاِيمان والاخاء،
قال عزَّ من قائل: (واعتصمُوا بحبلِ اللهِ جَميعاً ولا تَفرَّقُوا واذُكرُوا نِعمتَ اللهِ
عليكُم إذ كُنتُم أعدآءً فألّفَ بينَ قُلوبِكُم فأصبَحتُم بِنعمَتِهِ إخواناً وكُنتُم على شَفا
حُفرةٍ مّن النَّار فأنقذكُم مِنها..) (3).
أضف إلى ذلك أنّ الاِسلام يحث المؤمن على إبداء مظاهر الاحترام
والمحبة لاخوانه ويُبشره عن ذلك بالثواب الجزيل، عن أبي عبيدة قال:
____________
(1) تنبيه الخواطر: 275. والبحار 70: 321 ـ 322.
(2) سورة الحجرات 49: 10.
(3) سورة آل عمران 3: 103.
سمعتُ أبا جعفر عليه السلام يقول: «إذا إلتقى المؤمنان فتصافحا أقبل الله بوجهه
عليهما وتتحاتُّ الذنوب عن وجوههما حتى يتفرقا» (1). ولا يقتصر الاَمر
على مظاهر الاحترام والاِكرام بل يتعداهما إلى إبداء النصيحة، قال
الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «المؤمن أخو المؤمن لا يدع نصيحته على كلِّ حال»
(2).
وتتسع مظاهر الاخاء إلى مجالات معنوية ومادية يمكن تبويبها وفق
النقاط التالية:
1 ـ إدخال السرور على قلب المؤمن:
وهو من أحب الاعمال إلى الله تعالى بدليل قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ أحب الاَعمال إلى الله تعالى إدخال
السرور على المؤمنين» (3). وهذا العمل لا شك أنه يوجب الثواب الكبير،
قال أبو عبدالله عليه السلام: «من سرَّ أمرءاً مؤمناً سرَّه الله يوم القيامة، وقيل له:
تمنَّ على ربّك ما أحببت فقد كنت تحب أن تسرَّ أولياءه في دار الدّنيا،
فيُعطى ما تمنى ويزيده الله من عنده مالم يخطر على قلبه من نعم الجنة»(4)
2 ـ عدم إذاعة سرّه:
مما يُعكر صفو العلاقات الاَخوية وقد يعرّضها
للقطيعة، إذاعة المؤمن أسرار أخيه، مما يترك أعمق الاَثر في نفسه،
ويؤدي ذلك إلى إنعدام الثقة به. ومدرسة الاِيمان من خلال توصياتها
القيمة تُدين ـ بشدة ـ مثل هذا التصرف المنحرف. ويكفي مثلاً على
ذلك: ما ورد عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله عليه السلام: قال: قال له: عورة
____________
(1) اُصول الكافي 2: 182 | 17.
(2) كنز العمال 1: 142 | خ 687.
(3) اُصول الكافي 2: 189.
(4) ثواب الاَعمال، للصدوق: 181.
المؤمن على المؤمن حرام، قال عليه السلام: «نعم، قلت: يعني سفليه ؟ قال:
ليس هو حيث تذهب، إنّما هو إذاعة سرّه» (1).
3 ـ إعانته ونصرته:
الاِيمان يدفع أفراد المجتمع أشواطاً بعيدة إلى التعاون والتناصر مما له أعمق الاَثر في القضاء على مظاهر التشتت والفرقة
بين البشر. وليس أدل على ذلك من قول الاِمام الصادق عليه السلام: «ما من مؤمن
يعين مؤمناً مظلوماً إلاّ كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد
الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلاّ ونصره الله في
الدّنيا والآخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلاّ خذله
الله في الدنيا والآخرة» (2).
4 ـ الاِحسان إليه:
المؤمن حقاً من ينظر بعين العطف لاِخوانه المحتاجين، والله تعالى يُشجع مثل هذا التوجه الاِجتماعي ويثيب عليه،
خصوصاً وأنّه يوفر للفئات المحرومة ما لا بدَّ لهم منه كالطعام والشراب
والثياب، عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: «من
أطعم مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً من ظمأ
سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن كسا مؤمناً كساه الله من الثياب
الخضر»(3).
ومن الشواهد ذات الدلالة على تنمية أهل البيت عليهم السلام للشعور
الاجتماعي تجاه المؤمنين، خصوصاً وأنهم المنهل الثر للاِحسان إلى
الغير، ما قاله الاِمام الصادق عليه السلام: «لاَن أطعم مؤمناً محتاجاً أحبّ إليَّ من
____________
(1) معاني الاخبار: 255.
(2) ثواب الاَعمال، للصدوق: 179.
(3) ثواب الاعمال: 166.
أن أزوره ولاَن أزوره أحبّ إليَّ من أن أعتق عشر رقاب» (1).
إذن هنالك أولوية وتقدم رتبي لبعض أعمال الاحسان على بعض وإنّ
لكلِّ عمل خيري ثوابه الخاص به حسب أهميته، وما يدخله من نفع أو
خدمة على المؤمنين.
والمثير في الاَمر هنا أنّ الاِمام الصادق عليه السلام ينظر لقضية الاِحسان من
منظار أعمق وأرحب فهو يرى أنّ فضل المحتاجين عند الاِحسان إليهم
يكون أعظم من فضل المحسنين أنفسهم !. تمعّن جيداً في المحاورة
التالية: عن حسين بن نعيم الصحّاف قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: «أتحبُّ
إخوانك يا حسين ؟ قلت: نعم، قال: تنفع فقراءهم ؟ قلتُ: نعم، قال: أما
إنّه يحق عليك أن تحبَّ من يحبّ الله، أما والله لا تنفع منهم أحداً حتى
تحبّه. أتدعوهم إلى منزلك ؟ قلتُ: نعم، ما آكل إلاّ ومعي منهم الرجلان
والثلاثة والاَقلَّ والاَكثر، فقال: أبو عبدالله: أما إنَّ فضلهم عليك أعظم من
فضلك عليهم، فقلتُ: فداك أطعمهم طعامي وأوطئهم رحلي ويكون
فضلهم عليَّ أعظم ؟! قال: نعم، إنَّهم إذا دخلوا منزلك دخلوا بمغفرتك
ومغفرة عيالك وإذا خرجوا من منزلك خرجوا بذنوبك وذنوب عيالك» (2)
وهذا يعني أنّ الله تعالى جعل استضافة المؤمن سبباً لمغفرة الذنوب،
ثم أنّ دائرة الاِحسان إلى الاَخوان تتسع في أكثر من اتجاه، وتتشعب على
أكثر من صعيد كالاقراض والصدقة وما إلى ذلك.
فالمؤمن بركة على المؤمن ولا تنحصر بركته في مجال واحد، يقول
____________
(1) اُصول الكافي 2: 203 | 18 كتاب الاِيمان والكفر.
(2) اُصول الكافي 2: 201 ـ 202 | 8 كتاب الاِيمان والكفر.
الاِمام الجواد عليه السلام: «المؤمن بركة على المؤمن، وحُجَّة على الكافر» (1)،
وحول إقراض المؤمن وثوابه العظيم، ورد عن أبي عبدالله عليه السلام: قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أقرض مؤمناً قرضاً ينتظر به ميسوره كان حاله في زكاة وكان
هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه إليه» (2).
وقد أشار الاِمام الصادق عليه السلام إلى البعد الفردي للاحسان بقوله: «إذا
أحسن العبد المؤمن ضاعف الله له عمله بكل حسنة سبعمائة ضعف، وذلك
قول الله عزَّ وجلَّ: (واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ)» (3). كما أشار إلى البعد
الاجتماعي مضفياً عليه صبغة حقوقية، عن أبي المأمون الحارثي قال:
قلت لاَبي عبدالله عليه السلام: ما حق المؤمن على المؤمن ؟ قال عليه السلام: «إنَّ من حقّ
المؤمن على المؤمن المودَّة له في صدره، والمواساة له في ماله، والخلف له
في أهله، والنصرة له على من ظلمه، وإن كان نافلة في المسلمين وكان غائباً
أخذ له بنصيبه، وإذ مات الزيارة إلى قبره، وأن لا يظلمه وأن لايغشّه وأن
لا يخونه وأن لا يخذله وأن لا يكذّبه، وأن لا يقول له أفّ، وإذا قال له: أفّ
فليس بينهما ولاية، وإذا قال له: أنت عدوّي فقد كفر أحدهما، وإذا اتهمه
انماث الاِيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء»(4)
وقد عدّ أهل البيت عليهم السلام أداء حق المؤمن من أفضل العبادات قال
الاِمام الصادق عليه السلام: «ما عُبد الله بشيء أفضل من أداء حق المؤمن» (5).
____________
(1) تحف العقول: 489.
(2) ثواب الاَعمال: 168.
(3) المصدر السابق: 202. والآية من سورة البقرة 2: 261.
(4) اُصول الكافي 2: 171 | 7 كتاب الاِيمان والكفر.
(5) اُصول الكافي 2: 170 | 4 كتاب الاِيمان والكفر.
5 ـ قضاء حوائجه:
الاِيمان يدفع الفرد إلى خدمة إخوانه بما يعود عليهم بالنفع والفائدة، قال الاِمام الصادق عليه السلام: «المؤمنون خدم بعضهم
لبعض ـ ولما قيل له ـ وكيف يكونون خدماً بعضهم لبعض ؟ قال عليه السلام: يفيد
بعضهم بعضاً...» (1).
فالاَخوة تؤتي ثمارها الطيبة من خلال دفع الفرد لقضاء حوائج اخوانه
المؤمنين، ومن الملفت للانتباه في هذا السياق أنّ ثواب العمل
الاجتماعي المتأتي عن هذا السبيل، يفوق أضعافاً مضاعفة العمل
العبادي المتأتي عن العتق أو الجهاد وما إلى ذلك. فقد ورد عن أبي
عبدالله عليه السلام: «قضاء حاجة المؤمن خيرٌ من عتق ألف رقبة وخير من حملان
ألف فرس في سبيل الله» (2).
كما أنّ قضاء الحوائج أحب إليه عليه السلام من الحج، عن صفوان الجمّال قال:
كنت جالساً مع أبي عبدالله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من أهل مكة يقال له:
ميمون فشكا إليه تعذّر الكراء عليه. فقال لي قم فأعن أخاك، فقمت معه
فيسّر الله كراه، فرجعت إلى مجلسي فقال: أبو عبدالله عليه السلام: «ما صنعت في
حاجة أخيك ؟ فقلت: قضاها الله بأبي وأمي فقال: أما إنك أن تعين أخاك
المسلم أحبّ إليَّ من طواف اسبوع بالبيت..» (3).
وقد ورد في أحاديث أهل البيت عليهم السلام ما هو صريح بمضاعفة ثواب من
يمشي في قضاء حاجة أخيه المؤمن، فعن الاِمام الصادق عليه السلام: «ما من
مؤمن يمشي لاَخيه المؤمن في حاجة إلاّ كتب الله عزَّ وجلَّ له بكل خطوة
____________
(1) المصدر السابق: 167 | 9.
(2) المصدر السابق 2: 193 | 2 كتاب الاِيمان والكفر.
(3) اُصول الكافي 2: 198 | كتاب الاِيمان والكفر.
حسنة، وحط عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، وزيد بعد ذلك عشر
حسنات وشفّع في عشر حاجات» (1)، كما جاء عنه أيضاً: «من قضى
لاَخيه المؤمن حاجة قضى الله له يوم القيامة مأة ألف حاجة» (2).
وعنه عليه السلام: «.. الله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه» (3).
وكان أهل البيت عليهم السلام يعيبون على الذين لا يتحسسون حوائج إخوانهم
ولا يشعرون بمعاناتهم، عن الحسن بن كثير قال: شكوت إلى أبي جعفر
محمد بن علي عليه السلام الحاجة وجفاء الاخوان، فقال: «بئس الاَخ أخٍ يرعاك
غنياً ويقطعك فقيراً، ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم وقال:
استنفق هذه فإذا نفدت فاعلمني» (4).
وهكذا نجد أنّ مسألة الاَخوة وما تتطلبه من تعاون وتضامن تتصدر
سلّم الاَولوية في اهتمامات الاَئمة عليهم السلام وتوجهاتهم الاجتماعية لكونها
الضمان الوحيد والطريق الاَمثل لاِقامة بناء اجتماعي متماسك. لذلك
حثوا شيعتهم على تحقيق أعلى درجة من التعاون والتضامن، وفي ذلك
يقول الاِمام الباقر عليه السلام لاَحد أصحابه: «يا اسماعيل أرأيت فيما قبلكم إذا
كان الرجل ليس له رداء وعند بعض إخوانه فضل رداء يطرحه عليه حتى
يصيب رداء، فقلت: لا، قال: فإذا كان له إزار يرسل إلى بعض اخوانه بإزاره
حتى يصيب إزاراً، فقلت: لا، فضرب بيده على فخذه ثم قال: ما هؤلاء
____________
(1) المصدر السابق: 197 | 5.
(2) المصدر السابق: 192 ـ 193 | 1.
(3) المصدر السابق: 200 | 5.
(4) الارشاد، للشيخ المفيد: 266.
باخوة» (1).
ومن الشواهد الاُخرى على هذا المسلك المثالي، عن سعيد بن
الحسن قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «أيجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في
كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه ؟! فقلت: ما أعرف ذلك فينا، فقال أبو
جعفر عليه السلام: فلا شيء إذاً، قلتُ: فالهلاك إذاً، فقال: إنَّ القوم لم يعطوا
أحلامهم بعد» (2).
وصفوة القول أنّ الاِيمان يدفع أبناء المجتمع نحو الاِحسان إلى إخوانهم
وخدمتهم ومدّ يد العون لهم وذلك من معطياته الاِجتماعية الهامة.
أما الذين كفروا فلعدم إيمانهم بالمنهج الديني في الحياة فإنهم
يبخلون، وفوق ذلك يأمرون الناس بالبخل ! وقد نقل لنا القرآن الكريم
محاورة قيمة بين المؤمنين والكافرين، أوجزتها آية واحدة ببلاغة فريدة:
(وإذا قِيلَ لَهُم أنفِقُوا ممّا رَزقكُم اللهُ قالَ الَّذينَ كفرُوا للَّذينَ آمنُوا أنُطعِمُ مَن لو
يشاءُ اللهُ أطعمهُ إن أنتُم إلاّ في ضَلالٍ مّبينٍ) (3).
ومن روائع القرآن تصويره البديع للسان حال الكافرين إذ يقولون في
اليوم الآخر بعد أن يسألهم المؤمنون: (ما سَلكَكُم في سَقر * قالُوا لم نَكُ مِن
المُصلّينَ * ولم نَكُ نُطعِمُ المِسكِينَ) (4).
هكذا يدفع الكفر الفرد نحو البخل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يقال
____________
(1) تنبيه الخواطر 2: 85.
(2) اُصول الكافي 2: 173 ـ 174 | 13 كتاب الاِيمان والكفر.
(3) سورة يس 36: 47.
(4) سورة المدثر 74: 42 ـ 44.
للكافر يوم القيامة، لو كان لك ملأ الاَرض ذهباً أكنت تفتدي به فيقول: نعم،
فيقال له: كذبت قد سئلت ما هو أهون عليك من هذا فأبيت» (1).
ثانياً: تغيير الروابط الاجتماعية
بينما يدفع الكفر بأبناء المجتمع نحو هاوية العصبية المقيتة ويركز على
روابط الدم والرَّحم ومظاهر اللون والمكان وما إلى ذلك من روابط
جاهلية، كما قال تعالى: (إذ جَعَلَ الَّذينَ كفرُوا في قُلُوبِهِم الحَميّةَ حَمِيّةَ
الجَاهليةِ) (2).
نجد أنّ الاِيمان يفتح آفاقاً جديدة من العلائق بين البشر ترتكز على
الاَخاء والمساواة، وغدا معيار التفاضل الوحيد بين البشر يقوم أساساً
على الاِيمان والتقوى والفضيلة، قال تعالى: (يا أيُّها النَّاسُ إنّا خلقنَاكُم من
ذَكَر وأُنثى وجعلنَاكُم شُعوباً وقَبائلَ لِتَعارفُوا إنَّ أكرَمَكُم عندَ اللهِ أتقاكُم..) (3).
وهكذا نجد أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد ركّز في عمله التبليغي على إزالة غيوم
العصبية السوداء، وعمل جاهداً على إزالة الرواسب الجاهلية من نفوس
أصحابه والمحيطين به، ومن الشواهد الدالة على هذه الحالة، أنّ
الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه الذي رفعه الاِيمان من أسفل القاع
الاجتماعي إلى القمة، فبعد أن كان عبداً فارسياً أصبح حراً ومن أهل
البيت عليهم السلام ينظر له المسلمون بعين الاحترام، ويقابلوه بالتعظيم والاِكرام
الاَمر الذي أثار حفيظة بعض الاَصحاب كعمر بن الخطاب الذي لم تغادر
العصبية ـ يومئذ ـ قاع وعيه ولم تنفك رواسبها تتحكم في مشاعره، فقد
____________
(1) تنبيه الخواطر 2: 226.
(2) سورة الفتح 48: 26.
(3) سورة الحجرات 49: 13.
دخل سلمان الفارسي ـ ذات يوم ـ مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعظّموه
وقدّموه وصدّروه إجلالاً لحقه وإعظاماً لشيبه واختصاصه بالمصطفى وآله
صلوات الله عليهم. فدخل عمر فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر
فيما بين العرب ؟! فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فخطب فقال: «إنَّ الناس
من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي
ولا للاَحمر على الاَسود إلاّ بالتقوى» (1).
كما وجّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اللَّوم والعتاب للصحابي الجليل أبي ذر ـ إنْ
صحّ الحديث ـ، فعن المعرور بن سويد قال: «مررنا بأبي ذر بالرَّبذة وعليه
بُرد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حُلّة ؟!
فقال: إنَّهُ كان بيني وبين رجل من إخواني كلامٌ، وكانت أُمَّهُ أعجميَّة،
فعيَّرتهُ بأُمَّه، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلقيت النبي فقال: «يا أبا ذرٍّ إنَّك
أمرؤٌ فيك جاهلية !.
قلتُ: يا رسول الله من سبَّ الرجال سبَّوا أباهُ وأُمَّهُ.
قال: يا أبا ذرّ إنَّك أمرؤٌ فيك جاهلية، هم إخوانكم جعلهم الله تحت
أيديكم فأطعموهم ممّا تأكلون، وألبسوهم ممّا تلبسون» (2).
وقد زود الاِسلام المؤمن بنظرة واعية عميقة تحصّنه من الانزلاق في
حضيض العنصرية وتفاخرها بالاحساب والانساب، ويكفي مثلاً على
ذلك أنّه لما: «تفاخرت قريش عند سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: لكن خلقت
من نطفة قذرة، وأعود جيفة منتنة ثم إلى الميزان فإن ثقل فأنا كريم وإن
____________
(1) الاختصاص، للشيخ المفيد: 341.
(2) صحيح مسلم، للنيشابوري 3: 1282 دار إحياء التراث العربي ط1.
خفّ فأنا لئيم» (1).
ولعل من أجلى مظاهر التغيير الاِجتماعي الذي أحدثه الاِيمان أنّ
أفراداً كانوا في أسفل السلّم الاجتماعي قبل الاِسلام أصبحوا ـ على حين
غرة ـ بعد الاِسلام في مواقع اجتماعية عالية يتزوجون من بيوتات
مرموقة، يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّما زوّجت مولاي زيد بن حارثة
زينب بنت جحش، وزوّجت المقداد ضباعة بنت الزبير لتعلموا أنّ أكرمكم
عند الله أحسنكم إسلاماً» (2). كما تبوأ البعض مناصب رفيعة كبلال
الحبشي الذي أصبح مؤذناً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وكان أُسامة بن زيد شاباً يافعاً
فأصبح قائداً عسكرياً أناط به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قيادة الجيش الاِسلامي
المتجه إلى «مؤتة» لمواجهة دولة عظمى هي دولة الروم، وأدخل تحت
إمرته أبا بكر وعمر وكبار المهاجرين والاَنصار.
زد على ذلك دفع الاِيمان على إقامة عادات وتقاليد جديدة بدلاً من
التقاليد البالية التي تمجّد الثراء والرفعة فقد ترك الدين بصماته وآثاره حتى
على مراسم الزواج وعاداته فبينما كان معيار الاختيار يتم على أساس
المال والثروة والجاه غدا يتمحور على التقوى والفضيلة، قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من زوّج كريمته من فاسق فقد قطع رحمه» (3).
وجاء رجل إلى الحسن عليه السلام يستشيره في تزويج ابنته ؟ فقال عليه السلام:
«زوّجها من رجل تقي، فإنّه إنّ أحبّها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها» (4).
____________
(1) تنبيه الخواطر 1: 203.
(2) كنز العمال 1: 78 | 313.
(3) مكارم الاخلاق، للطبرسي: 204.
(4) مكارم الاخلاق، للطبرسي: 204.
ثم إنّ الاِسلام حارب التقاليد البالية التي تمجد المراسم الفارغة التي
لاتنسجم مع بساطة الاِسلام والتي لا تنفع بقدر ما تولد العنت والمشقة
وتضع الحواجز النفسية والاجتماعية خاصة بين الحاكم والمحكوم. وكان
الاِمام علي عليه السلام نموذجاً للحاكم الاِسلامي الذي يحب البساطة والتواضع
ويكره التكلّف والتعظّم بدليل أنّه: «لما لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين
الاَنبار، فترجلوا له واشتدوا بين يديه، فقال عليه السلام: «ما هذا الذي صنعتموه؟
فقالوا: خُلق منّا نعظِّم به أُمراءَنا، فقال عليه السلام: والله ما ينتفعُ بهذا أمراؤكم !
وإنَّكم لتشقُّون على أنفسكم في دُنياكم، وتشقون به في آخرتكم..» (1).
ثالثاً: الاِيمان يمنح البركة والقوّة
الاِيمان يدفع الاَفراد نحو التقدم المطرَّد، والسير إلى الاَمام وعدم
الانكفاء إلى الوراء، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن
كان غده شراً من يومه فهو ملعون، ومن لم يتفقد النقصان من نفسه فهو في
نقصان، ومن كان في نقصان فالموت خيرٌ له» (2). وعن علي بن
الحسين عليه السلام قال: «بينما أمير المؤمنين ذات يوم جالس مع أصحابه يعبيهم
للحرب إذ أتاه شيخ عليه شحبة السفر.. فقال: إنّي أتيتك من ناحية الشام
وأنا شيخ كبير وقد سمعتُ فيك من الفضل ما لا أحصيه وإنّي أظنّك ستُغتال
! فعلمني ما علمّك الله قال: نعم يا شيخ من اعتدل يوماه فهو مغبون.. ومن
كان في نقص فالموت خير له» (3).
إذن فالاِيمان يُحفز أفراد المجتمع على التقدم نحو الاَفضل،
____________
(1) نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح: 475 | حكم 37.
(2) تنبيه الخواطر 2: 29.
(3) تنبيه الخواطر 2: 173.
والاستفادة من طاقاتهم وقدراتهم على النحو الاَكمل.
وعلى هذا الصعيد لا بدَّ من التنويه على أنّ التوجه المخلص لله تعالى
تنعكس آثاره النافعة على الطبيعة التي يعيش فيها الاِنسان فتجود ـ بإذن
الله تعالى ـ بالخير والبركة الاَمر الذي يساعد على زيادة القوة سواءاً كانت
قوة إقتصادية أم اجتماعية وما إلى ذلك. ومن الشواهد القرآنية على ذلك
ما قاله النبي هود عليه السلام لاَبناء مجتمعه الذين أصابهم القحط والجدب بسبب
كفرهم وإعراضهم عن الله تعالى: (ويا قَومِ استغفِرُوا ربَّكُم ثمَّ تُوبُوا إليهِ
يُرسِلِ السَّماءَ عَليكُم مِدراراً ويَزدكُم قُوّةً إلى قُوَّتِكُم ولا تَتولوا مُجرِمِينَ) (1).
لقد بدا واضحاً أنّ هود عليه السلام قد أعلم قومه الكافرين بأنّ طريق الاِيمان
والهداية يؤدي إلى حصول الخير والبركة للمجتمع حيثُ ترسل السماء
مطرها الغزير وتجود الاَرض بالخصب فتتضاعف القوة. أما الاعراض
على طريق الاِيمان فسوف يُنذر بعواقب خطيرة تبرز مؤشراتها المأساوية
بارتفاع البركات المؤدي إلى تدمير المجتمعات، قال تعالى: (وَضَرَبَ
اللهُ مَثلاً قَريةً كانت آمِنَةً مُطمئنةً يأتِيها رِزقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مكانٍ فَكَفَرتْ بأنعُمِ
اللهِ فأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوفِ بِما كانُوا يَصنَعُونَ * وَلَقَد جاءهُم رَسُولٌ
مِنهُم فكذَّبُوهُ فأخذهُم العَذابُ وهُم ظَالِمُونَ) (2).
وهكذا نجد أنّ الكفر عامل أساسي في تدمير المجتمع وفناءه.
وقد دمّر الله تعالى الاُمم الكافرة بمختلف ألوان وأشكال العذاب
وكانت الطبيعة أداةً هامة في تنفيذ العقوبة الاِلهية.
____________
(1) سورة هود 11: 52.
(2) سورة النحل 16: 112 ـ 113.
وقد خاطب تعالى الكافرين محذراً من الاغترار بدوام حالة الاَمن التي
يعيشونها، فإنّ من سُنته الاِمهال قبل حلول النكال، قال لهم بصيغة
الاستفهام الانكاري: (أفأمنتُم أن يَخسِفَ بكُم جَانبَ البر أو يُرسِلَ عَليكُم
حاصِبَاً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُم وكيلاً * أم أمنتُم أن يُعيدَكُم فِيه تارةً أُخرى فَيُرسِلَ
عَليكُم قاصِفاً مِنَ الرِيحِ فَيُغرِقَكُم بِما كَفرتُم ثُمَّ لا تَجِدوا لكُم عَلينا بِهِ تَبِيعاً) (1).
ومن يقرأ سورة هود يلاحظ أنها تستعرض سريعاً أوجه الدمار الذي
حلَّ بالمجتمعات الكافرة ابتداءاً من قوم عاد إلى قوم فرعون. وتستخلص
السورة من كلِّ ذلك عبرة قيّمة مفادها أنّ الظلم كان السبب وراء تدمير
المجتمعات: (.. وَكَذلِكَ أخذُ رَبِكَ إذا أخَذَ القُرى وهِيَ ظَالِمةٌ إنَّ أخذَهُ أليمٌ
شَدِيدٌ) (2).
وهذا بخلاف الاِيمان الذي تمتد بركاته وثماره لا إلى حياة المؤمن
فحسب وإنما إلى أبنائه وأحفاده قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لاَبي ذر:
«ياأبا ذرّ إنَّ الله يصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته
والدور حوله ما دام فيهم» (3).
وصفوة القول إنّ الاِيمان بمثابة السور الوقائي الذي يقي المجتمع من
الدمار ويحقق له البركة والرفاهية ويمنحه القوة. أما الكفر وما يرافقه من
الظلم فإنّه ينطوي على نتائج مأساوية كالدمار والبوار.
والحمدُ لله ربِّ العالمين،
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين
____________
(1) سورة الاسراء 17: 68 ـ 69.
(2) سورة هود 11: 102.
(3) مكارم الاخلاق، للطبرسي: 465 منشورات الاعلمي ـ بيروت 1403 هـ ط5.
المصادر
1 ـ القرآن المجيد.
2 ـ نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح، انتشارات هجرت ـ قم.
3 ـ تفسير الميزان، العلاّمة الطباطبائي، مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت 1393 هـ ط2.
4 ـ تحف العقول، ابن شعبة الحراني، مؤسسة النشر الاِسلامي ـ قم ط2.
5 ـ اُصول الكافي، الكليني، دار صعب ـ بيروت 1401 هـ ط4.
6 ـ معاني الاَخبار، الصدوق، منشورات جماعة المدرسين ـ قم 1379 هـ.
7 ـ كنز العمال، المتقي الهندي، مؤسسة الرسالة 1405 هـ ط5.
8 ـ الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب الاصفهاني، مكتبة الكليات الازهرية ـ مصر
1393 هـ ط1.
9 ـ التفسير الكبير، الفخر الرازي ـ ط3.
10 ـ مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الاصفهاني، المكتبة المرتضوية.
11 ـ الخصال، الشيخ الصدوق، منشورات جماعة المدرسين ـ قم 1403 هـ.
12 ـ مكارم الاَخلاق، الطبرسي، مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت 1392 هـ ط6.
13 ـ الاَمالي، الشيخ الصدوق، مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت 1400 هـ ط5.
14 ـ الارشاد، الشيخ المفيد، منشورات بصيرتي ـ قم.
15 ـ الاختصاص، الشيخ المفيد، انتشارات مكتبة الزوراء ـ قم 1402 هـ.
16 ـ الفصول المختارة من العيون والمحاسن، السيد المرتضى، منشورات مكتبة
الداوري ـ قم 1396 هـ ط4.
17 ـ روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، منشورات الرضي ـ قم.
18 ـ المحجة البيضاء، المحقق الكاشاني، مؤسسة الاَعلمي ـ بيروت 1403 هـ ط2.
19 ـ تنبيه الخواطر، المعروف بمجموعة ورّام، دار صعب.
20 ـ في ظلال الصحيفة السجادية، الشيخ مغنية، دار التعارف ـ بيروت ط2.
21 ـ أخلاق أهل البيت عليهم السلام، السيد مهدي الصدر.
22 ـ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، دار احياء التراث العربي ـ ط2.
23 ـ التوحيد، الشيخ الصدوق، مؤسسة النشر الاِسلامي ـ قم.
24 ـ المؤمن، للشيخ الثقة الحسين بن سعيد الكوفي الاهوازي، تحقيق ونشر مدرسة
الاِمام المهدي(عج) ـ قم 1404 هـ.
25 ـ فروع الكافي، الكليني، دار صعب ـ بيروت 1401 هـ ط4.
26 ـ روض الرياحين في حكايات الصالحين، عبدالله بن أسعد اليافعي اليمني ثم
المكي، مؤسسة عماد الدين ـ قبرص.
27 ـ في رحاب أئمة أهل البيت عليهم السلام، السيد محسن الاَمين، دار التعارف للمطبوعات ـ
بيروت 1400 هـ.
28 ـ وسائل الشيعة، الحر العاملي، دار احياء التراث العربي ـ بيروت 1403 هـ ط5.
29 ـ المناقب، الخوارزمي، مكتبة نينوى الحديثة ـ طهران، ناصر خسرو.
30 ـ الشيعة بين الحقائق والاَوهام، السيد محسن الاَمين، مؤسسة الاَعلمي ـ ط2.
31 ـ قصص القرآن، محمد أحمد جاد المولى، دار الرائد العربي ـ بيروت 1406 هـ.
32 ـ مجمع البحرين، الشيخ الطريحي، المكتبة المرتضوية ـ طهران.
33 ـ الاَمثال في القرآن، الدكتور محمود بن الشريف، دار مكتبة الهلال ـ بيروت ط5.
34 ـ ثواب الاَعمال وعقاب الاعمال، الصدوق، مؤسسة الاعلمي ـ بيروت ط4.
35 ـ التفسير الكاشف، الشيخ مغنية، دار العلم للملايين ـ بيروت ط3.
36 ـ السيرة النبوية، لابن هشام، دار الفكر ـ القاهرة.
37 ـ من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، دار صعب ـ بيروت 1981 م.
38 ـ اُصول علم النفس، الدكتور أحمد عزت راجح، المكتب المصري الحديث ـ
الاسكندرية 1970 م ط8.
39 ـ الخطايا في الاِسلام، عفيف عبدالفتاح طبارة، دار العلم للملايين ـ بيروت ط1.
40 ـ سُنن أبي داود، دار الفكر، مراجعة وضبط محمد محيي الدين.
41 ـ صحيح مسلم، دار احياء التراث العربي، ط1.
42 ـ الصحيفة السجادية الجامعة، مؤسسة الاِمام المهدي(عج) ـ قم 1411 هـ ط1.
  |